
نهضة الحسين عليه السلام أسرار القوة والخلود – حسين الزيادي
تعد فاجعة الطف من أسوأ الفواجع التي عرفتها البشرية، وأول مجزرة انسانية شهدها التاريخ الاسلامي، فقد جمعت مظلومية كربلاء بين القسوة بأبشع صورها وبين الانحطاط والدناءة والتنكر لقيم العروبة والإسلام، واظهرت الحقد الدفين والجفاء بحق الرسول الاكرم صلوات الله عليه وآلة، فانتهكت قدسية الانسان بلا وجل ولا استحياء، وعلى الرغم من قسوة الواقعة إلا انها كانت مدرسة متكاملة وملحمة إنسانية في غاية الجمال والتلاحم والحكمة، فلم يشهد تاريخ الانسانية نهضة هزت وجدان العالم ومجدت الحق، مثل نهضة الامام الحسين، فجميع فصولها دروس وعبر، وكل آفاقها شرف ومجد، وقد حفلت بالعطاء الخالد الذي لا ينضب، والايمان الذي لا يقهر، والاباء الذي لا يقارن بسواه، لا شك إن الثورة الحسينية بشخوصها وأهدافها ومراميها غير قابلة للمقارنة بأية ثورة أخرى مهما حملت من أهداف إصلاحية أو تغييرية، وكلما تقادم الزمن اصبحت كربلاء اكثر رسوخاً في وجدان الأمّة، لأنها واقعة اجتازت جغرافية المكان والزمان واستمدت عظمتها من نور النبوة وعنفوانها من دماء الشهادة ، فأصبحت رمزاً للصراع الدائر بين الخير بكل مضامينه والشر بكل اتجاهاته .
فتحت نهضة الامام الحسين لأمم العالم وشعوب الأرض باباً جديداً اتسم بروح النهضة والتمرد على الظلم والطغيان، ومقاومة الاضطهاد ومناهضة الفساد، ويبقى خلود الواقعة عبر المراحل الزمنية سر من اسرار تلك النهضة، ويربط البعض بين خلود الملحمة ورمزية بطلها ، فالأمام الحسين عليه السلام رمز عميق الدلالة وشخصية مترامية الأبعاد، وهو الانموذج القرآني المتكامل التي لا تقتصر انموذجيتهُ على البُعد الاستشهادي فحسب، وإن كان هذا البعد في شخصيته عليه السلام هو الاقوى والأبرز الذي سلطت عليه الأضواء, فقد توّج الإمام الحسين عليه السلام حياته السياسيّة بصنع حدث كبير هزّ الضمائر الانسانية واستنهض الوجدان البشري من الاعماق، ولم تكن ثورته عليه السلام صراعاً بين قوى الخير وقوى الشر, بل هي في الواقع صراع بين القيم الإنسانية العليا وبين رواسب الجاهلية السفلى، صراع بين رسالة السماء وعبادة الأصنام، بين الإصلاح والإفساد، ولم تكن واقعة كربلاء موقعه عسكرية انتهت بانتصار وانكسار بل كانت رمزاً لموقف أسمى لا دخل له بالصراع بين القوة والضعف، فهو صراع بين الشك والإيمان بين الحق والظلم بين الفضيلة والرذيلة، بين النبل والخسّة، بين الشرف والإنحلال، بين السمو والوضاعة .
قضايا مصيرية
يعد عليه السلام من ألمع القادة المصلحين الذين حقّقوا المعجزات على مسرح الحياة، وقادوا المسيرة الإنسانية نحو السمو والرفعة فقد اسهم الامام الحسين عليه السلام في بناء الفكر الإنساني وتكوين الحضارة الاجتماعية، وبلورة القضايا المصيرية لجميع شعوب الأرض، ونهضته عليه السلام تختلف عما سواها من التحركات النهضوية والثورية التي يمارسها القادة سواء كانوا مصلحين او مفكرين لان الاخيرة غالبا ما تكون محدودة الهدف والطابع والتأثير، بمعنى ان القصد من قيامها جاء لتغيير واقع معين لفئة معينة ضمن مجتمع او امة معينة.
لكن مع النهضة الحسينية الأمر مختلف تماماً، فالأمام لم يخرج ليحقق مطلب دنيوي يعود بالفائدة الشخصية له ولمن معه او يخصص نهضته لفئة من الناس دون الأخرى او سعى لكسب بعض المنافع الانية. بل خصص سعيه لإنقاذ الإنسانية من براثن الاستبداد والتبعية وارساء الأساس الإلهي للعدل، والمتتبع لواقعة الطف يلحظ عظمة الارتباط بين الامام الحسين والمبدأ الانساني فقد كان عليه السلام عنوانا للطهر والفضيلة والاستقامة والذوبان في الله، وكان سخيا في إراقة دمه الزاكي وهو تحت ذلك الضغط النفسي الرهيب الذي مارسته جموع الأشرار المحيطة به.
لم تكن حادثة كربلاء وليدة يومها ولم تكن مجرد صدفة بل كانت نتاج طبيعي لانحراف في ثقافة الامة وعقيدتها، وعندما نفهم طبيعة هذا الانحراف فلا نعجب ان يترك الحسين جسداً مضرجاً بالدماء تذروه الرياح على بقاع الطف تاركاً وراءه ارث من المجد لا ينثني وقناديل من الكرامة بأبهى صورها، عرجت روحه عليه السلام مسافرة إلى حيث الخلود الابدي، وبقيت ملحمته خالدة في ذاكرة الإنسان والزمن.
ومن اسرار خلود ملحمة الحسين عليه السلام هو العمل الخالص لله تعالى، فنجد الإمام ورهطه النجباء رضوان الله عليهم ما شاب ثورتهم المباركة أية شائبة من حطام الدنيا، فكانت تحركهم وما قدموه خالصا للمبادئ التي آمنوا بها، ومن خلال تلك النيات والمواقف والتضحيات خلد الحسين وأصبح رمزا للحرية والكرامة في كل زمان ومكان فهي شخصية استثنائية بكل تفاصيلها بل هي شخصية النبي تجسدت في الحسين مصداقاً لقوله صلوات الله عليه( حُسين مني وأنا من حُسين) ، اما شعارات الطف فكانت واضحة جلية صرح بها الامام اكثر من مرة كما في قوله: ( إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه واله ، اريد ان آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر لذا فقد وضعف حركة الإمام عليه السلام الأمة أمام امتحان عظيم ، فقد رحل الحسين جسداً لكنه بقيّ فكراً وروحاً وفلسفة تاركاً إرثاً عظيماً لم يتركه احد، ترك مدرسة للبطولة والاباء وسفراً خالداً من الشجاعة والاقدام والتضحية والفداء والبطولة والإيثار، واغدق البشرية فكراً وعطاءً وغمرها نوراً وحياة، فأينعت به الضمائر الحية والنفوس الكريمة واخضرّت به القلوب المؤمنة التي ايقنت ان الشهادة طريق المجد والرضوان.
























