
بانوراما فتح القسطنطينية حرب الالف عام إنتهت بحصار الـ 55 يوماً
العثمانيون يظهرون قوتهم العسكرية بتحرير الاستانة
خولة العكيلي
احدث سقوط القسطنطينية أهم الملاحم التاريخية الخالدة في يد مسلمين الدولة العثمانية نقلة نوعية من العصور الوسطى الى بداية العصور الحديثة تمثل ببروز قوى مؤثرة يهابها الشرق والغرب . هذا ما نراه ونسمعه ونقرأه على اللوحات التعريفية لاحداث حرب القسطنطينية التي يجسدها متحف البنوراما وهو يقدم للزائر إرثا تاريخيا لبطولات القادة وشعوبهم وحبهم لاوطانهم ، العمل تم الانتهاء منه عام 2009 يقع في منطقة زيتون بورنو القلب النابض لأسطنبول
وعلى مقربة من مسجد الفاتح أحد أهم المساجد التاريخية للمدينة . يصور المتحف الذي يستقبلك عند مدخله تمثال فاتح القسطنطينية يشير بيده الى الطريق الذي تسلكه لترى اعظم ملحمة شهدها التاريخ عام 1453م بأجواء ذات تقنية عالية تأخذك الى عالم مرعب مخيف وكأنها حقيقة وسط ساحة المعركة ترى وتسمع من خلال المؤثرات الصوتية التكبيرات وصهيل خيول الجيوش وأنين الجرحى واصوات انهيار أحجار سور القسطنطينية العملاق الذي كان عصيا امام الغزوات والزلازل التي تعرضت لها المدينة يشعرك التصوير الثلاثي الابعاد بقشعريه ممزوجة برهبة المكان تستدعي الخوف من عالم لا ينفك يسعى الى حروب تنوعت اشكالها هدفها دمار الارض ومن عليها لمطامع لا تنتهي لم يأخذوا الدروس والعبر من جائحة كوفيد 19 التي ارعبت الطغات وقضت مضاجعهم داهم خطرها الكثير منهم ! المؤثرات البانورامية تنقلك عبر الزمن الى تلك الحقبة التي شهدت حرب ضروس مابين الروم البيزنطيين والمسلمين بقيادة السلطان محمد بن مراد بن محمد العثماني سابع سلاطين آل عثمان كما تقدم لك السرد الكامل لتلك الملحمة واذا كنت ملم ببعض احداثها فهي تغنيك عن قراءة سلسلة كتب عن نهاية امبراطورية الروم على يد السلطان العثماني محمد الفاتح الذي حمل لقب الفاتح بعد فتحه لمدينة القسطنطينية ثم غير اسمها عام 1930 إلى إسطنبول بموجب تعديلات أتاتورك القومية . المدينة تأسست عام 658 ق. م قبلها كانت قرية للصيادين تسمى بيزنطة .
كان لسقوط القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطينية في يد مسلمين الدولة العثمانية بقيادة السلطان ذو ال21 ربيعا محمد الثاني بن مراد العثماني ضد البيزنطيين والبنادقة والجنويين بقيادة قيصر الروم الإمبراطور قسطنطين پاليولوگ الحادي عشر بعد حصار استمر خمسة وخمسين يوما بداية من 5 نيسان حتى 29 أيار سنة 1453م عندما انهارت جيوش الروم ووقعت المدينة لقمة سائغة بيد العثمانيين كان لتلك الاحداث التي جرت في العصور الوسطى صدى كبير إذ بسقوط القسطنطينية بدأ العالم بالتحول إلى نظام عالمي جديد عندما أطاحت الدولة العثمانية بالإمبراطورية البيزنطية إحدى أبرز القوى المؤثرة في العالم وقتذاك مايشير الى بزوغ فجر قوة عسكرية أخرى يهابها الشرق والغرب هذا مااكده المؤرخ التركي يلماز أوزتونا في تاريخ الدولة العثمانية اذ قال : يعد فتح إسطنبول أكبر حدث في التاريخ التركي فقد بشر ذلك الفتح بشكل واضح أن تركيا سائرة في طريق الدولة العظمى كونه نهاية القرون الوسطى وبداية القرون الحديثة . ومن أكثر المجالات تأثرا بهذا الفتح العسكرية العثمانية والتي ظهر بريقها بعد المعارك الطاحنة التي خاضها العثمانيون لفتح المدينة المنيعة التي ادت الى ارتفاع سمعتهم العسكرية ومما أسهم في ذيوع صيت العسكرية العثمانية ما تناقله المؤرخون البيزنطيون واللاتينيون الذين عاصروا الفتح من الخطط والوسائل الحربية التي ظهرت أثناء الحصار ومنها خطة تسيير السفن على البر فقد نقل العثمانيون في ليلة واحدة السفن من مرساها في بشكطاش إلى القرن الذهبي بجرها على الطريق البري بين المينائين اللذان يقعان ضمن مدينة أسطنبول علما أن المسافة الواقعة بينهما تقدر بحوالي ثلاثة أميال ، والميل هو وحدة قياس المسافات الطويلة المرتفعة . كانت الأرض ليست ممهدة بل مرتفعات وتلالا تعلو وتنخفض وتتعرج فقاموا بتسوية الطريق وتمهيده وصف الألواح الخشبية ودهانها بالزيت والشحم ثم تزليق السفن على الألواح بعد نشر أشرعتها بعدها جرى سحب السفن إلى المضيق وإنزالها في مياه القرن الذهبي وسط جو من الذهول خيم على البيزنطيين فضلا عن أسلوب حرب الأنفاق الذي اتبعه الفاتح حتى فاجأ سكان القسطنطينية بسماع ضربات قوية تحت الأرض ما جعل الإمبراطور يعمل على جمع خيرة مهندسيه لينظروا في أمر تلك الأصوات فأدركوا أن المسلمين يحفرون أنفاقا تحت الأرض بهدف التسلل من خلالها إلى داخل المدينة فأمر بحفر نفق تجاه نفق المسلمين وظلوا ينتظرونهم حتى يخرجوا عندما رأى العثمانيون الفجوة التي حفرها البيزنطيون ظنوا أنهم اهتدوا إلى طريق يمكنهم من بلوغ المدينة وما إن أبصروا النور في نهاية الحفر ( وهي ماثلة في البانوراما امام الزائر )حتى سقط كثير منهم شهداء فقد كانوا على موعد مع المواد الحارقة المهلكة صبها عليهم البيزنطيون . ومن الأدوات التي زادت من سمعة العسكرية العثمانية المدفع السلطاني الكبير الذي عمل عليه على قدم وساق جمع كبير من المهندسين والصناع والعمال وكان السلطان بنفسه يشرف على خطوات العمل وبعد أيام طوال من الجهد الدؤوب كان السلطان على موعد مع أضخم مدفع عرفه التاريخ آنذاك تبلغ زنة قذيفته 1500 كيلو غرام يسمع صوتها من مسافة ثلاث عشر ميل لثقله المفرط استغرق نقله من أدرنة المدينة التركية المحايدة لبلغاريا واليونان إلى القسطنطينية قرابة شهرين لأن حركته لم تزد سرعتها على 4 كيلومترات في اليوم الواحد اطلقت علية المصادر الغربية أسم المدفع السلطاني ومن فرط تأثيره الساحق على مسار المعركة شبهه بعض المؤرخين الغربيين بقنبلة عصره الذرية كأول سلاح دمار شامل لدوره الفعال في إحداث ثغرات في أسوار القسطنطينية المنيعة وبثت الرعب في قلوب البيزنطيين حينها وصل الأمر إلى الجيوش الأوروبية التي أسرعت بتدارس الخطط والتكتيكات الحربية للعثمانيين بعد الفتح وكيفية حصار واقتحام المدن حتى بلغ حد إعجابهم بالفرق الإنكشاريةوهي( قوات مشاة وفرسان من نخبة الجيش العثماني) إلى أنهم قاموا بتشكيل فرق مشابهة ومن آثار فتح القسطنطينية على العسكرية العثمانية السيطرة على ضفتي مضيق البوسفور والربط بين الأراضي العثمانية في آسيا الصغرى والأراضي التي ضمتها الدولة العثمانية حديثا في قارة أوروبا مما أدى إلى تحسين أوضاعهم الاستراتيجية والسيطرة الكاملة على طريق التجارة الذي يؤدي إلى البحر الأسود فضلا عن تعزيز جهود نشر الإسلام في أوروبا إذ أن الفتح شجع العثمانيين على استكمال طموحاتهم العسكرية والألتفات إلى ماتبقى من خصومهم والأخذ في التوسع الجغرافي لدولتهم الامر الذي مكن العثمانيون من نشر الإسلام في أوروبا بفضل الانتصارات المتتالية لجيوشهم حتى وصلت إلى فيينا وحاصرتها مرتين فضلا عن تعاظم اهتمام العثمانيين بالقوات البحرية لتكون متوافقة مع القوة البرية الجبارة في الفتوحات الجديدة حيث ظهر خلال أحداث فتح القسطنطينية قصور البحرية العثمانية مقارنة بالبحرية البيزنطية ما جعل الدولة تولي اهتماما فائقا بالقطع البحرية ومن يتتبع مسار المعارك البحرية للدولة العثمانية بعد الفتح يدرك ازدياد نشاط الأسطول البحري بشكل فعال منها هجوم الأسطول البحري العثماني على جزيرة رودس التابعة لفرسان القديس يوحنا عام 1455م وخوض الأسطول معركة بلجراد عام 1456م فضلا عن تمكنه فتح قسطموني وسينوب على ساحل البحر الأسود عام 1460م تلتها المساهمة القوية للأسطول في فتح طرابزون شمال تركيا عام 1461م ولابد هنا من الإشارة الى ان العرب المسلمين هم سباقون بإنتصاراتهم البحرية في معركة ذات الصواري التي حدثت
عام 655م بين المسلمين والإمبراطورية البيزنطية انتصر فيها المسلمين وبها انتهت سيطرة الدولة البيزنطية على البحر الأبيض المتوسط وكانت أول معركة بحرية في التاريخ الإسلامي خاضها المسلمين بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي السرح (وهو صحابي وقائد عسكري واخو عثمان بن عفان بالرضاعة و اخو الصحابي وهب بن سعد الذي استشهد في غزوة مؤتة ) كانت امام قائد الأسطول البيزنطي قسطنطين بن هرقل الذي توفي بعد 4 أشهر من توليه العرش نتيجة إصابته بمرض السل وهناك رواية تقول بأنه توفي جراء سم وضعته مارتينا زوجة أبيه ووالدة أخيه هرقلوناس. وبالعودة الى المتحف تجولنا في باحاته ولم نتمكن من الحصول على جهاز الترجمة الخاص بالمتاحف الذي يتحدث عدة لغات اشار لي رجل البوليس عند مدخل المتحف الذي ربما لم يفهم ماطلبت منه لكنه اخبرني بأنه غير متوفر لا اعلم السبب رغم علمي ان إسطنبول بلد سياحي بإمتياز والحاجة ملحة لهكذا تقنية لاسيما ان اغلب الاتراك لا يتحدثون لغة ثانية إلا ماندر اعتمدت على اللوحات التعريفية التي كتبت بالغتين التركية والانكليزية ترجمتها لاحقا ، المتحف يحتوى على ثلاث طوابق احدهما يعرف بالتاريخ والثقافة العثمانية فيه صور لسلاطين تلك الحقبة وبجانب كل صورة شرح مفصل عن الشخصيات والطابق الذي يليه وهو الأجمل مصمم على شكل دائري تغطيه قبة كروية مليئة بالرسومات ثلاثية الأبعاد وفيه تفاصيل كثيرة تشعرك أنها حقيقية كالأحجار المنبثقة من المنجنيق وملامح التعب المرسومة على وجوه المقاتلين فضلا عن الأسلحة الحقيقية الموجودة في أرضية المتحف كالمدافع والرماح والأدوات الأخرى والنيران المشتعلة والدخان المنبعث من القصف المدفعي وبعد ان تغادر ذلك المكان المهول تأخذك السلالم حيث طريق مغادرة المتحف حتى تجد نفسك داخل متجر لبيع الهدايا التذكارية والمجسمات المصغرة المتعلقة بفتح القسطنطينية اقتنينا بعضا منها كانت أسعارها مناسبة كون المتحف وملحقاته تحت اشراف بلدية إسطنبول بمعنى تسعيرة حكومية وينتهي بك طريق الخروج من باب المتحف الى حديقة البانوراما وبعض ماتبقى من أسوار القسطنطينية الحقيقية لتشاهد وتتفكر في جمال وعظمة ومتانة العمران الذي تم بناؤه كما تشير المصادر التاريخية بامر من الإمبراطور البيزنطي ثيوديوسيوس الثاني بداية القرن الخامس الميلادي لتكون حصنا منيعا يحمي المدينة ويدافع عنها ضد هجمات أعدائها اذ كان الهدف من تصميمه ان يكون اجتيازه شبه مستحيل من البر أو البحر هذا ما يفسر صمود القسطنطينية مايقارب 1500 عام . و بعد ثمانية قرون تحققت البشارة النبوية بفتح القسطنطينية التي كانت حلما ومطمحا صعب المنال على القادة والفاتحين على مدى تلك الفترة
حتى كان الفاتح محل ثناء النبي (ص ) بقوله: لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش . ولا نعلم مدى صحة ذلك هل قيل بحق الفاتح ام غيره ! .(فقد خضع الحديث للجرح والتعديل) ويمكن للزائر ان يشاهد ويقرأ قول الرسول قبل الشروع بدخوله قاعة بنوراما ملحمة القسطنطينية الذي ينسب الى السلطان محمد بالفاتح المولود في 30 آذار عام 1432م سابع سلاطين الدولة العثمانية والده مراد بن محمد الاول الذي أهتم بتعليمه ليكون جديرا بالسلطنة والنهوض بها فحفظ القرآن وقرأ الحديث وتعلم الفقه ودرس الرياضيات والفلك وأتقن فنون الحرب والقتال وأجاد العربية والفارسية واللاتينية واليونانية واشترك في الحروب والغزوات وبعد وفاة أبيه في 7 من شباط 1451م تولى الفاتح السلطنة فتى في الحادية والعشرين من عمره شديد العزم والاقتدار . توفي السلطان محمد الفاتح مسموما يوم 3 أيار 1481 بعد عدة محاولات لإغتياله عن عمر ناهز ال 49 عام بعد أن حكم 30 عاما خلف وراءه سمعة مهيبة في كافة بقاع الأرض حقق الكثير من الفتوحات والإنجازات ا?دارية الداخلية.
ولكم بعض من وصيته لأبنه بايزيد الثاني وهو على فراش الموت :
احر على أموال بيت المال من أن تتبدد .
إياك أن تمد يدك إلى مال أحد من رعيتك إلا بحق الأسلام . اضمن للمعوزين قوتهم وابذل إكرامك للمستحق . وبذلك انطوت الصفحة الاخيرة من حياة احد الابطال الذين خلدهم التاريخ تجسدت بطولاته في ذلك العمل الملحمي البانورامي الذي يروي لنا كيف أسدل الستار على امبراطورية القسطنطينية العظيمة التي كانت صعبة المنال على المسلمين لقرون عديدة حتى أصبحت اليوم أسطنبول المدينة الحالمة التي يغرم بها الداني والقاصي حتى قال بحقها نابليون بونابرت لو كان العالم دولة واحدة لكانت القسطنطينية عاصمتها.
























