
لإستكمال برنامجه الحكومي بنجاح … المرحلة توجب تفعيل الحوار الوطني – رياض عبد الكريم
شهدت الساحة السياسية العراقية على مدى عقدين من الزمن الكثير من الخلافات والصراعات والتقاطعات ، اكثر بكثير من حلات الانسجام والتداخل الفكري والوطني ، وحقيقة الامر ان كل الذي حصل وبأعتراف السياسين انفسهم من احباط في بلورة موقف وطني ناضج وواضح يخدم مصلحة البلد والشعب ، كان بالامكان تجاوزه وحل كل الاشكالات التي طغت على المشهد ، فلو انتظمت صيغة منهجية وافكار حوارية في حدود حصر القضايا الخلافية ، ولو وحدت الاحزاب موقفها تجاه المعضلات المصيرية ، ولو تفهمت تلك الاحزاب ماذا تعني مفردة التنازلات ، لما حصل الذي حصل في ضبابية الرؤية وتشضي الحراك ، والامر المؤسف ان معظم الاحزاب تنظر الى التنازلات على انها امرا مستحيلا ، في حين ان النضج السياسي يرى غير ذلك تماماً عندما يتعامل مع التنازلات على انها قيمة عليا في الحس الوطني ، وتعبير واعي عن الانتماء العراقي ، وافصاح عن تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الذاتية ، بمعنى ان لاتتمسك الاحزاب بمصالحها المالية والتوسعية والهيمنة على كل ماهو متاح في ظل غياب الرقابة وعدم وجود ضوابط عليا مسؤولة عن الرقابة والمحاسبة ، بحيث غدت الاحزاب قوة فوق قوة الدولة ، وصارت الى حد ما سلطة السياسة اقوى من سياسة السلطة .
تفاعلات ايجابية
وعلى اساس ذلك فأن الواقع السياسي طالما اهتم بمصالحه وتنمية نفوذه ، فهو في حقيقة الامر قد ابتعد كليا عن سياسة المراحل التي توجبها الظروف للتغيير والتجديد والمراجعة ، وهذا يعني ايضا ان الطبقة السياسية قد انحرفت كليا عن اهدافها ومبادئها وصارت اشبه ماتكون عبارة عن كيانات مشتتة وبعيدة عن التداخلات الايجابية على الصعيد الشعبي والحكومي ، الامر الذي انتج حكومات ضعيفة تتلاقفها عواصف عاتية هزت كيانها وفككت مفاصلها ، ذلك ان الحكومات القوية في العالم المستقر تستمد قوتها وتهتم بمنجزها الوطني من خلال طبقة سياسية مستقرة ومتزنة وعقلانية ، تتفاعل بايجابية وتفهم لدور الحكومة في منجزها ، ودور البرلمان في منجزه ايضا ، اذ انعكس هذا التشظي حتى على واقع نشاط البرلمان حيث اتسمت جلساته بالروتينية والبرود الذي غالبا ماتسخنه الخلافات والتصعيد في الخطاب المتشنج الذي يقود الى عرقلة اعمال المجلس وفض العديد من الجلسات بدون ان تحقق نتائج ايجابية .
السؤال الان بعد استعراض الواقع السياسي المرير هو :
كيف الخروج من هذا المأزق والتوصل الى حلول مقنعة ؟ والجواب هنا يكمن بالتوجه الى حل كل الازمات والمشاكل في سلة واحدة تحمل عنواناً كبيراً ومهماً هو الحوار الوطني فهو الملاذ الاخير المتبقي كحل جذري لكل الاشكالات على صعيد ترميم الكيانات السياسية وعلى صعيد اصلاح الوضع بالعراق بعد ان دمره الفعل السياسي الذي انحرف عن مبادئه الوطنية واهدافه التي جاهر بتحقيقها .
وعليه فإن الحوار لا يدعو المغاير أو المختلف إلى مغادرة موقعه الثقافي أو السياسي، وإنما هو لاكتشاف المساحة المشتركة وبلورتها، والانطلاق منها مجددا ومعا في النظر إلى الأمور. وإن عظمة أية ثقافة في انفتاحها، وقدرتها على تأصيل مفهوم الحوار والنقد في مسيرتها، فثمة أشياء ومعارف عديدة يتم الاستفادة منها من جراء الانفتاح والتواصل والحوار.
بيئة نقية وشفافة
وحتى نعمق فكرة الحوار الوطني وانجاحه ، لابد من توفير بيئة نقية وشفافة يؤطرها الحس الوطني وتتألق فيها الهوية العراقية بعيدا عن التصنيفات المتعلقة بالقومية او الدين او المذهب وتغييب مفردة المكونات تعبيراً على ان الشعب العراقي واحد والعراق هو الاوحد، ولاجل تنظيم صيغة متزنة وعقلانية واعطاء هذا الحوار قيمة عليا توصل للعالم ان ثمة حراك سياسي كبير يجري في العراق على ايدي ساسته وبمشاركة شعبية واسعة ، وهنا اود الاشارة الى تصريحات الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، السيّدة جينين هينيس – بلاسخارت قبل فترة، خلال زيارتها للمتظاهرين في ساحة التحرير ، قائلة:
“شاهدت في الشوارع نساءا ورجالا، شبابا وكبارا في السن، متحدّين تحت العلم العراقي في حبّهم لبلدهم. وقد منحت الديمقراطية العراقيين الحق في إسماع أصواتهم ومحاسبة قادتهم. واليوم يقف العراق على مفترق طرق: إما إحراز التقدم عبر الحوار، وإما الجمود المؤدي للانقسام.”
وأشارت هينيس- بلاسخارت في البيان إلى أن “العنف لا يولد سوى المزيد من العنف، لكن الحوار الوطني العام يمكن أن يجمع كلمة العراقيين لوضع خارطة طريق نحو عراق أكثر شمولا واستقرارا وازدهارا.”
الحد الادنى من النجاح
من هذه التداخلات بمعناها الوطني والقييمي التي اشارت اليها ممثلة الامم المتحدة ، يمكن ان ينطلق مشروع الحوار الوطني ، سيما وأن المرحلة التي يمر بها العراق الان ، من استقرار وهدوء وتوجهات حكومية ناضجة يقود مسيرتها رئيس الوزراء بهمة عالية وجدية ملحوظة لم نشهدها في الحكومات المتعاقبة السابقة وهو يضع النجاح امامه كهدف مرتجى للوصول اليه.
لابد والحالة هذه ان يترافق معها نضج سياسي وتفاعل ممنهج في التوجهات والافكار من اجل بلورة صيغة جديدة تصهر كل مفردات الخلافات وتشتت المواقف وتحيد الخطاب ولو بالحد الادنى ، وفي هذا الصدد ولاستكمال نجاح البرنامج الحكومي لابد من تنضيج وتفعيل فكرة الحوار الوطني من جديد بخطوة جريئة يدعوا لتحقيقها السوداني ومن موقع القوة ودلالات النجاح المتحقق لحد الان ،على ان يكون مختلفا كليا بكل تفاصيله ومعانيه واهدافه عما سبقه من مؤتمرات هزيلة ومبادارات سطحية ادت لسوئها وسذاجة الاعداد والتحضير لها الى تعميق الخلافات والصراعات وكأنها اقرت مشروعية تلك الخلافات دون ان تدرك عواقب ما سيحصل ، وبالفعل فقد غلب السوء على المشهد السياسي مكتسحا مظاهر الانسجام والتعقل والحس الوطني .
وعندما ندعو الى مشروع الحوار الوطني في هذه المرحلة المفصلية ، فأن هذه الممارسة لايمكن ان تحقق النجاح مطلقا في حدود الانتقال من مرحلة النكوص الى مرحلة التجديد ، لانها مرتبطة اساسا بتنقية الاجواء وتهيئة بيئة سياسية متفاعلة مع الواقع ومستجيبة لضرورات المرحلة ،
وهنا اذكر حالة مشابهة لواقعنا ، فقد مر لبنان بنفس الظروف المعقدة وبرزت الصراعات السياسية على اشدها مما قادت هذه الصراعات الى الحرب الاهلية وصلت الى حد الاقتتال في الشوارع بدايات سبعينات القرن الماضي واستمرت قرابة العشر سنوات ، لكن انبرى بعض العقلاء متسائلا الى متى يستمر هذا الامر والى اين نريد ان نصل ، فكان مؤتمر الطائف الذي انعقد في السعودية وبرعاية منها وفتحت ملفات الحوار الوطني بحضور كل الفرقاء من قادة لبنان السياسيين، تملكتهم اندفاعات معززة بالروح الوطنية وشعور بالندم والاسف على كل ماحصل وما اصاب بيروت من دمار وتخريب ، وعلى مدى ثلاثة ايام فقط توصلوا الى اتفاقات تفصيلة انهت قتال العشر سنوات واقرت التوجه الى البناء والاعمار ، وعاد الاخوة الاعداء الى بيروت حيث اصبحوا الاخوة الاصدقاء .
ضرورة الحوار الوطني
اخلص مما تم ذكره اعلاه ، الى ان البلد في مأزق كبير وهو بحاجة الى ترميم جذري واعادة تكوين بعيدا عن الترقيع والمماطالة والتوجهات المنفردة ، لان التحدث من المنابر الخاصة واطلاق التصريحات والبيانات حول مختلف القضايا سوف لن تجدي نفعا وهي التي طغت على المشهد السياسي طيلة العشرين عاما التي مضت وهي التي كانت السبب في دمار البلد ، وعندما نتحدث عن ضرورة الحوار الوطني وندعو اليه بشدة لانعني التوجه الى اجتماع شكلي دون اعداد مسبق تحضره مجموعة من الاحزاب والكتل وتجري مناقشات استعراضية مهلهلة دون التوصل الى اتفاقات ، مثل ما حصل سابقا ، ذلك ان المطلوب ان تبادر قيادات الرؤساء الثلاثة لعقد هذ الاجتماع الموسع تحت صيغة الحوار الوطني بعد التنسيق مع الامم المتحدة لكي يكون الحوار برعايتها واشرافها ، ويضم قادة الكتل السياسية التي لديها تمثيل في البرلمان واختيار مجموعة سياسيين يمثلون الاحزاب التي ليس لها تمثيل في البرلمان ، وتشارك فيه منظمات المجتمع المدني وممثلين عن تنسيقيات التظاهرات والنقابات العاملة في العراق ، كما توجه دعوات رسمية لشخصيات سياسية عربية وعالمية البعض منها معني بحقوق الانسان ، ودعوات اخرى الى الجامعة العربية ومنظمة حقوق الانسان ومنظمة المؤتمر الاسلامي والاتحاد العربي للبرلمان كذلك الاتحاد الاوربي وبعض المنظمات الانسانية في الامم المتحدة ، على ان يحضره كل وزراء الحكومة العراقية ، وان تعد ورقة عمل بعد عقد سلسلة اجتماعات مع رؤساء الكتل السياسية لتحديد اهداف وتوجهات الحوار والتأكيد عل جعل هذا الحوار هو الفرصة الاخيرة امام العراق ولابد ان يحقق هذا الحوار الاتفاق على وثيقة عهد تلزم كل الاطراف المعنية بنتفيذها ، على ان تطرح فيه كل ازمات البلد بالتفصيل ، وان تناقش بروح وطنية وبحس انتمائي ووفائي حتى لو اضطر البعض لاعطاء تنازلات مقابل سلامة واستقرار العراق وتأمين مستقبل متساوي للجميع .
ولااريد ان ادخل في تفاصيل اخرى لان الكثير من الامور اللوجستية لابد ان تدرس من قبل المعنيين ويمكن طرح الاضافات التي يمكن ان تعمق وتنضج هذا الحوار .
قبل ان اختم ، أأوكد لكم ان لا انتخابات ناجحة ، ولا اصلاح ناضج ، ولا استقرار دائم ، ولا تغيير مقنع ، بدون عقد هذا الحوار ، فهو الذي سيشكل خارطة عمل جديدة تنسجم مع متطلبات الشعب ومطالب المتظاهرين ، وتتيح للحكومة فرصة مريحة للعمل ومنسجمة مع الواقع السياسي ، وكذلك لمجلس النواب .
كاتب ومتابع للشأن السياسي























