
كيف صدرت جريدة الجمهورية بعد 14 تموز ؟
بيروت – محسن حسين
في ليلة 16 تموز 1958 وقد مضى يومان على ثورة 14 تموز التي أطاحت بالنظام الملكي وبينما كنا في جريدة الشعب نستعد لإصدار عدد جديد طوق مبنى الجريدة بقوة قال افرادها انهم يمثلون حكومة الثورة وان جريدة تمثل الثورة ستصدر بدلا من جريدة الشعب.
هذه كانت بداية تأسيس جريدة الجمهورية.
كنت اعمل في جريدة الشعب منذ نحو سنتين وبعد انطلاق الثورة ذهبت مجموعة من المحررين (كنت واحدا منهم) الى منزل صاحب الجريدة ورئيس تحريرها يحي قاسم لاقناعه باصدارها لكنه لم يوافق صراحة وقال افعلوا ما تريدون بدوني وقد اصدرنا عددين من الصحيفة قبل اغلاقها الى الابد.
في اليوم الأول للثورة حملت عددا من صور التأييد الشعبي للثورة وذهبت الى الاذاعة حيث قيل لي ان وزير الارشاد موجود هناك ولا بد من أخذ موافقته على النشر. كان الوزير الذي أعلن اسمه في بيان تشكيل الحكومة صديق شنشل لم يتسلم منصبه الذي اسند وكالة الى وزير آخر.
في غرفة تقع في بداية مبنى الإذاعة كان هناك العشرات من الضباط والمدنيين فسالت أصغرهم سنا عن الوزير وإذا به يقول أنا الوزير ماذا تريد؟
في تلك الساعة تعرفت على فؤاد الركابي وزير الاعمار الذي تولى وزارة الإرشاد لحين وصول الوزير صديق شنشل.
اذكر ذلك لان فؤاد الركابي كان في مقدمة من دخلوا الى مبنى جريدة الشعب في تلك الليلة ولم يعرف من العاملين غيري بعد مقابلته في الاذاعة فجاء الى مكتبي وجلس معي وطلب الصفحات المطبوعة من الصحيفة. في ذلك الزمان كانت الصحيفة ذات الاربع صفحات تطبع اولا الصفحتين الثانية والثالثة ثم تطبع ليلا على الوجه الآخر من ورق الصحيفة الصفحة الاولى والاخيرة كي تنشر اخر الاخبار في الصفحة الأولى. اطلع الركابي على ما هو مطبوع قبل طبع الصفحة الأولى فاعترض على موضوع عن تمثال عبد المحسن السعدون فيه اشارة الى موقفه من بريطانيا وانتحاره لعدم تمكنه بين ما يريده الشعب وما تريده بريطانيا.قال الركابي (اتركوا ما طبع وابدأوا من جديد وان رئيس التحرير الدكتور سعدون حمادي سيصلكم الليلة).
وجاء رئيس التحرير
اذكر من بين الذين جاءوا مع الركابي، حافظ علوان احد مرافقي الزعيم عبد الكريم قاسم وكذلك علي صالح السعدي ثم عبد الستار الدوري وهما من قادة حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان ممثلا في حكومة الثورة بوزير الاعمار فؤاد الركابي.
غادر الركابي وبعض من كان معه وبعد ساعات وصل حمادي ودخل غرفة رئيس التحرير وأغلق بابها وبقينا مدة طويلة ننتظر الى ان وصلنا منه المقال الافتتاحي عند منتصف الليل. وبعد ساعات بدا طبع اول عدد من جريدة الجمهورية لتكون جاهزة للتوزيع في الساعة الحادية عشرة من صباح 17 تموز باربع صفحات فقط.
تضمن العدد الأول بيانات الثورة والتشكيلة الوزارية ومجلس السيادة ومواضيع شتى عن التأييد الشعبي وبعض الصور.
في الايام التالية عمل في الجريدة معاذ عبد الرحيم وعبد الوهاب الغريري وحازم جواد وطارق عزيز وعبد الصاحب العلوان وفؤاد عبد الله وسجاد الغازي وغيرهم.
وللتاريخ أذكر ان جريدة الجمهورية ظلت تصدر ثلاثة اشهر ونصف فتعطلت بأمر من رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم في 5-11-1958 اثر الخلاف بين قائدي الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف واعتقل معظم العاملين فيها من قادة حزب البعث.
كانت الجريدة في الكثير من مواضيعها ومقالاتها الافتتاحية تمثل آراء حزب البعث مما جعل الأحزاب الأخرى تعترض على ذلك وتطالب بصحف تمثلها. وتقرر حلا للاشكال ان تحمل اسم عبد السلام عارف صاحب الامتياز اعتبارا من العدد السابع للجريدة.
واذكر ان عبد السلام سئل كيف يجوز لضابط إصدار جريدة خلافا للقانون فقال بعفوية قمنا بالثورة خلاف لذلك القانون.
وظل اسم عبد السلام عارف في الجريدة أربعة أعداد ثم تقرر تغييره يوم 30 تموز 1958 ليكون صاحب الامتياز رشيد فليح وهو عقيد متقاعد لا علاقة له بالصحافة اختاره عبد السلام عارف لأنه كان في وقت سابق أمرا له وهو من المشاركين في ثورة مايس 1941.
** الانتقال الى مطبعة الأخبار
بعد فترة قصيرة اكتشف المشرفون على الجريدة ان بناية ومطبعة جريدة الأخبار التي كان رئيس تحريرها جوزيف ملكون احدث وموقعها ممتاز قرب القصر الابيض فسيطروا عليها وبدأت الجريدة تطبع من هناك.
بعد يوم من اعتقال عبد السلام عارف في 5 تشرين الثاني 1958 صدر اخر عدد من جريدة الجمهورية يحمل الرقم 94 فتوقفت واعتقل عدد من العاملين فيها ومنهم عبد الوهاب الغريري الذي تولى رئاسة التحرير خلفا لسعدون حمادي ابتداء من 12تشرين الاول وعلي الحلي وفيصل حبيب الخيزران وعبد الستار الدوري ومعاذ عبد الرحيم و رشيد فليح.
خلال الاشهر الثلاثة صدر عن الجريدة ملحق اسبوعي واخر شهري بشكل مجلة ثقافية تحمل اسم طارق عزيز مديرا للتحرير وحازم جواد مديرا للادارة ومن العاملين في الملحق بدر شاكر السياب وعلي الحلي وسميرة عزام وطالب شبيب .
اما انا فقد نشرت في الجريدة عدة موضوعات اهمها لقاءات مع العقيد عبد السلام عارف والوزير فؤاد الركابي ومرافقتي عبد السلام عارف في زياراته للالوية (المحافظات) لكن المشرفين على الجريدة لم ينشروا ما كتبته عن زيارته للواء ديالى وكتب عبد الوهاب الغريري بدلا منه وصفا للزيارة يقول فيه ان الناس استقبلوا عارف وهم يطالبون بالوحدة مع صورة مفبركة تحمل هذا الشعار وفي اليوم التالي فصلت من الجريدة وبدأت بالعمل في جريدة البلاد التي كان يديرها أبناء روفائيل بطي.























