
(تراتيل على جسد الوطن) مجموعة شعرية للشاعر عدنان الجزائري تأخذ بعنوانها الى خضم مثابات نصوصها الابداعية التي حفرت في هموم العراق شعبا وارضا وتاريخا.
ولكلمة (تراتيل) معنى يؤكد قدسية مضامين تلك النصوص التي شاء مبدعها ان ينوع في اشكالها الفنية بين شعر التفعيلة والشعر التقليدي المعتمد على وحدة القافية، وعندي ان لا فرق بين الشكلين حينما تكون الشاعرية والشعرية هما فيصلاً في فنية النص.
من خلال قراءتي المتأنية لهذه المجموعة فان الجزائري، يؤكد جدارته في قول الشعر بوصفه تلاحما مع الواقع وكشفا لصراعاته وبناءً لصروح ثانية مستلّة من الواقع الاول الذي خربه المفسدون وتجار الجريمة والمتربصون بالوطن لإدامة إيذائه وإفشاله والحكم عليه بالموت، ولكن رؤية المبدع المتسلح بعقيدة الوطن تفتح في آفاق مراقباته اليومية رؤيا مضمخة بالألم والامل معا، المٌ يضع الامل وامل ينبثق من خضم روح الالم العراقي المقيم في اعماق المحبين والعاشقين له.
ولأن الجزائري شاعر ذو خبرة تؤهله التحكم بمهارة في بناء نصه فان المتابع للنصوص تتجلى امامه تلك المهمة المبدعة التي انطلق منها ليؤسس افكاره، ولهذا يمكنني القول ان نصوص هذه المجموعة تقترب من روح الوثيقة الابداعية التي يجب على المبدعين ابتداعها في الزمن الملتبس الذي، نعيشه في وطننا الجريح.
الزمن الذي اختلط فيه الحابل بالنابل واختلت موازين المواطنة فيه فاصبحنا نرى احكاما لا تمت الى الواقع بصلة تتعلق بمصائر الرجال والافكار والاوطان عموما، وعندي ان الشعر يقف متفرجا لاهيا عن احوال واقعة، شعر لا قيمة تاريخية له.
وهذا لا يعني مطلقا اهمال الجانب الفني فيه ومنه، وهذا ما لمسناه في نصوص هذه المجموعة الوثيقة التي تنبثق من روح وطنية خلّاقة ومضامين سامية هي بعض من شذرات عطاء المناضلين حيثما كانوا.
نصوص المجموعة توزعت بين الشعر التقليدي والشعر الحديث توزيعا يؤكد للمتابع ان التواصل بين الشكلين هي سمة الشعراء الحقيقيين الذين اسسوا لإبداعهم بثقة ووعي وشجاعة مكنتهم من ابقاء جسور التواصل قوية بين ماضي القصيدة العربية واصالتها واشراقة النصوص الحديثة وعجائبيتها.
اصوغ معادلة تؤكد هذا الراي من خلال اختيار انموذجين اراهما قادرين على توكيد ما قلت. ففي نص (انا اقرا الفاتحة) يقول الشاعر:
خطوةٌ اوسعُ مما
يجهلها التائه
انا.. وانت
ننكأ جراحاتنا
حيث يكون
افقنا اوسع
من خطواتهم
في هذا المقطع النوحي المنفتح على افاق رحبة من التوقع يؤكد الشاعر على مقدرة الشعر في قول ما لم نستطيع ان نقوله الا بصفحات، فثمة خطوة تسع الوجود، خطوة لا تقاس بمسافاتها المادية وانما بقدرتها في صنع مسيرة عظيمة من الالم والتطلع الى بناء حياة حديدة بخطوات واثقة هي اوسع من خطوات الظلام ورواده.
« انا اقرا الفاتحة
وهم لا يهتدون للسراط
لأنه مستقيم «
في هذه الضربة الشعرية الرائعة التي تشير الى اية قرآنية معلومة يختصر الشاعر الجزائري معاني الوجود وجدلية الصراع فيه بين مخادعين يتاجرون بالنص المنزل وبين مؤمنين حقا بمعاني الصراط سماويا كان او ارضياً، وهذا الاختصار هو مكمن الشعرية لدى الجزائري وهو مكمن يستثمره في نصوصه جميعا.






















