
جولة بين التاريخ والأدب في القاهرة – حمدي العطار
قصر عابدين ومقهى الكرنك ومنطقة شبرا ونادي الأدب
القاهرة
تردد سؤال داخلي بينما كنت اتأمل المباني العالية في شارع عدلي وشارع الشريف التي قررت ان اقطعهم مشيا على الاقدام للوصول الى (قصر عابدين) هذه المباني التي احجارها تضع التاريخ امامكم، هل يمكن للبناء الحديث ان يكون بديلا عنها ؟ ومهما كان البناء المعاصر جميلا فهل يمكن مقارنته بدلالالة التاريخية والمعاني العميقة للاحداث والمراحل الزمنية المتعاقبة على مدينة مثل القاهرة؟ اسئلة تلح على ذهني وانا اسمع عن مشروع بجعل القاهرة لا تسير فيها بعد السيارات في الشوارع بل ستكون اما فوق الشوارع او تحت الارض! شيئا يماثل ما موجود في الشانزلزيه الفرنسية والذين يطلقون عليه (طريق الجنة)، ازلة القديم ووضع بدلا عنه الحديث قد لا يكون دائما هو الافضل!
القصور الملكية
شعور غريب ينتابك وانت تقف امام تحفة معمارية تمثل قصر عابدين، على الرغم من ان الخديوي اسماعيل هو من امر ببناء قصر عابدين عام 1863 لكنه لم يطلق عليه قصر الخديوي اسماعيل بل بقي على اسمه القديم عندما كان قصرا عاديا يملكه احد القادة الاتراك في عهد محمد علي باشا واسمه (عابدين) !واشتراه اسماعيل الخديوي من أرملته وهدمه وامر ببناء قصر على الطراز الاوربي ! ومنذ الانتهاء من بناء القصر الذي استغرق 10 سنوات 1863-1873 صار هذا القصر مقرا للحكم حتى عام 1952 بينما السادات جعله مرة اخرى مقرا للحكم ارئاسي.
وصف القصر
لا يحق للزائر اليوم زيارة القصر بل اقتصرت زيارتنا على متاحف القصر وبوابة الدخول اليها تكون من خلف القصر! لكن هناك العديد من الصور والوثائق تعطي وصفا مفصلا لقصر عابدين :
” حدائق القصر الجميلة تقع على مساحة 20 فدان تحفة خارجية ، والقصر يحتوي على قاعات وصالونات تتميز بلون جدرانها فالصالون الأبيض والأحمر والأخضر تستخدم في استقبال الوفود الرسمية اثناء زيارتها لمصر. وهناك مكتبة تحوي نحو ما يقارب من 55 ألف كتاب، كما يحتوي على مسرح يضم مئات الكراسي المذهبة ويحتوي على اماكن معزولة بالستائر خاصة بالسيدات ، اما أجنحة الضيوف فهناك العديد منها ( الجناح البلجيكي الذي صمم لإقامة ضيوف مصر المهمين، وسمي كذلك لأن ملك بلجيكا هو اول من أقام فيه، ويضم هذا الجناح سرير يعد من التحف النادرة نظرا لما يحتويه من الزخارف والرسومات اليدوية.
المتاحف المتنوعة
هي التي قمنا بمشاهدتها سعر التذكرة 20 جنيه و5 جنيهات رسوم التصوير الفوتغرافي! ويوجد في القصر عدة متاحف غاية في الجمال أذ كان أبناء وأحفاد الخديوي إسماعيل الذين حكموا مصر من بعده مولعين بوضع لمساتهم على القصر وعمل الإضافات التي تناسب ميولهم وعصر كل منهم، وتم تحديث متحف الاسلحة بإعادة تنسيقه وعرض محتوياته بإحدث أساليب العرض مع إضافة قاعة إلى المتحف خصصت لغرض الأسلحة المختلفة التي تلقاها رؤساء مصر من الجهات المختلفة.
وقد ربط مجمع للمتاحف المتنوعة بخط زيارة واحد يمر من خلاله الزائر بحدائق القصر. وهذه المتاحف هي :
متحف الاوسمة والنياشين- متحف الاسلحة- متحف الفضيات- متحف الصيد.
مقهى الكرنك
عند خروجي من متاحف قصر عابدين لمحت اسم مقهى (الكرنك) الذي اعادني الى رائعة نجيب محفوظ (الكرنك) وهذه الرواية تدور حول مجموعة من الطلبة المؤمنين بالثورة لكنهم ينتقدون الاخطاء كانوا يلتقون في مقهى (الكرنك) ويتم القبض عليهم بدون اسباب واضحة يتهمونهم اولا بإنهم من الاخوان ولم تثبت عليهم التهمة يطلقون سراحهم ويعيدون اعتقالهم بتهمة الانتماء الى الشيوعية ويجري تعذيبهم !كتبت الرواية سنة 1970 بعد موت عبد الناصر وانتقد البعض نجيب محفوظ على هذا التوقيت ! جلست في هذه المقهى وتبادلنا اطراف الحديث مع صاحب المقهى الذي ذكر لي ان نجيب محفوظ كان يجلس هنا ويكتب! بينما المعلومة التي لدي تقول ان نجيب محفوظ كان يقصد بالمكان هو مقهى (ريش) في ساحة طلعت حرب ، لكن اسم الكرنك هو دلالة تاريخية وبعد درامي اكثر مناسبا من مقهى ريشة!
نادي الادب
تم دعوتي عصرا لحضور فعالية استبدال مجلس ادارة (نادي الادب في روض الفرج) قلت للسائق العنوان، قصر الثقافة في روضة الفرج؟ قال لي روضة الفرج مكان لبيع الخضار من اين جاء قصر الثقافة ؟ قلت له اوصلني وانا اشير لك على مبنى القصر وهو للثقافة والوعي وممارسة النشاطات الاخرى مثل (السباحة) حضرنا هذه الفعالية الثقافية الرائعة والتي جرت بإنسيابية اذ يكرم فيها مجلس الادارة القديم ويباركون للمجلس الادارة الجديد، وكنت انا العراقي الوحيد في القاعة فشاركت في هذه الجلسة بكلمة تعبر عن سعادتي لمثل هذه الممارسات الديمقراطية الثقافية وجاء في الكلمة :
من المعروف ان مصر تكتب ولبنان تطبع والعراق يقرأ، هذا كان قديما اما الان فجميع الدول العربية تكتب وتنشر وتقرأ ! لكن يبقى لمصر الريادة في مجال الرواية والسرد، وانا بمشاركتي في فعاليات وجلسات ثقافية في (صالون سالمينا ومنزل السناري والان في نادب الادب في روض الفرج) تيقنت ان الثقافة والادب في مصر بخير، وكان يدور نقاشا عن سقف الحرية وعلاقته بالابداع، واستذكرت ما قاله القاص يوسف ادريس بهذا المجال (مقدار الحرية الممنوح لكتاب الوطن العربي لا يكفي لكاتب واحد) وانتم بالتأكيد لكم حصة كبيرة من هذه الكمية الممنوحة،ويبقى الاديب الحقيقي هو الذي يملك القدرة على الخلق والابداع، وعلى الصياغة اللغوية السليمة والمبتكرة! وليس كل ما يعرف ان يكتب في وسائل لتواصل الاجتماعي يكون كاتبا مبدعا بل هؤلاء من يدعي الكتابة!
وتحدثت عن الحرية وعلاقتها بالابداع قائلا:”الرقابة الخارجية والموجودة داخل الاديب تحد من التعبير مما يضطر ان يحتفظ بها في ذاكرته الثقافية أو الهمس بها في مجالس الاصدقاء. هناك هامش من الحرية يستطيع فيها الكاتب او الصحفي ان ينتقد بعض الممارسات البسيطة التي لا تؤثر اطلاقا في سمعة النظام، كأن يعترض على عدم نظافة الشارع وعدم تنظيم المرور ووجود حفر كثيرة او زيادة اسعار السلع وصعوبة اسئلة الامتحانات او تأخر البطاقة التموينية وغيرها من الظواهر البسيطة العامة التي يمكن ان تحدث في اي بلد.
الصديق عيد
بعدها التقيت بصديقي المصري الاستاذ (عيد) وهو الانسان الطيب الذي عشنا معا عندما كنا مدرسين في ليبيا ودعاني الى وجبة شاورما في مطعم صديقه السوري في منطقة شبرا ، ودار حديثا وديا بيننا،
وتذكرت الافلام والمسلسلات التي تمثل عن (شبرا) وقال لي صديقي عيد ان النجم (احمد السقا) من شبرا!
وشبرا كلمة ترجع الى اللغة المصرية القديمة، وانتقلت الى اللغة القطبية، واصل الكلمة (جوبرو) ومعناها التل ثم حرفت الى شبرا وفي القطبية تعني العزبة، وهي اكبر احياء القاهرة واكثرها شهرة وبها عدد سكان كبير وتقع في شمال القاهرة .كانت وجبة شهية وصحبة جميلة.
























