من المديح إلى التجريح – محمد زكي ابراهيم

 

 


محمد زكي ابراهيم
كان العراقيون في ما مضى لا يحسنون في حياتهم العامة سوى المديح. ولا يتقنون في العلن إلا الإطراء. فإذا ما وضعوا في موقف، انبروا يثنون على السلطة. وإذا ما اختبروا في حال، كالوا عبارات الامتنان لها. ولم يكونوا في ذلك مخيرين، بل مكرهين. فقد كانوا يؤثرون السلامة، ويتفادون الخطر، ويتجنبون المحظور.
إن كل هذا معروف، وقد كتب عنه الكثير. ولا أظن أن بوسع أحد أن ينسى هذه الحقبة المظلمة، المشحونة بالآلام، من تاريخ العراق. لكن ما أن رفع الغطاء، وانهارت منظومة الاستبداد، حتى نسي الناس ما ألفوه من لين، وهجروا ما اعتادوا عليه من نعومة، وطفقوا يتحدثون بلغة أخرى، هي النقد، والتجريح.

وهكذا بدأوا يزنون الأمور بميزان جديد، هو الشك. ويتلقفون الأخبار بمنطق آخر هو سوء الظن. ولم يعودوا يثقون بأحد من رجالات الدولة، ولا يعنيهم ما إذا كان هؤلاء من منبت حسن، أو غير حسن. وإذا كانوا يتحلون بالكفاءة أو يفتقرون إليها. وإذا كانوا يمتلكون النزاهة أو ينصرفون عنها.

ولأن الكمال في هذه الدنيا مستحيل، فمن المتوقع أن يصدق شئ من هذا النقد، حتى في سلوك أعظم الرجال. وسيجد من يعتنق مهنة التجريح ألف علة وعلة عند أعظم القادة. ولن يزيده هذا الأمر إلا إصراراً على إصرار، وعناداً على عناد !
ولست أرى في هذا إلا مثلبة من مثالب الحرية، ونقيصة من نقائص الديمقراطية. فمثلما تؤدي ثقافة المديح إلى تغول السلطة وتجبر الظالمين، فإن ثقافة التجريح تقود إلى الغرض ذاته. وتحمل الكثير من ذوي الهمة على تجنب العمل السياسي ونبذ الشأن العام. وتخلي الساحة للطارئين على ملء الفراغ، وفي ذلك ما فيه من خسارة وأذى.

والواقع أن كل ما يقال عن الطبقة العليا من موظفي الدولة يحتاج إلى تمحيص. فمن السهل بوجود وسائل التواصل والتقنيات الحديثة، تزوير الحقائق وتدليس الأمور. وليس جل مستخدمي هذه المواقع ممن يتوخون الدقة، ويمحصون الأخبار. بل أن الكثير مما تتناقله العامة مبالغ فيه، أو غير صحيح إطلاقاً.

إنني أشفق على سياسيي العراق من الألسن التي تنهش في لحومهم إن حقاً وإن باطلاً. وأظن أنهم ضحايا حرية التعبير، التي لم تكن متاحة لسنوات طويلة. ولو أنهم أوثروا بالمؤازرة وقوبلوا بالتشجيع، لكان أداؤهم أوفى، وطريقتهم في الإدارة أفضل!
إن تراجع السواد الأعظم من العراقيين عن كيل التهم إلى شخصيات ملكية وجمهورية سابقة، مثل الملك فيصل ونوري السعيد ومحمد فاضل الجمالي وسواهم، ممن كانت التهم تطالهم من كل صوب، والكراهية تقابلهم في كل ناحية. وشعورهم بالألم على ما أصابهم من إجحاف وما صدر بحقهم من أذى، يمكن أن يتكرر مرة أخرى في المستقبل. وإذا كان العامة معذورين في ما يصدر عنهم من أفعال، فلا يجدر بالنخبة أن تسير على هذا النهج، أو تواصل هذا المنحى. وعليها أن تكون أكثر موضوعية وواقعية ودقة. وأن لا تتورط بمواقف ستتراجع عنها في قابل الأيام !