كيسينجر أبو الثغرة والمخطَّط – فؤاد مطر

كيسينجر أبو الثغرة والمخطَّط – فؤاد مطر

أمضيت السنوات الأولى من الحقبة الساداتية بحكم متابعتي الدؤوبة للتطورات السياسية العربية في صحيفة “النهار” اللبنانية، كثير الاهتمام بتعاطي وزير الخارجية الأميركية الدكتور هنري كيسينجر الذي بلغ أوج تخطيطه في إقناع الرئيس أنور السادات إبرام إتفاقية السلام مع رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن التي تمت في كامب ديفيد برعاية الرئيس التاسع والثلاثين للولايات المتحدة جيمي كارتر حملت يوم 26 مارس/آذار 1979 _ 27 ربيع الثاني 1399، تاريخاً للتوقيع الثلاثي عليها. وللتذكير فإن الإتفاقية التي تدعو الأطراف الأُخرى للنزاع (سوريا. الأردن) إلى الإشتراك في العملية، تنص في موادها الأُولى والثانية والثالثة على “إنهاء حالة الحرب بين الطرفيْن وإقامة السلام بينهما وسحْب إسرائيل كافة قواتها المسلحة والمدنيين من سيناء إلى ما وراء الحدود الدولية بين مصر وفلسطين تحت الإنتداب، وعند إتمام الانسحاب المرحلي يقيم الطرفان علاقات طبيعية وودية بينهما…”.

ليس هنا المجال للإفاضة في الإضاءة عما تلا التوقيع من جانب إعتراض معظم الدول العربية على هذا الصلح المنفرد وتطور الإعتراض إلى تجميد عضوية مصر في الجامعة لبضع سنوات في أواخر عهد السادات ثم في بعض سنوات الرئيس حسني مبارك، وإستعادة مصر العضوية لاحقاً وبالروحية نفسها لإستعادة الرئيس بشَّار الأسد مكانة في قمة رأب التصدعات التي عُقدت  في جدة يوم الجمعة 14 مايو/أيار 2023 وأصدرت بياناً هو بمثابة خارطة للعمل العربي التشاركي في رسم معالم الطريق وفي فترة زمنية تحقيق إستعادة سوريا الدور ولم شمل النزوح واللجوء.

تحقيق مفاجآت

كانت السنوات الثلاث المصرية كيسينجرية في بعض ملامح العمل السياسي. فقد خاض الرئيس السادات الحرب وحقق الجيش المصري مفاجأة وأثلجت الصدور عملية العبور التاريخية. وفيما الفرح يسود الأجواء العربية في ضوء النتائج الأولية لحرب 6 أكتوبر 1973، وفيما الفرح يسود الأجواء العربية نتيجة الإنجازات الأولية لحرب 6 أكتوبر 1973 ومباهج العبور والإنتشار العسكري المصري في سيناء تغمر النفوس، دخل كيسينجر خفية على المشهد الحربي محفزاً إسرائيل على إحداث إختراق إسرائيلي باتت تسميته “ثغرة الدفرسوار”. ومنذ تلك الواقعة باتت الثغرة محور الاتصالات والتصريحات والمتابعة من جانبنا كمراسلين عرب وأجانب. ومن دون أن تخطر في البال أن الثغرة فعل كيسينجري الغرض منه الإنتقال إلى مسالمة مصرية _ إسرائيلية وهذا ما إنتهى إليه الحراك الكيسينجري مفاوضات سلام بين السادات وبيغن (17 سبتمبر/أيلول 1978) مهَّد لتوقيع المعاهدة التي أشرنا إليها في سطور سابقة. بداية دور كيسينجر يعكسه قوله عند حدوث الواقعة “إن حرب أكتوبر فاجأتْنا على نحو لم نكن نتوقعه”.

هل كان صعباً على مصر إنهاء الثغرة وإكمال الإنتصار. وهل في هذه الحال لا يتم إبرام إتفاقية السلام وإنشاء العلاقات بالضغوط الأميركية.

أستحضر كإجابة من المرجعية الحربية المشير أحمد إسماعيل أوردها في مقابلة (أرادها مسجلة محتفظاً بنسخة من التسجيل) أجريتها معه في مكتبه ليلة الخميس 3 أكتوبر 1974 وبحضور مساعده وقائد الجيش الثاني خلال الحرب اللواء سعد مأمون، ومما قاله: “أمس كنت أتحدث مع أحمد بهاء الدين في أمر الثغرة. ولقد أكدتُ له وأريد أن أؤكد أيضاً لك أن موضوع الثغرة لم يكن مسألة صعبة بالنسبة إلينا كعسكريين” وإلتفت المشير إسماعيل إلى اللواء سعد مأمون وقال: اللواء سعد يجلس إلى جانبك. لقد عينْته ليصفِّي أمر الثغرة”. ومن جانبي قلت للواء سعد مأمون: ليتك أنهيت موضوع الثغرة فلو إنتهت ماذا كان سيبقى لإسرائيل؟ ثم تذكرتُ الإنذار الذي وجَّهه الرئيس ريتشارد نيكسون وحمله كيسينجر إلى السادات في أسوان. وأضاف المشير إسماعيل:”وضعْنا خطة بالفعل لضرب الثغرة وأنا واثق من أننا كنا سننهيها ونشتت الجنود الإسرائيليين. وفي اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة عُقد في القناطر الخيرية يوم 24 ديسمبر/كانون الأول 1973 عرضتُ الخطة على الرئيس السادات وأنا مقتنع بأن العدو فضَّل أن ينسحب بعدما أدرك أن الوضع ليس لمصلحته أبداً…”.

كان كلام المشير إسماعيل يوحي بأن الموضوع سياسي وكذلك القرار. ومن أجْل ذلك تُرك الأمر للرئيس السادات الذي بات صديقاً للداهية كيسينجر.

ومن هنا وجدتُ نفسي تواقاً لإكتشاف هذه الظاهرة الكثيرة التميز في التخطيط السياسي والدبلوماسي لمناسبة مئوية الرجل.. وكان السعي حثيثاً من أجل ذلك. والله المعين.

– مشاركة لبنانية – مصرية لإستكشاف كيسينجر

بعد تغطية رحبة للحرب التي خاضتها مصر الساداتية (6 أكتوبر/تشرين الأول 1973) تعويضاً عن هزيمة 5 يونيو/حزيران 1967، وما أثمرتْه العلاقة لاحقاً في ضوء “ثغرة الدفرسوار” بين الرئيس أنور السادات والدكتور هنري كيسينجر من جنوح مصري نحو إبرام المسالمة الأُولى العربية –  الإسرائيلية المتمثلة (إتفاقية كامب ديفيد) إقترحتُ على ناشر صحيفة النهار غسان تويني التي كنتُ أغطي ميدانياً التطورات العربية وبإهتمام إستثنائي التطورات المصرية ونشرت “دار النهار” بعض المؤلفات والأبحاث لي وأبرزها “أين أصبح عبدالناصر في جمهورية السادات” و “الحزب الشيوعي السوداني نحروه أم إنتحر” إستحداث سلسة من المؤلفات تصدر عن الصحيفة وتختص بالإضاءة على أُولي الأفكار والنظريات التي يعتمدها كبار الحكام في العالم على نحو ما فعلت الإدارة الأميركية عندما أخذ بعض رؤسائها برؤى الدكتور هنري كيسينجر عند صياغة مواقف ومبادرات إستثنائية ومنها “إتفاقية كامب ديفيد” بين مصر وإسرائيل على سبيل المثال لا الحصر. وعندما وصلْنا في تبادُل التشاور في الفكرة إلى إنشاء دار نشر مستقلة عن “دار النهار” ويكون هنالك تعاون معها في مجال الطباعة والترويج والتسويق نصح غسان تويني بأن تكون التسمية “دار القضايا” بدل “دار القضية” لأن التسمية الأخيرة من جاني تعني حصراً الاهتمام بما هو متعارف عليه أي القضية الفلسطينية.

خلاصة الأمر تم إنشاء الدار بالتسمية إياها (دار القضايا) وبدأت سلسلة “أفكار ونظريات العصر” بكتاب صدر عن مؤسسة نشْر عريقة في الولايات المتحدة ومؤلفه ج. وإرن يحمل عنوان “مخطط كيسينجر” تولى الزميل نبيل أبو حمد تصميم غلافه، وأحد زملاء حقبة الستينات في الصحافة باللغة الإنكليزية جهاد الخازن ترجمته وتولى مراجعته الزميل يوسف صباغ أحد الزملاء الضليعين باللغة الإنكليزية والمتابع الدقيق في صحيفة “الأهرام” للسياسة الدولية. وبحُكم علاقتي الطيبة بمؤسسة “الأهرام” من كبيرها محمد حسنين هيكل إلى عشرات الزملاء والكتاب الذين أعتز بهم تولى الدكتور سعدالدين إبراهيم كتابة تقديم إستثنائي من حيث العمق والإحاطة الفكرية والأكاديمية برؤى كيسينجر.

ما جمعني بالزملاء الثلاثة جهاد الخازن ويوسف صباغ وسعد الدين إبراهيم إلى جانب تزكية غسان تويني هو ضرورة إستكشاف كيسينجر المفكر السياسي والإستراتيجي الذي أمكنه ومن وراء أستار أصحاب القرار الأميركي _ المصري_ الإسرائيلي تحقيق التسوية الأولى في الصراع العربي _ الإسرائيلي بدءاً بالحلقة الأعلى مصر تمدداً إلى سائر الحلقات. وها هو كيسينجر وقد أنجز قرناً من العمر يتأمل في ما فعله. كما ها أنا أروي كيف إكتشفْنا للمرة الأُولى “مخطط كيسينجر” من خلال عباراته التي تعكس أفكاره ورؤاه التي أسجل في الآتي ومن الكتاب إياه بعضها:

– الدبلوماسية يستعاض عنها إما بالحرب أو بالسباق على التسلح.

– لا تقتصر مسؤولياتنا على رفْع مستوى معيشة الدول الحديثة العهد بل تتناول إعتقادنا بالحرية والكرامة الإنسانية مرتبطاً بالظروف الخاصة لهذه الدول.

تسوية الخلافات

– إن التصنيع بدلاً من أن يولِّد الديمقراطية فقد يزيل الحافز الاقتصادي لها.

– لا يمكن تسوية الخلافات بين الدول ذات السيادة إلاّ عن طريق التفاوض أو القوة بالحلول الوسط أو بفرض الحل فرْضاً.

– لم يكن محض مصادفة أن تنظر عدة دول بما فيها دولتنا إلى الساحة الدولية وكأنها منتدى تُنسف فيه الفضائل بأساليب المكر من قِبَل الأجانب.

– إذا كان العالم أفضل من مخاوفنا فإنه لا يزال أدنى بكثير من أملنا فيه.

– الزعماء الباهرون في الدول الجديدة هم أشبه شيء بالبهلوان الذي يسير فوق حبل مشدود، إذا أخطأ في نقلة واحدة سقط ودُقت عنقه.

_ “علينا أن نشيد نظاماً دولياً قبل أن تُفرض علينا أزمة ما كأمر محتم.

_ “الإستخدام السياسي للقدْر المتوفر من القوة مهما بلغ قد تغيَّر.

_ إن السلام يجب أن يكون أكثر من مجرد غياب الصدام.

_ “نقطة الضعف الرئيسية في دبلوماسية الولايات المتحدة هي عدم إعارة الاهتمام الكافي للناحية الرمزية في السياسة الخارجية.

_ “إذا كان السلام يعتمد في نهاية المطاف على الشخصيات، فيبدو أن النية الحسنة المجردة أهم من البرنامج المحسوس. والحقيقة هي أن محاولة إحراز تسويات معيَّنة تظهر وكأنها تعوق السلام ولا تساعده.

_ “إن محك الحنكة السياسية هو كفاية تقييمها قبل وقوع الحادث.

_ “رجل السياسة الذي يفرِّط في التغاضي عن خبرة شعبه يفشل في تحقيق الإجماع المحلي مهما بلغت حكمته وسياساته.

_ “على مخطط السياسة أن يهتم بأفضل ما يمكن تحقيقه. ويجب أن يعلم أنه مسؤول عن عواقب الكارثة وعن فوائد النجاح، وقد يكون عليه تعديل بعض الأهداف، لا لإنها قد تكون غير مرغوبة إذا ما تم التوصل إليها، بل لإن مخاطر الفشل تطغى على المكاسب المحتملة…”. (إنتهت أقوال كيسينجر).

خلاصة القول إن هذه المقالة هي محاولة لظروف إكتشاف أفكار رمز إستثنائي من رموز العمل السياسي والدبلوماسي الدولي الذي له أثره المباشر وغير المباشر في قضايا عشنا محاذيرها في العالم العربي.

وإذا جاز النصح أو فلنقل الإقتراح فهو أن يقرأ أصحاب القرار العرب وأهل الدبلوماسية والسياسة العرب بعمق وبالكثير من التأمل ما كان يدور في خاطر كيسينجر قبل عقود من بلوغه المحطة الماسية من العمر. ففي القراءة إفادة.. وفي إعادة القراءة إفادة أكثر.