
أطفال الماء والعودة الى الينابيع – شكر حاجم الصالحي
العودة الى الينابيع السخية واستحضار لحظاتها الجميلة ما هو إلا محاولة لمحو غبار الحاضر والتعبير عن الإمساك بجذوه مثابات البراءة المفتقدة في زمننا هذا , والشاعر هنا يرى غير ما يراه أقرانه , فهو يدرك بوعيه جوهر الأشياء ويحاول إعادة صياغتها لتكون عاملاً محفزاً للمضي صوب مرافئ ما يتمنى , ولذلك نجده مستغرقاً في لملمة جراحات الراهن ومداواتها بكثير من الصبر والحكمة والأمل , وهذا ما فعله شاعرنا حميد سعيد في قصيدته الموجعة (( أطفال الماء )) التي كتبت في 12 / 10 / 2021 وجاءت بمقاطعها الثلاثة لتؤكد جدارة إنتماء الشاعر لتلك المحطات المضيئة في تلك الأيام الغابرة , ولأنه أبن مدينة تنام على صفة الفرات , فقد كان للماء حضوره الطاغي في مخيلته وفي ذاته المكتوية بالفقد والبعد والموشومة بعذابات المنافي والغربة الاضطرارية , فالماء كل شيء في قاموسه الشعري , ومنه كل شيء حي , فكان له الحضور الملامس للجراحات والمواجع المتناسلة في ذاكرة الشاعر الكبير , نعم , أن (( أطفال الماء )) ذات وعي نقدي بما جرى من أزمات وكوارث , وما كان على الشاعر إلا أن يكون الأبن البار الممسك بجذوره المائية وبآماله العريضة في إجتياز العثرات وازالتها من الطريق السالك الى مدن المستقبل الموعود , والتي صارت على مرمى قصائد وحوارات طافحة بالأمل وصحوة الضمائر التي أنزلقت في ما لا يتمناه أحد من الابناه البررة , حرصاً على ماضٍ فيه السلال مليئة بما يهب النهر , اذ ليس سوى الفتية النزقين من يطرد اللصوص , نعم هكذا يرى الشاعر ونحن نرى معه وطن الشعر والعنفوان .. و( أطفال الماء ) بغنائيتها وعذوبة مفرداتها تجعلنا نحتفي بها وبشاعرها الذي رأى , فهو يختصر الحياة بشيء ملموس من تفاصيل الحياة التي كانت تضيء بحيويتها وببساطتها :
تلد الأمهات أبناءهن قريباً من الماء
ينتشرون خفافاً
على الضفة الثانية
يملأون السلال بما يهب النهر
يعرفهم سمك الليل
هل كان يُسمعهم في مسرات احلامهم
كيف لا يكون للشاعر حضوره الباذخ في (( أطفال الماء )) وهو يصحو وينام على ما يهبه شط الحلة من خير ونقاء رغم الحياة الملبدة بغيوم الفقر والأسى , نعم فالامهات يضعن مواليدهن على خد النهر الذي يبارك بسلسبيله حياتهم القادمة , ولذا فهم يمنحون عند الكبر أجمل المعاني التي تليق بالنهر بضفتيه وبخيراته التي كانت مذاقاً عذباً وزاداً لذيذاً للبيوتات المنتشرة على ضفتي النهر , والصادحة باغنيات الصباح الباعثة على المحبة ونبذ الضغائن والكراهية المقيتة , فالأبناء رغم ما في الحياة من قسوة فهم :
يندهون الطيور التي لم تعدْ
تتذكر أعشاشها
و… للبساتين جراسها الغافلون
اللصوص في غيهم يعمهون
وليس سوى الفتية النزقين من يطرد اللصوص
نعم, فبعد الذي جرى لم تعد الطيور تتذكر أعشاشها بفعل الحرائق التي طالت كل شيء وتسيّد اللصوص ومضيهم في ملاحقة كل ما هو جميل في هذا البيت المستباح , فهم في غيهم يعمهون بعد ما نام حراس بساتيننا وأغفلوا إحكام أبوابهم , نعم الحراس غافلون ولذا فاللصوص في غيهم يعمهون .. ولكن لا يأس في النفوس مطلقاً فالفتية نعم الفتية ليس سواهم من يطرد هؤلاء اللصوص الذي عبثوا وتنمروا وحولوا الأرض الخضراء الى مساحات شاحبة لا حياة فيها..
منذ متى والضفاف موحشة
لم يعد يتذكرها الغائبون
يمر بها وطن كان
مذ دخل الماء في مفردات الكلام
صحيح ان الضفاف موحشة ولكن لمُ لم يتذكرها الغائبون ؟ وما أقسى هذه العبارة التي تقول بحرقة ووجع .. يمر بها وطن كان .. لا .. فالوطن ما زال نابضاً في قلوب الأوفياء أبناء أبائهم ممن رضعوا من ثدي الفراتين , ولن يكون هذا الوطن لقمة بأفواه الغرباء الذي وفدوا بكل احقادهم التلمودية لمحو هذا العراق الذي مازلنا نعيش مع النخل والتوت والسيسبان , اذ لا خيار لنا غير أرض تنفسنا على ترابها وأدركنا كم هي الحياة قاسية ان ضاعت الأوطان , رغم ان ما جرى ليس سوى عثرة طارئة , فنحن نمرض ولكن لن نموت ما دام فينا أطفال الماء وأحلامهم المشروعة ..
تلد الأمهات ابناءهن .. يعلمنهم لغة الماء
حيث صهيل أمواجه في مواجهة العاصفة
وحرير زغاريده في ندى ليلة صائفة
وحنو أهازيجه في ذرى لحظة وارفة
ما اجمل هذه الجمل الشعرية التي تبعث الأمل في النفوس الظامئة لمواجهة العاصفة في ليلة صائفة وذرى لحظة وارفة , نعم هكذا هم ابناء النهرين ما زالوا يرفدون الدنيا بكل ما هو حضاري ونافع , فالغد الأبهى لمن يصنعه بقوة الاراده وعزيمة الأيمان والإصرار على مناهضة والاستبداد فهم :
ينسبون الى أول الغيث
حتى اذا أنهمر المطر .. استوقفوه
وقالوا له :
إنّا واياك يجمعنا وطن وقبيل
في زمان جميل
كتبوا أول الاناشيد واصطحبوا المستحيل
الى ما تراءى لهم
انه وطن الشعر والعنفوان .
وأخيراً .. أيها الشاعر الكبير لقد أثرت فينا المواجع وجعلتنا من خلال (( أطفال الماء )) نتمسك بصلابة بتراب وطننا مهما بلغت الصعوبات والتحديات ففي كل سطر كان الأمل يكبر والغد المشرق يلّوح للمنتظرين , اذ ليس لنا سوى هذا الخيار الراسخ ..
شكراً حميد سعيد الذي ما زال الشعر يمدنا بنسغ الحياة التي نتمنى وما الغد البهي إلا لمن يتمسك بعراقه الصابر ..
























