يوسف‭ ‬الصائغ‭:‬بعد‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬الحبّ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعجبني‭ ‬أصابعي

‭ ‬الزمان‭  ‬تعيد‭ ‬نشر‭ ‬حوار‭ ‬مثير‭ ‬عمره‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬عاماً

حوار‭: ‬جواد‭ ‬الحطّاب

ربطتي‭ ‬علاقة‭ ‬قويّة‭ ‬مع‭ ‬الشاعر‭ ‬الكبير‭ ‬يوسف‭ ‬الصائغ،‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬التلميذ‭ ‬بإستاذه،‭ ‬وتحدثت‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬منشور‭ ‬،‭ ‬أيام‭ ‬كان‭ ‬الصائغ‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ “‬جريدة‭ ‬الثورة‭” ‬ثم‭ ‬في‭ “‬مجلة‭ ‬آفاق‭ ‬عربية‭” ‬،‭ ‬وأيام‭ ‬إدارته‭ ‬لدائرة‭ ‬السينما‭ ‬والمسرح،‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭ .. ‬وحتى‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬إحتلال‭ ‬العراق‭ .. ‬وأظنه‭  ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬معي،‭ ‬فشخصية‭ ‬مثل‭ ‬شخصية‭ “‬أبو‭ ‬مريم‭” ‬لن‭ ‬تنسى‭ ‬بسهولة‭ . .‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬مضى‭ ‬عليه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬32‭ ‬عاما،‭ ‬نشر‭ ‬في‭ (‬الثلاثاء‭ ‬16‭/ ‬نيسان‭ / ‬1991‭) ‬وهو‭ ‬مفقود‭ ‬الا‭ ‬من‭ ‬أدراج‭ “‬المكتبة‭ ‬الوطنية‭”..  ‬وطالبني‭ ‬باعادة‭ ‬نشره‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬الذي‭ ‬يحبّون‭ ‬يوسف‭ ‬الصائغ،‭ ‬ومن‭ ‬الذين‭ ‬يشتغلون‭ ‬على‭ ‬أرشيفه‭ ‬الشخصي،‭ ‬ويعرفون‭ ‬علاقتي‭ ‬به،‭ ‬لأن‭ ‬في‭ ‬اللقاء‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخصوصية‭ ‬والحميمية‭ .. ‬فأسئلة‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬واجوبة‭ ‬تفوقها‭ ‬هروبا‭ ‬من‭ ‬المعتاد‭ . ‬وتقديرا‭ ‬لجريدة‭ “‬الزمان‭ ‬الدولية‭” ‬لرئيس‭ ‬تحريرها‭ ‬الصديق‭ ‬الروائي‭ ‬والمترجم‭ ‬د‭. ‬فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ . ‬أخصّها‭ ‬به،‭ ‬لأنني‭ ‬أعرف‭ ‬سعة‭ ‬انتشارها،‭ ‬وحرص‭ ‬الأدباء‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬صفحاتها،‭ ‬وخاصة‭ ‬الثقافية‭ ‬منها‭.‬

‭.‬

ما‭ ‬يشبه‭ ‬التقديم‭ ‬

1‭.‬غريبة‭ ‬علاقتي‭ ‬بهذا‭ ‬الشاعر،‭ ‬ففي‭ ‬بدايات‭ ‬ارتكابي‭ ‬جريرة‭ ‬الشعر،‭ ‬إتصلت‭ ‬بـ»مجلة‭ ‬الف‭ ‬باء‮»‬‭ ‬وطلبت‭ ‬من‭ ‬‮«‬البدالة‮»‬‭  ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬الشاعر‭ ‬يوسف‭ ‬الصائغ،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يومها‭ ‬‮«‬محرّرا‮»‬‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬المجلة‭ ‬الثقافي،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬حوّلتي‭ ‬وردّ‭ ‬عليّ‭ ‬الصائغ‭ ‬الذي‭ ‬ربما‭ ‬انتبه‭ ‬الى‭ ‬تهدّج‭ ‬صوتي،‭ ‬وتلعثمي،‭ ‬فأشفق‭ ‬عليّ‭ ‬وأعاطني‭ ‬موعدا‭ ‬لألتقيه‭ ‬وأريه‭ ‬قصائدي،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬‮«‬خربشات‮»‬‭ ‬لكنها‭ ‬‮«‬قصائدي‮»‬‭ .‬

في‭ ‬الموعد‭ ‬المحدّد‭ ‬دخلت‭ ‬الى‭ ‬الطابق‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬مجلة‭ ‬الفباء‭ ‬تشغله‭ ‬بـ»دار‭ ‬الحرية‮»‬‭ ‬للطباعة،‭ ‬ومقرها‭ ‬في‭ ‬الباب‭ ‬المعظم‭ ‬كما‭ ‬مثبّت‭ ‬على‭ ‬العنوان‭ ‬البريدي،‭ ‬سألت‭ ‬‮«‬الإستعلامات‮»‬‭  ‬وأرشدني‭ ‬عامل‭ ‬الشاي‭ ‬الى‭ ‬القسم‭ ‬الذي‭ ‬فيه‭ ‬يوسف‭ ‬الصائغ‭ ..‬

‭.. ‬الممرّ‭ ‬خال‭ ‬الا‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬قليلة،‭ ‬وكل‭ ‬أقسام‭ ‬التحرير‭ ‬مشغولة‭ ‬بمهامها،‭ ‬وكانت‭ ‬غرفة‭ ‬‮«‬القسم‭ ‬الثقافي‮»‬‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الممر‭.. ‬مفتوحة‭ ‬الباب،‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬‮«‬ألصائغ‮»‬‭ ‬فيها‭ ‬خلف‭ ‬مكتبه،‭ ‬ولكن‭ ‬أيّ‭ ‬‮«‬هرقل‮»‬‭ ‬يستطيع‭ ‬ان‭ ‬ينقل‭ ‬أقدامي‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬تسمّرت‭ ‬فيه،‭ ‬ويدخلني‭ ‬الى‭ ‬‮«‬القسم‮»‬،‭ ‬لأقوم‭ ‬بتقديم‭ ‬نفسي‭ ‬الى‭ ‬الصائغ‭ ‬،‭ ‬وتذكيره‭ ‬بالموعد‭ ‬الذي‭ ‬أعطاه‭ ‬لي‭..‬

الدقائق‭ ‬تمرّ‭ ‬بطيئة‭ ‬وثقيلة،‭ ‬وانا‭ ‬متكيء‭ ‬على‭ ‬حائط‭ ‬في‭ ‬الممر،‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬‮«‬كمين‮»‬‭ ‬الصائغ‭ ‬‮«‬المنصوب‭ ‬لي‮»‬،‭ ‬وكأن‭ ‬برودة‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي،‭ ‬الجنوبي‭ ‬قد‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬الى‭ ‬الحائط‭ ‬فأيبست‭ ‬ظهري،‭ ‬ليلعب‭ ‬الحظ‭ ‬لعبته،‭ ‬وتسنح‭ ‬فرصة‭ ‬مفاجئة،‭ ‬حيث‭ ‬غادر‭ ‬شاعري‭ ‬مكانه‭ ‬وتمشّى‭ ‬في‭ ‬الممرّ‭ ‬،‭ ‬فأسرعت‭ ‬بالدخول‭ ‬الى‭ ‬الغرفة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬فيها،‭ ‬وتساءلت‭  ‬ببراءة‭ ‬مفتعلة‭- ‬عن‭ ‬الأستاذ‭ ‬يوسف‭ ‬الصائغ‭ ‬؟‭!!‬

أظنّ‭ ‬ان‭ ‬الأستاذة‭ ‬‮«‬ابتسام‭ ‬عبد‭ ‬الله‮»‬‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬ردّت‭ ‬عليّ،‭ ‬مشيرة‭ ‬الى‭ ‬الخارج‭ (‬الصائغ‭ ‬تحرّك‭ ‬توا‭.. ‬وبامكانك‭ ‬اللحاق‭ ‬به‭)‬،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تدري‭ ‬ان‭ ‬سعادتي‭ ‬هي‭ ‬عدم‭ ‬اللقاء‭ ‬به،‭ ‬لخشيتي‭ ‬من‭ ‬مواجهته،‭ ‬فما‭ ‬سيفعل‭ ‬بي‭ ‬اذا‭ ‬ما‭ ‬قلّب‭ ‬دفتري‭ ‬وقرأ‭ ‬الخربشات‭ ‬التي‭ ‬فيه‭ !!‬

‭ ‬لذلك‭ ‬أستأذتها‭ (‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬أترك‭ ‬هذا‭ ‬الدفتر‭ ‬على‭ ‬مكتبه‭)‬،‭ ‬قالت‭ ‬ممكن،‭ ‬ولكن‭ ‬اترك‭ ‬له‭ ‬ورقة‭ ‬ليفهم‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬الزائر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ينتظره‭ .‬

وهكذا‭ ‬كتبت‭ ‬‮«‬قصاصة‮»‬‭ ‬مرتبكة‭ ‬بأن‭ : ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬القصائد‭ ‬التي‭ ‬حدثتك‭ ‬عنها،‭ ‬وسأمر‭ ‬عليك‭ ‬بعد‭ ‬أسبوع‭ ‬للإستماع‭ ‬لملاحظاتك‭ ‬مع‭ ‬التقدير‭ .. ‬أنا‭ .. ‬من‭ ‬البصرة‭ .. ‬و‭ ‬

‭ ‬وهربت‭ ‬من‭ ‬القسم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬ويجدني‭ ‬متلبسا‭ ‬بحضوري‭ ‬في‭ ‬مكتبه‭ !!‬

مضى‭ ‬الأسبوع‭ ‬،‭ ‬والثاني،‭ ‬ومضت‭ ‬أسابيع،‭ ‬ولم‭ ‬أجرؤ‭ ‬على‭ ‬الذهاب‭ ‬لمقابلة‭ ‬يوسف‭ ‬الصائغ،‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬تقريعه‭ ‬على‭ ‬حماقة‭ ‬الكتابة‭ ‬بما‭ ‬أسميته‭ ‬‮«‬ديوان‭ ‬شعر‮»‬،‭ ‬وأعقبت‭ ‬التنصّل‭ ‬سنوات،‭ ‬نُشرت‭ ‬خلالها‭ ‬مجموعتي‭ ‬الأولى‭ ‬‮«‬سلاما‭ ‬أيها‭ ‬الفقراء‮»‬‭ ‬وأشتركت‭ ‬مع‭ ‬الصائغ‭ ‬بمهرجانات‭ ‬‮«‬مربدية‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬أماس‮»‬‭ ‬و»قراءات‭ ‬مشتركة‮»‬‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬اجرؤ‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬أحدّثه،‭ ‬أو‭ ‬أسأله‭ ‬عن‭ ‬‮«‬واقعة‮»‬‭ ‬الدفتر‭ ‬القديم‭ .‬

الى‭ ‬ان‭ ‬حدث‭ ‬ما‭ ‬جعلني‭ ‬افضح‭ ‬له‭ ‬‮«‬سري‭ ‬الخطير‮»‬‭ ..‬

‭.‬يعرف‭ ‬الجميع‭ ‬باني‭ ‬قضيت‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬8‭ ‬سنوات‭ ‬جنديا‭ ‬في‭ ‬جبهات‭ ‬القتال‭ ‬حين‭ ‬استدعيت‭ ‬لأداء‭ ‬‮«‬خدمة‭ ‬الاحتياط‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬أشهرا‭ ‬قليلة،‭ ‬لكنها‭ ‬تمدّدت‭ ‬وتمدّدت‭ ‬بسبب‭ ‬الحرب‭ ‬،‭ ‬ولأسباب‭ ‬كثيرة‭ ‬قضيت‭ ‬هذي‭ ‬السنوات‭ ‬الثمان‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬‮«‬الخطوط‭ ‬الأمامية‮»‬‭ ‬والحجابات‭ ‬والسواتر‭.‬‭.‬

في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬إجازاتي‭ ‬الدورية،‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الذين‭ ‬يعرفون‭ ‬‮«‬معزّة‮»‬‭ ‬الصائغ‭ ‬عندي،‭ ‬ان‭ ‬صديقك‭ ‬يسعى‭ ‬الى‭ ‬الانتحار،‭ ‬لأنه‭ ‬أغلق‭ ‬باب‭ ‬بيته‭ (‬كان‭ ‬بيته‭ ‬في‭ ‬المنصور‭) ‬فلا‭ ‬يستقبل‭ ‬أحدا،‭ ‬ولا‭ ‬يرضى‭ ‬ان‭ ‬يكلّم‭ ‬كائن‭ ‬من‭ ‬كان،‭ ‬يعاقر‭ ‬‮«‬الأبيض‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬يهادن‭ ‬جسده‭.. ‬فآلمني‭ ‬الخبر‭ ‬وقلقت‭ ‬على‭ ‬صاحبي‭ ‬كثيرا‭ .‬

‭.. ‬ولأنهم‭ ‬قالوا‭ ‬بانه‭ ‬جعل‭ ‬مكان‭ ‬جلوسه‭ ‬في‭ ‬‮«‬الهول‮»‬‭ ‬المطلّ‭ ‬على‭ ‬الحديقة،‭ ‬وعلى‭ ‬الباب‭ ‬الخارجي،‭ ‬بحيث‭ ‬يرى‭ ‬من‭ ‬يطرق‭ ‬الباب‭ ‬او‭ ‬يدقّ‭ ‬الجرس،‭ ‬ونادرا‭ ‬نادرا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يفتح‭ .‬

اصطحبت‭ ‬معي‭ ‬قديسة‭ ‬الياسمين‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬صديقة‭ ‬رائعة‭ ‬الجمال‭ ‬ويعرفها‭ ‬الصائغ‭ ‬لأنها‭ ‬من‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي،‭ ‬وذهبنا‭ ‬اليه،‭ ‬قلت‭ ‬لها‭ ‬انت‭ ‬تقفين‭ ‬بمواجهة‭ ‬الباب‭ ‬وتطرقين‭ .. ‬ومؤكد‭ ‬ان‭ ‬فضول‭ ‬الصائغ‮»‬النسائي‮»‬‭ ‬سيدعوه‭ ‬للمجيء‭ ‬وعندها‭ ‬أتصرف‭ ‬أنا‭ ‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬فعلا،‭ ‬فحين‭ ‬فتح‭ ‬الصائغ‭ ‬الباب‭ ‬باغتّه‭ ‬بالظهور‭ ‬جوارها‭.. ‬فأسقط‭ ‬في‭ ‬يديه،‭ ‬ودعانا‭ ‬الى‭ ‬الدخول‭ ..‬

‭.‬بعد‭ ‬المجاملات‭ ‬وسؤاله‭ ‬اين‭ ‬انت‭ ‬الآن،‭ ‬وفي‭ ‬اي‭ ‬جبهة‭ .. ‬قلت‭ ‬لأخرجه‭ ‬من‭ ‬‮«‬المود‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬فيه،‭ ‬فذكرت‭ ‬له‭ ‬حادثة‭ ‬‮«‬مخطوطة‭ ‬الديوان‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تركها‭ ‬فتى‭ ‬بصري‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬ولاذ‭ ‬بالفرار،‭ ‬لأنه‭ ‬خشي‭ ‬مواجهته‭ !!‬

علت‭ ‬الدهشة‭ ‬وجه‭ ‬يوسف،‭ ‬ثم‭ ‬نهض‭ ‬وقال‭ ‬انتظرني،‭ ‬غادر‭ ‬‮«‬الهول‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬جلسنا‭ ‬فيه‭ ‬،‭ ‬وبعد‭ ‬ربع‭ ‬ساعة‭ ‬او‭ ‬أكثر‭ ‬عاد‭ ‬وفي‭ ‬يده‭ ‬مظروف‭ ‬اسمر‭ ‬باهت‭ ‬اللون،‭ ‬وألقاه‭ ‬عليّ،‭ ‬وبلهفة‭ ‬المتفاجئ‭ ‬فتحت‭ ‬المغلّف‭ ‬واذا‭ ‬به‭ ‬مخطوطة‭ ‬ديواني‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬تركتها‭ ‬في‭ ‬‮«‬القسم‭ ‬الثقافي‮»‬‭ ‬وهربت‭ ..‬

ألقت‭ ‬الحادثة‭ ‬جوّا‭ ‬من‭ ‬السحر‭ ‬على‭ ‬جلستنا،‭ ‬كسره‭ ‬الصائغ‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ( ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬غيّرت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بيت،‭ ‬وضيّعت‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬مهم‭ ‬ومكتبة،‭ ‬لكني‭ ‬كنت‭ ‬أحرص‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الدفتر‭ ‬لأني‭ ‬كنت‭ ‬أقول‭ ‬لنفسي‭ ‬ان‭ ‬وراءه‭ ‬شاعرا،‭ ‬وسيأتي‭ ‬للمطالبة‭ ‬به،‭ ‬وها‭ ‬انا‭ ‬أعيده‭ ‬اليك‭ ‬وهذه‭ ‬أمانتك‭ ‬الثقيلة،‭ ‬ثم‭ ‬سحبه‭ ‬من‭ ‬يدي‭ ‬وكتب‭ ‬عليه‭ ‬أسطرا‭ ‬أرفقها‭ ‬بتوقيعه‭ ‬وبالتاريخ‭ : ( ‬أنت‭ ‬الآن‭ ‬اقرب‭ ‬الشعراء‭ ‬الشباب‭ ‬الى‭ ‬قلبي‭- ‬التوقيع‭ ‬‭ ‬تاريخ‭ ‬1983‭).‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الصائغ‭ ‬الذي‭ ‬أنشر‭ ‬حواري‭ ‬معه‭ ‬‭ ‬اليوم‭- ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬32‭ ‬عاما‭ ‬عليه‭ ..‬

‭ ‬وربما‭ ‬سأعود‭ ‬الى‭ ‬وقائع‭ ‬اخرى‭ ‬لي‭ ‬مع‭ ‬الشاعر‭ ‬الكبير‭ ‬يوسف‭ ‬الصائغ،‭ ‬لاسيما‭ ‬وان‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬شهود‭ ‬وقائعي‭ ‬معه‭ ‬أحياء،‭ ‬أطال‭ ‬الله‭ ‬بأعمارهم‭.‬

الحوار‭:‬

ها‭ ‬أنا‭ ‬في‭ ‬مكتبك‭ ‬الأنيق،‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬السينما‭ ‬والمسرح،‭ ‬ولا‭ ‬محاور‭ ‬مسبقة‭ ‬للحديث‭ ‬،‭ ‬فما‭ ‬رأيك‭ ‬لو‭ ‬يكون‭ (‬الطابق‭ ‬السابع‭) ‬هو‭ ‬المفتتح‭ ‬؟‭!!‬

أهذا‭ ‬الطابق‭ : ‬شرفة‭ ‬للتأمل‭ .. ‬أم‭ ‬سجن‭ ‬بنوافذ‭ ‬مفتوحة‭ ‬؟‭!!‬

‭ .. ‬من‭ ‬شرفات‭ ‬هذا‭ ‬الطابق‭ ‬أتلمّس‭ ‬نبض‭ ‬بغداد،‭ ‬ودبيب‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬البيوت‭.. ‬تحت‭ ‬هذا‭ ‬السطح‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬تكمن‭ ‬‮«‬مسرحية‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬التمعّن‭ ..‬

الطابق‭ ‬السابع‭ ‬أعادني‭ ‬للمسرح‭ ‬وعمّق‭ ‬علاقتي‭ ‬به،‭ ‬وما‭ ‬أشعرني‭ ‬يوما‭ ‬بأنني‭ ‬‮«‬إداري‮»‬‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يبوح‭ ‬لي‭ ‬بقربي‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬الأجمل‭ ‬في‭ ‬أولاعي،‭ ‬ويكفي‭ ‬انني‭ ‬فيه‭ ‬تعرفت‭ ‬على‭ ‬حبيبتي‭ ‬الأخيرة‭ ‬‮«‬دزدمونة‮»‬‭ ‬وكتبتها‭ ‬بحراسته‭ .‬

‭.. ( ‬أشكّ‭ ‬في‭ ‬الهواتف‭ ‬التي‭ ‬ترنّ‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭) ‬عنوان‭ ‬فرعي

‭( .. ‬على‭ ‬مكتب‭ ‬المدير‭ ‬العام،‭ ‬تنام‭ ‬الهواتف‭ ‬كالقطط،‭ ‬حمراء‭. ‬صفراء‭. ‬خضراء‭. ‬بيضاء‭..‬

أحيانا‭ ‬تمتد‭ ‬أصابع‭ ‬الصائغ‭ ‬لتربت‭ ‬على‭ ‬كتف‭ ‬هذا‭ ‬القط‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬فيهدأ‭ ‬عن‭ ‬موائه‭ )‬

‭ .. ‬مَنْ‭ ‬يعرف‭ ‬سرّية‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأصابع‭ ‬والهواتف،‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ ‬؟

‭ ‬الهاتف‭  ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭- ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الحلم،‭ ‬فهو‭ ‬يرنّ‭ ‬في‭ ‬الحلم‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬اليقظة،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬هاتفي‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬النوع،‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الشعر،‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬تشرق‭ ‬الشمس‭ ‬حتى‭ ‬يبدو‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬وهما‭ ..‬

لماذا‭ ‬يدقّ‭ ‬الهاتف‭ ‬في‭ ‬الفجر،‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬التي‭ ‬أكون‭ ‬فيها‭ ‬بأحسن‭ ‬حالاتي‭.. ‬نشطا‭ .. ‬ذكيّا‭ .. ‬وغير‭ ‬مخدّر‭ ‬في‭ ‬النعاس‭..‬؟

لذلك‭ ‬أشكّ‭ ‬في‭ ‬هواتف‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ !!‬

‭ .. ‬وهذا‭ ‬الشك‭ : ‬ديكارتي‭ ‬أم‭ ‬شاعري‭ ‬؟‭!!‬

الشك‭ ‬حالة‭ ‬شعرية،‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شاعر‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬يقين،‭ ‬ما‭ ‬حاجة‭ ‬الشاعر‭ ‬للشعر‭ ‬اذا‭ ‬كان‭ ‬متيقنا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬؟‭!!‬

الشكّ‭ ‬عندي‭ ‬هو‭ ‬بحث‭ ‬عن‭ ‬شكوك‭ ‬جديدة،‭ ‬وليس‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬يقين،‭ ‬كزهرة‭ ‬تومئ‭ ‬الى‭ ‬زهرة،‭ ‬وكحلم‭ ‬يتصل‭ ‬بحلم‭ .‬

‭ .. ‬لكن‭ ‬أساس‭ ‬احدى‭ ‬رواياتك‭ ‬‭ ‬اللعبة‭ ‬‭ ‬كان‭ ‬‮«‬هاتف‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬يقين‮»‬‭ ..‬

يقين‭ ‬البطل‭ ‬من‭ ‬انه‭ ‬يخوض‭ ‬‮«‬لعبة‮»‬‭ ‬أداتها‭ ‬الهاتف‭ ‬؟‭!!‬

‭ ‬الهاتف‭ ‬حالة‭ ‬غير‭ ‬إنسانية،‭ ‬لأنه‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭ ‬‮«‬آلة‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬بالتالي‭ ‬سوء‭ ‬تفاهم‭ ‬مكيّف‭ ‬بطريقة‭ ‬لاستيكية،‭ ‬لكنه‭ ‬يحسب‭ ‬تفاهما‭ : ‬من‭ ‬أين‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أعرف‭ ‬إن‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬أسمعه،‭ ‬هو‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬أريده،‭ ‬وكيف‭ ‬أخاطب‭ ‬شخصا‭ ‬أحدس،‭ ‬أو‭ ‬اخاف‭ ‬انه‭ ‬غير‭ ‬موجود،‭ ‬ولعله‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الحقيقة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يستعمل‭ ‬الهاتف‭ ‬أصلا‭ ‬؟‭!!.‬

‭ ‬بطل‭ ‬‮«‬اللعبة‮»‬‭ ‬كان‭ ‬يريد‭ ‬‭ ‬ولنعد‭ ‬الى‭ ‬الشكّ‭-  ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬شكوكه‭ ‬تتناسل‭ ‬‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اليقين‭- ‬لكي‭ ‬تصير‭ ‬الحياة‭ ‬أكثر‭ ‬جدارة،‭ ‬ما‭ ‬قيمة‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬يعاش‭ ‬باليقين‭ ‬وحده‭ ‬؟‭!!‬

‭.. ‬وبالمناسبة‭ ‬فاللعبة‭ ‬رواية‭ ‬مظلومة،‭ ‬لم‭ ‬يقراها‭ ‬أحد‭ ‬جيدا‭ ‬الا‭ ‬النساء،‭ ‬لأنها‭ ‬تخاطبهنّ‭ ‬في‭ ‬شكوكهن‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تخاطب‭ ‬الرجال،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬‮«‬رافع‮»‬‭ ‬أنثويا،‭ ‬ولهذا‭ ‬صار‭ ‬قريبا‭ ‬من‭ ‬القارئات‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬الى‭ ‬القرّاء‭ !!‬

أصدقائي‭ : ‬الثغرات‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬تماسكي‭!!‬

‭ ‬‭.. ‬فترة‭ ‬السبعينيات،‭ ‬أقام‭ ‬الشاعر‭ ‬الصائغ‭ ‬أمسية‭ ‬في‭  ‬إتحاد‭ ‬الأدباء‭ ‬رافقها‭ ‬غناء،‭ ‬وعزف‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬لفنان‭ ‬من‭ ‬البصرة‭..‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الأمسية‭ ‬رسم‭ ‬الشاعر‭ ‬قصائده‭ ‬وأهداها‭ ‬الى‭ ‬أصدقاء‭ ‬راحين‭: ‬السيّاب‭ .. ‬حسين‭ ‬مردان‭ .. ‬ابراهيم‭ ‬زاير،‭ ‬وآخرين‭ ‬نسيتهم‭ ..‬

كانت‭ ‬القصائد‭ ‬‮«‬مراثي‮»‬‭ ‬عصر‭ ‬وليست‭ ‬مراثي‭ ‬أشخاص‭ ..‬

أصدقاؤك‭ ‬الراحلون‭ ‬كم‭ ‬أخذوا‭ ‬من‭ ‬يوسف‭ ‬الصائغ،‭ ‬وكم‭ ‬أبقوا‭ ‬له‭ ‬؟

‭ ‬كل‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬ذكرتها‭ ‬هي‭ ‬حقائق‭ ‬في‭ ‬حياتي،‭ ‬وأنا‭ ‬موجود‭ ‬فيها‭ ‬بكاملي،‭ ‬وكلّما‭ ‬كان‭ ‬يرحل‭ ‬واحد‭ ‬منها‭  ‬كان‭ ‬يترك‭ ‬ثغرة‭ ‬بتماسكي،‭ ‬والأشكال‭ ‬الأدبية‭ ‬والفنية‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬هي‭ ‬تنويعات‭ ‬على‭ ‬تجربة‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭ ‬بعد،‭ ‬لم‭ ‬تستنفد،‭ ‬وأحسب‭ ‬ان‭ ‬الموت‭ ‬خلال‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬‭ ‬باعتباره‭  ‬العدو‭ ‬الأول‭ ‬للحب‭ ‬والحياة،‭ ‬هو‭ ‬المشكة‭ ‬التي‭ ‬يعانيها‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬أو‭ ‬يعانيها‭ ‬الكاتب‭ ‬موزعا‭ ‬على‭ ‬اصدقائه،‭ ‬فالموت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬هو‭ ‬الشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تصديقه،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬انه‭ ‬الموضوع‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يستسلم‭ ‬له‭ ‬الجميع‭ .‬

‭ .. ‬أراك‭ ‬منحازا‭ ‬الى‭ ‬الموت‭ ‬؟‭!!‬

لست‭ ‬منحازا‭ ‬اليه‭ . ‬بانفعال‭  ‬انا‭ ‬أعجب‭ ‬من‭ ‬استسلام‭ ‬الحضارة‭ ‬للموت‭!!‬

لقد‭ ‬ماتت‭ ‬حبيبتي،‭ ‬وكانت‭ ‬أول‭ ‬حبيبة‭ ‬تموت‭ ‬في‭ ‬تجربتي،‭ ‬ووجدت‭ ‬كل‭ ‬الناس‭ : ‬أهلي‭ .. ‬أهلها‭ .. ‬أصدقاؤنا‭ ‬،‭ ‬مستسلمين‭ ‬لهذا‭ ‬الموت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يبدو‭ ‬لي،‭ ‬ان‭ ‬من‭ ‬واجبهم‭ ‬‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬واجبي‭- ‬أن‭ ‬يحتجّوا‭ ‬عليه،‭ ‬وان‭ ‬يرفضوا‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يموت‭ ‬الإنسان،‭ ‬وأن‭ ‬يأخذوه‭ ‬بهذه‭ ‬السهولة،‭ ‬وهذه‭ ‬السرعة‭ ‬للمقبرة،‭ ‬ويعودوا‭ ‬الى‭ ‬أنفسهم‭ ‬يحمدون‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬انهم‭ ‬ما‭ ‬يزالون‭ ‬أحياء‭ !!‬

وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬انا‭ ‬لا‭ ‬انس‭ ‬ان‭ ‬كل‭ ‬الأحباب‭ ‬‭ ‬وفي‭ ‬مجلس‭ ‬العزاء‭- ‬حين‭ ‬مدّت‭ ‬موائد‭ ‬الطعام‭ ‬كانوا‭ ‬يأكلون‭ ‬بشراهة‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬لها‭ ‬وكنت‭ ‬أتطلع‭ ‬اليهم‭ ‬وأحاول‭ ‬أن‭ ‬أفهم‭ ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬المبكية،‭ ‬ما‭ ‬علاقة‭ ‬الأكل‭ ‬بالموت‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬تنبّهت‭ ‬الى‭ ‬انهم‭ ‬يأكلون‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬الغريبة،‭ ‬ليبرهنوا‭ ‬لأنفسهم‭ ‬انهم‭ ‬ما‭ ‬يزالون‭ ‬أحياء،‭ ‬وراحت‭ ‬دموعي‭ ‬تسقط‭ ‬فوق‭ ‬الطعام‭ ‬الذي‭ ‬أمامي،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬حبيبتي‭ ‬الغائبة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬نفسي،‭ ‬والبشرية‭ ‬المبتلاة‭ ‬بالموت‭ .‬

بامكاننا‭ ‬ان‭ ‬نقيم‭ ‬جنّتنا‭ ‬على‭ ‬الأرض

‭.. ‬ذكرت‭ ‬الإحتجاج‭ ‬على‭ ‬الموت‭ ‬

  ‬كيف‭ ‬يتغلب‭ ‬الشاعر‭ ‬على‭ ‬حتميته‭ ‬الأزلية‭ ‬؟

الحياة‭ ‬والموت‭ ‬شرطان‭ ‬متصلان‭ ‬،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬حياة‭ ‬بلا‭ ‬موت‭.. ‬والمعادل‭ ‬الحقيقي‭ ‬بينهما‭ ‬هو‭ (‬الحب‭) ..‬

وبالنسبة‭ ‬لي‭ ‬هي‭ ‬المرأة‭ ‬‭ ‬الحب،‭ ‬والمرأة‭ ‬والحب‭ ‬هما‭ ‬الإنقاذ‭ ‬من‭ ‬الموت،‭ ‬طوق‭ ‬النجاة‭ ‬من‭ ‬العدم‭..‬

ان‭ ‬الإنسان‭ ‬بهما‭ ‬يقاوم‭ ‬إحساسه‭ ‬بأنه‭ ‬مهدّد‭ ‬بالفناء،‭ ‬والمرأة‭ ‬بالذات‭ ‬‭ ‬قياسا‭ ‬الى‭ ‬تجربتي‭- ‬هي‭ ‬الخلاص،‭ ‬فانا‭ ‬بدون‭ ‬المرأة‭ ‬‭ ‬كذات‭ ‬وموضوع‭- ‬إنسان‭ ‬ميت،‭ ‬بدونها‭ ‬محروم‭ ‬من‭ ‬الإبداع،‭ ‬وبالتالي‭ ‬محروم‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ..‬

وهذا‭ ‬الإحساس‭ ‬يتركّز‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬بداهة‭ ‬الإحساس‭ ‬بوجود‭ ‬المرأة،‭ ‬بحيث‭ ‬انه‭ ‬بدون‭ ‬هذا‭ ‬الوجود‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬حياة،‭ ‬وعلينا‭ ‬ان‭ ‬نخترع‭ ‬وجودها‭ ‬لنطمئن،‭ ‬فاذا‭ ‬حضرت‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الجنّة‭ ‬؟‭!!‬

لقد‭ ‬خلق‭ ‬الله‭ ‬الجنة‭ ‬من‭ ‬مجرّد‭ ‬كائنين‭ ‬اسمهما‭ (‬آدم‭ ‬وحواء‭) ‬وبدونهما‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬للجنة‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬جنّة،‭ ‬ولعلّ‭ ‬هذه‭ ‬السعادة‭ ‬كانت‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬تحتويها‭ ‬مخيّلة‭ ‬أي‭ ‬عبقريّ‭ ..‬

ولأنّ‭ ‬آدم‭ ‬وحواء‭ ‬طمحا‭ ‬الى‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬السعادة،‭ ‬لما‭ ‬لم‭ ‬يخطر‭ ‬بذهن‭ ‬المبدع‭ ‬الأول،‭ ‬فقد‭ ‬طردهما‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬من‭ ‬جنّة‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬بدونهما،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬هذا‭ ‬الإبداع‭ ‬الجديد‭ : ‬إبداع‭ ‬الإحتجاج‭ ‬،‭ ‬ومحاولة‭ ‬نقل‭ ‬الجنّة‭ ‬الى‭ ‬الأرض‭ ..‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬آدم‭ ‬وحواء‭ ‬في‭ ‬جنّة،‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬الجنّة‭ ‬كانت‭ ‬محاطة‭ ‬بالممنوعات،‭ ‬وبلجان‭ ‬من‭ ‬الرقابة،‭ ‬وهذا‭ ‬السرّ‭ ‬في‭ ‬انها‭ ‬كانت‭ ‬جنّة‭ ‬حقيقية‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يكتنفها‭ ‬من‭ ‬تحدّ،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬اللجان‭ ‬من‭ ‬الجواسيس،‭ ‬لكانت‭ ‬جنّة‭ ‬إعتيادية‭.. ‬ذلكم‭ ‬هو‭ ‬الإغراء‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬حواء‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬الفتنة‭ .. ‬لأنّها‭ ‬تحدّت‭ ‬الرقابة،‭ ‬وقبلت‭ ‬مقدّما‭ ‬بالحكم‭ ‬الذي‭ ‬يقضي‭ ‬بالنفي،‭ ‬وحين‭ ‬سقطت‭ ‬مع‭ ‬حبيبها‭ ‬الى‭ ‬الأرض،‭ ‬كان‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تؤدّي‭ ‬دورا‭ ‬جديدا‭ ‬يتمثّل‭ ‬بان‭ ‬

بإمكان‭ ‬آدم‭ ‬الجديد‭ ‬وحواء،‭ ‬أن‭ ‬يقيما‭ ‬جنّة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ .‬

أربكتني‭ ‬أصابع‭ ‬الصائغ،‭ ‬وانا‭ ‬منشغل‭ ‬بمحاورته،‭ ‬فهو‭ ‬

حين‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬الحديث‭ ‬بها،‭ ‬يطلق‭ ‬لها‭ ‬حرية‭ ‬الحركة‭ ‬فوق‭ ‬المكتب،‭ ‬او‭ ‬مداعبة‭ ‬رأس‭ ‬هذا‭ ‬القط‭  ‬الهاتف‭- ‬أو‭ ‬مغازلة‭ ‬معشوقته‭ ‬الدائمة‭ ‬‮«‬السيكارة‮»‬،‭ ‬ولطمأنة‭ ‬فضولي‭ ‬طلبت‭ ‬منه‭ ‬تبريرا‭ ‬معقولا‭ ‬لكل‭ ‬هذا‭ ‬الإستعراض‭ ‬الذي‭ ‬قدّمته‭ ‬لي‭ ‬أصابعه،‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الحوار‭ .‬

  ‬أصابعي‭ ‬ولعي‭ ‬الأول،‭ ‬ولو‭ ‬قرأت‭ ‬سيرتي‭ ‬الذاتية،‭ ‬لوجدت‭ ‬انني‭ ‬ذكرت‭ ‬بأوّل‭ ‬سطر‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يلي‭ (‬يداه‭ ‬على‭ ‬أصابع‭ ‬الأرغن‭) ..‬

إن‭ ‬سيرتي‭ ‬تبدأ‭ ‬بالأصابع،‭ ‬جملة‭ ‬أخرى‭ (.. ‬انها‭ ‬تبدو‭ ‬لي‭ ‬أبدا‭ ‬كانت‭ ‬مستقلة‭ .. ‬لغة‭ ‬مستقلّة‭ ‬بذاتها‭) .. ( ‬صنعني‭ ‬بأصابعه‭ ‬–‭ ‬والدي‭) ..‬

في‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬الكثير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأصابع‭..‬

وسأنقلك‭ ‬الى‭ ‬الشعر‭ (.. ‬ومرّة‭ ‬وجدتني‭ ‬أصرخ‭ ‬هامسا‭ ‬بالتي‭ ‬أحب‭ : ‬كل‭ ‬الأصابع‭ ‬كاذبة،‭ ‬فأيّ‭ ‬التعابير‭ ‬صالحة‭ ‬للحب‭  ‬؟‭!! ‬لو‭ ‬مرّة‭ ‬واحدة‭- ‬ولتكن‭ ‬حلما‭- ‬ان‭ ‬تصير‭ ‬الحروف‭ ‬أصابعنا‭ ) !!‬

  ‬هذا‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‭ . ‬والرسم‭ ‬؟

حين‭ ‬أرسم،‭ ‬كلّ‭ ‬تخطيطاتي‭ ‬أصابع،‭ ‬كلّ‭ ‬إصبع‭ ‬كائن‭ ‬حيّ‭ ‬مستقل‭ ‬بذاته،‭ ‬وإذ‭ ‬انظر‭ ‬الى‭ ‬أصابعي‭ ‬أجد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يد‭ ‬خمسة‭ ‬أشخاص،‭ ‬أرى‭ ‬نفسي‭ ‬وأميّز‭ ‬سجاياها،‭ ‬فأعرف‭ ‬أي‭ ‬الأصابع‭  ‬تشبهني،‭ ‬وأيّهم‭ ‬يشبه‭ ‬سواي‭..‬

حين‭ ‬أرى‭ ‬أصابعي‭ ‬أعرف‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يطرأ‭ ‬على‭ ‬يوسف‭ ‬الصائغ‭ ‬من‭ ‬تحوّلات،‭ ‬واخاف‭ .. ‬لأنّ‭ ‬أصابعي‭ ‬بعد‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬الحب‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬تعجبني‭ !!‬

‭ .. ‬ربما‭ ‬هي‭ ‬شيخوخة‭ ‬القلب،‭ ‬وليس‭ ‬الأصابع‭ ‬؟‭!!‬

التجربة‭ ‬تعلّم‭ ‬الخبث،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أصابعي‭ ‬تشبهني،‭ ‬وما‭ ‬ترتكبه‭ ‬هذه‭ ‬الكائنات،‭ ‬أحيانا،‭ ‬دون‭ ‬إرادتي،‭ ‬وأحيانا‭ ‬في‭ ‬التواطؤ‭ ‬معي‭ ‬هو‭ ‬‮«‬فذلكات‮»‬‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أحسبني‭ ‬أستطيع‭ ‬الإستسلام‭ ‬لها،‭ ‬وفي‭ ‬شكل‭ ‬خاص‭ ‬بمجال‭ ‬الشعر‭..‬

لقد‭ ‬تدرّبت‭ ‬هذه‭ ‬الأصابع‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬الكتابة،‭ ‬أحيانا‭ ‬أنتبه‭ ‬الى‭ ‬انها‭ ‬تكتب‭ ‬عني‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬كتابته،‭ ‬أو‭ ‬تتورّط‭ ‬في‭ ‬غزل‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬محتاجا‭ ‬اليه‭ !‬‭!‬

‭.. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تريد‭ ‬ان‭ ‬تنمّ‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬أصابعك‭ ‬؟

أريد‭ ‬ان‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬‮«‬أقشمر‮»‬‭ ‬به‭ ‬النساء‭ .. ‬أصابعي‭ !!‬

ولكي‭ ‬لا‭ ‬أفضحهن‭ ‬أكثر،‭ ‬أنتقل‭ ‬بك‭ ‬من‭ ‬الأصابع‭ ‬الى‭ ‬الكيمياء،‭ ‬قبل‭ ‬سنتين،‭ ‬او‭ ‬ربما‭ ‬أكثر،‭ ‬انتهيت‭ ‬بحالة‭ ‬تأمّل‭ ‬تشبه‭ ‬البدء‭ ‬بكتابة‭ ‬قصيدة‭ ‬،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬تكتفي‭ ‬بالتأمّل‭ ‬دون‭ ‬الكتابة‭.. ‬وسألت‭ ‬نفسي‭ : ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬أقرب‭ ‬الى‭ ‬من‭ ‬سواه‭ ‬؟‭ ‬ثم‭ ‬تذكّرت‭ ‬الصف‭ ‬الثاني‭ ‬المتوسط‭ ‬الذي‭ ‬غادرته‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬مرة،‭ ‬كان‭ ‬المدرّس‭ ‬يقول‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬عناصر‭ ‬خامدة‭ ‬واخرى‭ ‬فعّالة،‭ ‬وعن‭ ‬عناصر‭ ‬اذا‭ ‬اجتمعت‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتفاعل،‭ ‬وأضاف‭ .. ‬وتلك‭ ‬عبقرية‭ ‬الكيمياء،‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬عناصر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تجتمع‭ ‬بطريقة‭ ‬مهادنة،‭ ‬الا‭ ‬اذا‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬بينها،‭ ‬عنصر‭ ‬التسخين‭ ‬او‭ ‬الكهرباء،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬أحفظ‭ ‬المعادلة‭ ‬

H2SO4‭+‬MNO2‭= ‬MNO2‭+‬H2O

‭ ‬اذا‭ ‬لم‭ ‬تخني‭ ‬الذاكرة،‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬للتفاعل‭ ‬بين‭ ‬عنصرين‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬سواهما‭ ‬ان‭ ‬يؤدّيا‭ ‬الى‭ ‬النتيجة‭ ‬نفسها‭ !!‬

تلك‭ ‬هي‭ ‬القضية،‭ ‬وانها‭ ‬تشبه‭ ( ‬ميسون‭+ ‬محمد‭ = ‬حب‭ ‬درجة‭ ‬أولى‭)‬

‭( ‬ميسون‭ + ‬عبد‭ ‬الله‭ = ‬لا‭ ‬شيء‭ ) ‬

انها‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬مدرس‭ ‬الكيمياء‭- ( ‬ميسون‭ + ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬،‭ ‬بالتسخين‭ = ‬قيمة‭ ‬جديدة‭ ) ‬وهذه‭ ‬لغة‭ ‬اخرى‭ ‬قد‭ ‬تقنعني‭ ‬لدقائق،‭ ‬وقد‭ ‬تقنع‭ ‬حبيبتي،‭ ‬لكننا‭ ‬حينما‭ ‬نحتاج‭ ‬الى‭ ‬التسخين،‭ ‬او‭ ‬الى‭ ‬التيار‭ ‬الكهربائي،‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تخترعه‭ ‬لأداء‭ ‬مهمة‭ ‬الحب‭ ‬غير‭ ‬ان‭ ‬نكون‭ ‬أكثر‭ ‬براءة،‭ ‬وان‭ ‬ننسى‭ ‬الكيمياء‭ .. ‬وكل‭ ‬علوم‭ ‬الأرض‭ .‬

‭ ‬‭ ‬الثلاثاء،‭ ‬16‭ ‬نيسان‭ ‬1991

ممكن‭ ‬ان‭ ‬نضع‭ ‬هنا‭ ‬تاريخ‭ ‬يوم‭ ‬النشر‭ ‬الجديد‭ ‬