الزمان تعيد نشر حوار مثير عمره أكثر من 30 عاماً

حوار: جواد الحطّاب
ربطتي علاقة قويّة مع الشاعر الكبير يوسف الصائغ، هي علاقة التلميذ بإستاذه، وتحدثت عنها في أكثر من منشور ، أيام كان الصائغ يعمل في “جريدة الثورة” ثم في “مجلة آفاق عربية” ، وأيام إدارته لدائرة السينما والمسرح، وما بعدها .. وحتى الى ما بعد إحتلال العراق .. وأظنه حتى هذه اللحظة – ما زال معي، فشخصية مثل شخصية “أبو مريم” لن تنسى بسهولة . .هذا الحوار مضى عليه أكثر من 32 عاما، نشر في (الثلاثاء 16/ نيسان / 1991) وهو مفقود الا من أدراج “المكتبة الوطنية”.. وطالبني باعادة نشره الكثير من الأدباء الذي يحبّون يوسف الصائغ، ومن الذين يشتغلون على أرشيفه الشخصي، ويعرفون علاقتي به، لأن في اللقاء الكثير من الخصوصية والحميمية .. فأسئلة غير تقليدية واجوبة تفوقها هروبا من المعتاد . وتقديرا لجريدة “الزمان الدولية” لرئيس تحريرها الصديق الروائي والمترجم د. فاتح عبد السلام . أخصّها به، لأنني أعرف سعة انتشارها، وحرص الأدباء على متابعة صفحاتها، وخاصة الثقافية منها.
.
ما يشبه التقديم
1.غريبة علاقتي بهذا الشاعر، ففي بدايات ارتكابي جريرة الشعر، إتصلت بـ»مجلة الف باء» وطلبت من «البدالة» الحديث مع الشاعر يوسف الصائغ، الذي كان يومها «محرّرا» في قسم المجلة الثقافي، حتى إذا حوّلتي وردّ عليّ الصائغ الذي ربما انتبه الى تهدّج صوتي، وتلعثمي، فأشفق عليّ وأعاطني موعدا لألتقيه وأريه قصائدي، التي هي في حقيقتها ليست سوى «خربشات» لكنها «قصائدي» .
في الموعد المحدّد دخلت الى الطابق الذي كانت مجلة الفباء تشغله بـ»دار الحرية» للطباعة، ومقرها في الباب المعظم كما مثبّت على العنوان البريدي، سألت «الإستعلامات» وأرشدني عامل الشاي الى القسم الذي فيه يوسف الصائغ ..
.. الممرّ خال الا من حركة قليلة، وكل أقسام التحرير مشغولة بمهامها، وكانت غرفة «القسم الثقافي» في آخر الممر.. مفتوحة الباب، وها هو «ألصائغ» فيها خلف مكتبه، ولكن أيّ «هرقل» يستطيع ان ينقل أقدامي من المكان الذي تسمّرت فيه، ويدخلني الى «القسم»، لأقوم بتقديم نفسي الى الصائغ ، وتذكيره بالموعد الذي أعطاه لي..
الدقائق تمرّ بطيئة وثقيلة، وانا متكيء على حائط في الممر، قريب من «كمين» الصائغ «المنصوب لي»، وكأن برودة القطب الشمالي، الجنوبي قد انتقلت من هناك الى الحائط فأيبست ظهري، ليلعب الحظ لعبته، وتسنح فرصة مفاجئة، حيث غادر شاعري مكانه وتمشّى في الممرّ ، فأسرعت بالدخول الى الغرفة التي كان فيها، وتساءلت ببراءة مفتعلة- عن الأستاذ يوسف الصائغ ؟!!

أظنّ ان الأستاذة «ابتسام عبد الله» هي من ردّت عليّ، مشيرة الى الخارج (الصائغ تحرّك توا.. وبامكانك اللحاق به)، من دون أن تدري ان سعادتي هي عدم اللقاء به، لخشيتي من مواجهته، فما سيفعل بي اذا ما قلّب دفتري وقرأ الخربشات التي فيه !!
لذلك أستأذتها (هل يمكن ان أترك هذا الدفتر على مكتبه)، قالت ممكن، ولكن اترك له ورقة ليفهم من هو الزائر الذي لم ينتظره .
وهكذا كتبت «قصاصة» مرتبكة بأن : هذه هي القصائد التي حدثتك عنها، وسأمر عليك بعد أسبوع للإستماع لملاحظاتك مع التقدير .. أنا .. من البصرة .. و
وهربت من القسم قبل أن يأتي ويجدني متلبسا بحضوري في مكتبه !!
مضى الأسبوع ، والثاني، ومضت أسابيع، ولم أجرؤ على الذهاب لمقابلة يوسف الصائغ، خوفا من تقريعه على حماقة الكتابة بما أسميته «ديوان شعر»، وأعقبت التنصّل سنوات، نُشرت خلالها مجموعتي الأولى «سلاما أيها الفقراء» وأشتركت مع الصائغ بمهرجانات «مربدية» و «أماس» و»قراءات مشتركة» من دون ان اجرؤ على ان أحدّثه، أو أسأله عن «واقعة» الدفتر القديم .
الى ان حدث ما جعلني افضح له «سري الخطير» ..
.يعرف الجميع باني قضيت ما يقرب من 8 سنوات جنديا في جبهات القتال حين استدعيت لأداء «خدمة الاحتياط» التي كان من المفروض ان تكون أشهرا قليلة، لكنها تمدّدت وتمدّدت بسبب الحرب ، ولأسباب كثيرة قضيت هذي السنوات الثمان كلها في «الخطوط الأمامية» والحجابات والسواتر..
في واحدة من إجازاتي الدورية، قال لي الأصدقاء الذين يعرفون «معزّة» الصائغ عندي، ان صديقك يسعى الى الانتحار، لأنه أغلق باب بيته (كان بيته في المنصور) فلا يستقبل أحدا، ولا يرضى ان يكلّم كائن من كان، يعاقر «الأبيض» ولا يهادن جسده.. فآلمني الخبر وقلقت على صاحبي كثيرا .
.. ولأنهم قالوا بانه جعل مكان جلوسه في «الهول» المطلّ على الحديقة، وعلى الباب الخارجي، بحيث يرى من يطرق الباب او يدقّ الجرس، ونادرا نادرا ما كان يفتح .
اصطحبت معي قديسة الياسمين ، وهي صديقة رائعة الجمال ويعرفها الصائغ لأنها من الوسط الثقافي، وذهبنا اليه، قلت لها انت تقفين بمواجهة الباب وتطرقين .. ومؤكد ان فضول الصائغ»النسائي» سيدعوه للمجيء وعندها أتصرف أنا ، وهو ما حصل فعلا، فحين فتح الصائغ الباب باغتّه بالظهور جوارها.. فأسقط في يديه، ودعانا الى الدخول ..
.بعد المجاملات وسؤاله اين انت الآن، وفي اي جبهة .. قلت لأخرجه من «المود» الذي هو فيه، فذكرت له حادثة «مخطوطة الديوان» التي تركها فتى بصري قبل سنوات ولاذ بالفرار، لأنه خشي مواجهته !!
علت الدهشة وجه يوسف، ثم نهض وقال انتظرني، غادر «الهول» الذي جلسنا فيه ، وبعد ربع ساعة او أكثر عاد وفي يده مظروف اسمر باهت اللون، وألقاه عليّ، وبلهفة المتفاجئ فتحت المغلّف واذا به مخطوطة ديواني القديمة التي تركتها في «القسم الثقافي» وهربت ..
ألقت الحادثة جوّا من السحر على جلستنا، كسره الصائغ حين قال لي ( خلال السنوات الماضية غيّرت أكثر من بيت، وضيّعت اكثر من كتاب مهم ومكتبة، لكني كنت أحرص على هذا الدفتر لأني كنت أقول لنفسي ان وراءه شاعرا، وسيأتي للمطالبة به، وها انا أعيده اليك وهذه أمانتك الثقيلة، ثم سحبه من يدي وكتب عليه أسطرا أرفقها بتوقيعه وبالتاريخ : ( أنت الآن اقرب الشعراء الشباب الى قلبي- التوقيع – تاريخ 1983).
هذا هو الصائغ الذي أنشر حواري معه – اليوم- بعد مرور ما يقرب من 32 عاما عليه ..
وربما سأعود الى وقائع اخرى لي مع الشاعر الكبير يوسف الصائغ، لاسيما وان الكثير من شهود وقائعي معه أحياء، أطال الله بأعمارهم.
الحوار:
ها أنا في مكتبك الأنيق، في الطابق السابع من دائرة السينما والمسرح، ولا محاور مسبقة للحديث ، فما رأيك لو يكون (الطابق السابع) هو المفتتح ؟!!
أهذا الطابق : شرفة للتأمل .. أم سجن بنوافذ مفتوحة ؟!!
.. من شرفات هذا الطابق أتلمّس نبض بغداد، ودبيب الحياة في البيوت.. تحت هذا السطح أو ذاك تكمن «مسرحية» لا تحتاج الى التمعّن ..
الطابق السابع أعادني للمسرح وعمّق علاقتي به، وما أشعرني يوما بأنني «إداري» بقدر ما كان يبوح لي بقربي من المكان الأجمل في أولاعي، ويكفي انني فيه تعرفت على حبيبتي الأخيرة «دزدمونة» وكتبتها بحراسته .
.. ( أشكّ في الهواتف التي ترنّ بعد منتصف الليل) عنوان فرعي
( .. على مكتب المدير العام، تنام الهواتف كالقطط، حمراء. صفراء. خضراء. بيضاء..
أحيانا تمتد أصابع الصائغ لتربت على كتف هذا القط أو ذاك، فيهدأ عن موائه )
.. مَنْ يعرف سرّية العلاقة بين الأصابع والهواتف، وخاصة بعد منتصف الليل ؟
الهاتف بعد منتصف الليل- جزء من الحلم، فهو يرنّ في الحلم وليس في اليقظة، وكل ما يدور في هاتفي ومن هذا النوع، يكون على حساب الشعر، لأن ما أن تشرق الشمس حتى يبدو كلّ شيء وهما ..
لماذا يدقّ الهاتف في الفجر، في الساعة التي أكون فيها بأحسن حالاتي.. نشطا .. ذكيّا .. وغير مخدّر في النعاس..؟
لذلك أشكّ في هواتف بعد منتصف الليل !!
.. وهذا الشك : ديكارتي أم شاعري ؟!!
الشك حالة شعرية، ما من شاعر يبدأ من يقين، ما حاجة الشاعر للشعر اذا كان متيقنا من كل شيء ؟!!
الشكّ عندي هو بحث عن شكوك جديدة، وليس بحثا عن يقين، كزهرة تومئ الى زهرة، وكحلم يتصل بحلم .
.. لكن أساس احدى رواياتك – اللعبة – كان «هاتف» و «يقين» ..
يقين البطل من انه يخوض «لعبة» أداتها الهاتف ؟!!
الهاتف حالة غير إنسانية، لأنه في النتيجة «آلة» وهو بالتالي سوء تفاهم مكيّف بطريقة لاستيكية، لكنه يحسب تفاهما : من أين لي أن أعرف إن الصوت الذي أسمعه، هو الصوت الذي أريده، وكيف أخاطب شخصا أحدس، أو اخاف انه غير موجود، ولعله في لحظة الحقيقة لم يكن يستعمل الهاتف أصلا ؟!!.
بطل «اللعبة» كان يريد – ولنعد الى الشكّ- أن يجعل شكوكه تتناسل – من خلال اليقين- لكي تصير الحياة أكثر جدارة، ما قيمة أي شيء يعاش باليقين وحده ؟!!
.. وبالمناسبة فاللعبة رواية مظلومة، لم يقراها أحد جيدا الا النساء، لأنها تخاطبهنّ في شكوكهن قبل ان تخاطب الرجال، فقد كان «رافع» أنثويا، ولهذا صار قريبا من القارئات أكثر منه الى القرّاء !!
أصدقائي : الثغرات الوحيدة في تماسكي!!
.. فترة السبعينيات، أقام الشاعر الصائغ أمسية في إتحاد الأدباء رافقها غناء، وعزف على القانون لفنان من البصرة..
في تلك الأمسية رسم الشاعر قصائده وأهداها الى أصدقاء راحين: السيّاب .. حسين مردان .. ابراهيم زاير، وآخرين نسيتهم ..
كانت القصائد «مراثي» عصر وليست مراثي أشخاص ..
أصدقاؤك الراحلون كم أخذوا من يوسف الصائغ، وكم أبقوا له ؟
كل الأسماء التي ذكرتها هي حقائق في حياتي، وأنا موجود فيها بكاملي، وكلّما كان يرحل واحد منها كان يترك ثغرة بتماسكي، والأشكال الأدبية والفنية التي حاولت التعبير عن ذلك، هي تنويعات على تجربة لم تكتمل بعد، لم تستنفد، وأحسب ان الموت خلال كل هذا – باعتباره العدو الأول للحب والحياة، هو المشكة التي يعانيها كل هؤلاء الأصدقاء، أو يعانيها الكاتب موزعا على اصدقائه، فالموت في هذه المجالات هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن تصديقه، بالرغم من انه الموضوع الوحيد الذي يستسلم له الجميع .
.. أراك منحازا الى الموت ؟!!
لست منحازا اليه . بانفعال انا أعجب من استسلام الحضارة للموت!!
لقد ماتت حبيبتي، وكانت أول حبيبة تموت في تجربتي، ووجدت كل الناس : أهلي .. أهلها .. أصدقاؤنا ، مستسلمين لهذا الموت الذي كان يبدو لي، ان من واجبهم – كما هو واجبي- أن يحتجّوا عليه، وان يرفضوا معنى أن يموت الإنسان، وأن يأخذوه بهذه السهولة، وهذه السرعة للمقبرة، ويعودوا الى أنفسهم يحمدون الله على انهم ما يزالون أحياء !!
وأكثر من ذلك، انا لا انس ان كل الأحباب – وفي مجلس العزاء- حين مدّت موائد الطعام كانوا يأكلون بشراهة لا مثيل لها وكنت أتطلع اليهم وأحاول أن أفهم هذه المفارقة المبكية، ما علاقة الأكل بالموت ، ثم تنبّهت الى انهم يأكلون بهذه الطريقة الغريبة، ليبرهنوا لأنفسهم انهم ما يزالون أحياء، وراحت دموعي تسقط فوق الطعام الذي أمامي، ليس على حبيبتي الغائبة، بل على نفسي، والبشرية المبتلاة بالموت .
بامكاننا ان نقيم جنّتنا على الأرض
.. ذكرت الإحتجاج على الموت
كيف يتغلب الشاعر على حتميته الأزلية ؟
الحياة والموت شرطان متصلان ، بحيث لا حياة بلا موت.. والمعادل الحقيقي بينهما هو (الحب) ..
وبالنسبة لي هي المرأة – الحب، والمرأة والحب هما الإنقاذ من الموت، طوق النجاة من العدم..
ان الإنسان بهما يقاوم إحساسه بأنه مهدّد بالفناء، والمرأة بالذات – قياسا الى تجربتي- هي الخلاص، فانا بدون المرأة – كذات وموضوع- إنسان ميت، بدونها محروم من الإبداع، وبالتالي محروم من الحياة ..
وهذا الإحساس يتركّز مباشرة على بداهة الإحساس بوجود المرأة، بحيث انه بدون هذا الوجود ليس ثمة حياة، وعلينا ان نخترع وجودها لنطمئن، فاذا حضرت ما معنى البحث عن الجنّة ؟!!
لقد خلق الله الجنة من مجرّد كائنين اسمهما (آدم وحواء) وبدونهما ما كان للجنة ان تكون جنّة، ولعلّ هذه السعادة كانت أكبر من ان تحتويها مخيّلة أي عبقريّ ..
ولأنّ آدم وحواء طمحا الى أقصى ما يمكن من السعادة، لما لم يخطر بذهن المبدع الأول، فقد طردهما هذا التحدي من جنّة ما كان يمكن ان تكون بدونهما، ومن هنا جاء هذا الإبداع الجديد : إبداع الإحتجاج ، ومحاولة نقل الجنّة الى الأرض ..
لقد كان آدم وحواء في جنّة، ولكن هذه الجنّة كانت محاطة بالممنوعات، وبلجان من الرقابة، وهذا السرّ في انها كانت جنّة حقيقية بسبب ما كان يكتنفها من تحدّ، ولو لم تكن فيها هذه اللجان من الجواسيس، لكانت جنّة إعتيادية.. ذلكم هو الإغراء الأول الذي جعل حواء على كلّ هذا القدر من الفتنة .. لأنّها تحدّت الرقابة، وقبلت مقدّما بالحكم الذي يقضي بالنفي، وحين سقطت مع حبيبها الى الأرض، كان عليها أن تؤدّي دورا جديدا يتمثّل بان
بإمكان آدم الجديد وحواء، أن يقيما جنّة أخرى على الأرض .
أربكتني أصابع الصائغ، وانا منشغل بمحاورته، فهو
حين يعجز عن الحديث بها، يطلق لها حرية الحركة فوق المكتب، او مداعبة رأس هذا القط الهاتف- أو مغازلة معشوقته الدائمة «السيكارة»، ولطمأنة فضولي طلبت منه تبريرا معقولا لكل هذا الإستعراض الذي قدّمته لي أصابعه، على هامش الحوار .
أصابعي ولعي الأول، ولو قرأت سيرتي الذاتية، لوجدت انني ذكرت بأوّل سطر منها ما يلي (يداه على أصابع الأرغن) ..
إن سيرتي تبدأ بالأصابع، جملة أخرى (.. انها تبدو لي أبدا كانت مستقلة .. لغة مستقلّة بذاتها) .. ( صنعني بأصابعه – والدي) ..
في السيرة الذاتية الكثير الكثير من الأصابع..
وسأنقلك الى الشعر (.. ومرّة وجدتني أصرخ هامسا بالتي أحب : كل الأصابع كاذبة، فأيّ التعابير صالحة للحب ؟!! لو مرّة واحدة- ولتكن حلما- ان تصير الحروف أصابعنا ) !!
هذا عن الكتابة . والرسم ؟
حين أرسم، كلّ تخطيطاتي أصابع، كلّ إصبع كائن حيّ مستقل بذاته، وإذ انظر الى أصابعي أجد في كل يد خمسة أشخاص، أرى نفسي وأميّز سجاياها، فأعرف أي الأصابع تشبهني، وأيّهم يشبه سواي..
حين أرى أصابعي أعرف ما الذي يطرأ على يوسف الصائغ من تحوّلات، واخاف .. لأنّ أصابعي بعد خمسين عاما من الحب ما عادت تعجبني !!
.. ربما هي شيخوخة القلب، وليس الأصابع ؟!!
التجربة تعلّم الخبث، لم تعد أصابعي تشبهني، وما ترتكبه هذه الكائنات، أحيانا، دون إرادتي، وأحيانا في التواطؤ معي هو «فذلكات» ما كنت من قبل أحسبني أستطيع الإستسلام لها، وفي شكل خاص بمجال الشعر..
لقد تدرّبت هذه الأصابع في ميدان الكتابة، أحيانا أنتبه الى انها تكتب عني ما لا أريد كتابته، أو تتورّط في غزل لم أكن محتاجا اليه !!
.. ما الذي تريد ان تنمّ به على أصابعك ؟
أريد ان أقول إن أول ما «أقشمر» به النساء .. أصابعي !!
ولكي لا أفضحهن أكثر، أنتقل بك من الأصابع الى الكيمياء، قبل سنتين، او ربما أكثر، انتهيت بحالة تأمّل تشبه البدء بكتابة قصيدة ، بمعنى أن تكتفي بالتأمّل دون الكتابة.. وسألت نفسي : ما الذي يجعل هذا الكائن أقرب الى من سواه ؟ ثم تذكّرت الصف الثاني المتوسط الذي غادرته في آخر مرة، كان المدرّس يقول لنا عن عناصر خامدة واخرى فعّالة، وعن عناصر اذا اجتمعت يمكن أن تتفاعل، وأضاف .. وتلك عبقرية الكيمياء، ان هناك عناصر يمكن أن تجتمع بطريقة مهادنة، الا اذا ثمة ما بينها، عنصر التسخين او الكهرباء، وما زالت حتى هذه اللحظة أحفظ المعادلة
H2SO4+MNO2= MNO2+H2O
اذا لم تخني الذاكرة، هذه المعادلة للتفاعل بين عنصرين لا يستطيع سواهما ان يؤدّيا الى النتيجة نفسها !!
تلك هي القضية، وانها تشبه ( ميسون+ محمد = حب درجة أولى)
( ميسون + عبد الله = لا شيء )
انها – كما يقول مدرس الكيمياء- ( ميسون + عبد الله ، بالتسخين = قيمة جديدة ) وهذه لغة اخرى قد تقنعني لدقائق، وقد تقنع حبيبتي، لكننا حينما نحتاج الى التسخين، او الى التيار الكهربائي، فما الذي يمكن ان تخترعه لأداء مهمة الحب غير ان نكون أكثر براءة، وان ننسى الكيمياء .. وكل علوم الأرض .
الثلاثاء، 16 نيسان 1991
ممكن ان نضع هنا تاريخ يوم النشر الجديد























