الشاعر المصريّ شريف الشافعي لـ الزمان الشّعر لا يحتاج المختبر لندرك أنه إكسير الحياة

الشاعر المصريّ شريف الشافعي لـ الزمان الشّعر لا يحتاج المختبر لندرك أنه إكسير الحياة
حاوره عذاب الركابي
شاعر أذهلني.. وتدخل في هواء حدائق تأملي وحلمي.. التي يضيئها، ويتفنن في هندسة ورودها الشعر.. وهو الشعر رفيقي الذي دلّني عليه..، صافحته رقمياً بالطريقة التي يحبّ.. وتعانقنا رقمياً أيضاً.. وما كان يرتّب لنا مواعيدنا إلا الشعر.. وخطوات نيرمانا ..المتعددة الأسماء والعناوين والعطور غامضة الواعيد وحالات العشق.
شريف الشافعي شاعر يكتب بكلّ جسده.. ولهذا يعيش شعرياً..شعره على وزن بحر الروح العاشقة التي تظل صلاتها أعظم القوافي..، يكتب شعراً.. يعشق شعراً..،ويجيب على أسئلتي شعرا ًفاق شقاء وحيرة السؤال..، وفضح مكره ومغامرته.. يكتب لأنّ الكتابة لديه حياة.. وأنّ الشعر حياته الحقيقية ..يراهن على الرقمية لأنّها الحياة الجديدة، ويرى أنّ من يتجاهلها يعيش في كوكب آخر.
شاعر متفرد في كتابته.. في أسلوبه..عنيد بموضوعية.. وثقة في تجربته الشعرية الجديدة.. يكره في المبدع أن يكون نسخةً لأحد.. ولهذا فهو لا يشبه أحداً.. ولا يسعد بشرف هذا الشبه.. مهما كان ذلك الأحد.
رأيت فيه قصيدةً جديدةً.. مزعجةً..، حرفاً مشاكساً.. فسفوره خلاصة كيمياء الروح المشبعة بحبّ الحياة. حرف خارج في إيقاعه الضروري على السائد.. والمألوف..والتقليدي.. ويراهن بكلّ آيات فوضاه على أن يكتمل البياض
هو الابن الشرعيّ للعصر الرقمي.. الذي يراه حقيقةً واقعة.. ومن يرى غير ذلك فهو ميت، ولكنّ دفنه متأخر..، وهو ابن نصّه..ونصّه هو ذاته التي يواصل
كتابتها.. وهو هويته.. لا يحبّ التصنيف أبدا ً، لأنّه يصيبه بالإحباط..بل هو الإحباط نفسه..، فالشعر خارج كلّ التصنيفات، والشاعر ملك لحظته، تتوجه أحلامه.. ونبؤاته نبيّ العصور القادمة
شريف الشافعي هو شعره.. ليس نسخةً لأحد.. ولا يشبه أحدا.
صدر له من الدواوين الشعرية
بينهما يصدأ الوقت ــ 1994، وحده يستمع إلى كونشرتو الكيمياء ــ 1996،
الألوان ترتعد بشراهة1999، والأعمال الكاملة لإنسان آلي ــ الجزء الأول
البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية 2008. وسيليه الجزء الثاني ــ غازات ضاحكة..
كتب عن تجربته كبار الكتاب والنقاد من بينهم د. محمد عناني، د.ماهرشفيق فريد، د. محمدعبد المطلب، د.صلاح فضل، عبد المنعم يوسف عواد، أحمد دحبور،
وآخرون.
ماكنت راغباً في الحديث عنه لأنّ نصّه يتحدث عنه، وحديثي عن نصّه آت، وسيكون ممتعاً.. شيقاً، والآن دوره للحديث عن تجربته الشعرية..
الشعر تمثيل ضوئي
ــ الشعر دم وإحساس وفكر. قل لي ما جدوى الشعر؟
لسنا بحاجة إلى تحليل الدم في المختبر لندرك جدواه، يكفي أن نعرف أنه لا عروق تنبض بدون دم. أيضاً لا قلب بلا إحساس، ولا عقل بلا فكر. الشعر عندي ليس اهتماماً، بمعنى الاحتشاد والانشغال والقصدية. الشعر عملية حيوية، عادية جدّاً، لكنها لازمة للوجود، شأن التنفس والهضم.
الشعر هو التمثيل الضوئي الذي فطرت عليه روحي، وتمارسه ليل نهار، بكلوروفيلها الخاص جدّاً، ولا تستلزم آلية عملها طاقة الشمس كأوراق النباتات.
الميكانيزم معقد بالتأكيد، هذا أمر مسلّم به، لكنني لا أقف كثيراً عنده، طالما أن العملية تحدث من تلقاء ذاتها عملية تحويل طاقة الحياة إلى طاقة شعرية ، وطالما أن المنتج غزير وافر بفضل الله، والأهم أنه منتج جديد، مرغوب فيه، لا يشبه غيره، قادر على أن يترجم بأمانة شفرتي الوراثية، ويعكس مكابدات صديقي الإنسان في كل مكان، ويرسم صورة بانورامية لهذا العصر الآلي الرقمي، بتركيز شديد.
أنا لا أبسّط الأمور أكثر من اللازم، ولا ألغي التخطيط والذهنية ومقومات الاحتراف ولوازم الثقافة والمعرفة التي تنبني عليها أية تجربة شعرية طموح، لكنني ـ صدقني ـ أراهن في الأساس على نفاسة المعدن بصورته النقية، على الشعرية الخام إذا جاز التعبير.
إن الذي وجدته في الشعر هو الشعر نفسه ، كما تمنيت أنا أن يكون، أي بالصورة التي تستهويني، ومن ثم فإنني أشرك القراء معي ببساطة وحميمية في ملامسة هذا الجوهر المشعّ بذاته ، الذي أراه مختلفاً نادراً، من وجهة نظري أنا على الأقل.
الشعر حياتي الحقيقية
ــ الشعر حياة .. الحياة شعر . أيّ التعبيرين أقرب إليك؟ ولماذا؟
التعبيران بالدرجة نفسها من القرب.
الشعر حياة، بل الشعر حياتي الحقيقية، ولا أقول حياتي البديلة.
الحياة شعر، فكل مفرداتها، تفاصيلها، عناصرها، مركّباتها، علاقاتها، تنضح شعراً قابلاً للاصطياد، بشرط أن يعرف الصياد ماذا وكيف ومتى يصطاد.
ــ يقول أدونيس الكاتب هو نصّه .. ويقول بورخس الكاتب نص يواصل كتابة ذاته .. أين نصّك منك؟ بم تشعر حين تقرأ نصك؟
أنا يا صديقي نقطة حبر جديدة، لم توضع فوق حرف ثابت، ومساحة ما متوقّعة، لم تتشكّل نهائيّاً بعد. في يدي نصف زهرة بيضاء، في يد العالم نصفها الآخر. وحدي، أراهن على اكتمال البياض. ما أخطر الرحلة، بعد انسحاب ظلي المضيء فجأة، ربما لالتقاط الأنفاس، ربما لانحسار الوقود الفرق الجوهري بيني وبين ظلي، أنني لا أخشى أبداً نفاد رصيدي من الطاقة، لأن منبعه حيوية الحياة.
ليست معي بوصلة واحدة صادقة، أتحسس بها الجهات الجغرافية والمغنطيسية، لكنني أؤمن بأن الجهات الأصلية كلها يمكن الاهتداء إليها بالقوة الروحية، ومعانقتها بالحواس الخمس المعروفة، والحواس الذائبة في الضمير، بدون أن تحمل خطواتي رائحة إبرة ممغنطة.
أنا المشتاق دائماً إلى الذي لم يكن أصلاً، لا أصدق أن النجوم تحدثت عني كما قيل لي، لأنني أرى القمر الصامت يحكي عني أكثر.
أنا جسر الحوار الحميم بين الإنسان الآلي والإنسان الإنسان، قصيدة برزخية تصل العالم الحقيقي بالعوالم الافتراضية والإلكترونية، خفقات قلب بغير عروق، شحنات برق بلا أسلاك، نقاط إنترنت مضيئة بدون خيوط عنكبوتية، فيروسات نشطة تدور عكس عقارب الساعة، عكس صدأ الوقت، عكس برامج تشغيل الكمبيوتر والقوانين الأساسية للروبوتات.
أنا المنزلق حافياً فوق أرض خشنة، الهازئ بمعامل الاحتكاك وشروط الحياة الجامدة.
أنا حامل التحيات للعناصر المشعّة بذاتها في الوجود، لا لمصابيح راضعة من كهرباء.
أنا الذي حينما أخشّ فراشة القز أحب أن أكون حرير روحها، وحينما أخرج من دودة القز لا أحب أن أكون حرير شرنقتها.
أنا غير المتعادل دائماً، حتى إذا سكنت روحي المصابة بالحموضة جسداً قلويّاً.
أنا الذي إن ذبت بسرعة في البنّيّ المحروق، بديناميت معشوقتي المتعجّلة تصفيتي، لم أخش تحللي النبيل، بقدر ما أخاف على نضارة ناسفتي من فنجان قهوة سريعة التحضير.
أنا الذي أمنّي نفسي بسلامة الوصول، ليس عن ثقة، لكن لأن جرحي سبقني ووصل سليماً ، إلى الضفة الأخرى من المتاهة
ــ ماذا تضيف إليك قراءة الآخرين لنصك الشعري؟
مثل هذا السؤال يشي بأن القارئ من المحتمل أن يغيب كليّاً أو نسبيّاً عن الكتابة، وإن حضر ـ ولو كليّاً ـ فإنه يحضر بقوة الانشغال و الاشتغال ما هذا الفصل التعسفي بين الشاعر وقارئه، بين كيانين منصهرين تماماً، بل كيان واحد، يغذّي أنسجته دم واحد، وهواء واحد؟
أتصور أن حياة الشعر مرهونة في الأساس بكونه شعر حياة ، فبقدرة النص الحيوي على النبض الطبيعي والحركة الحرة ـ بدون أجهزة إعاشة وأسطوانات أوكسجين وأطراف صناعية ـ تقاس عافيته وخصوبته، ويتحدد عمره الحقيقي، ويمتد عمره الافتراضي خارج المكان والزمان.
حضور القارئ، بل حلوله، في الماهية الإبداعية الملغزة، هو وضع طبيعي يعكس انفتاح المبدع كإنسان على أخيه الإنسان، ويعكس انفتاح الكتابة الإبداعية على العالم الحسي المشترك، والوقائع والعلاقات المتبادلة، وأيضاً على الأحلام والهواجس والافتراضات والفضاء التخيّلي غير المقتصر على فئة نخبوية دون سواها
لقد أفسد الوسطاء الذين لا يمتنعون كل شيء، حتى صفاء العلاقة بين الشاعر وقارئه، عفواً بين الشاعر ونفسه، فصار الشاعر يخاطب نفسه عبر وسيط، ويرى الحياة من خلال مناظير وتليسكوبات، مع أنها أقرب إليه من حبل الوريد
لقد أفسد الوسطاء ليس فقط رؤية العالم، لكن أيضاً تشكيله أو إعادة صياغته كما يقول البعض، فحلّت الأغذية المعقدة، المليئة بمكسبات الطعم والألوان الإضافية والمواد الحافظة، محل الصحي المستساغ المؤثر البسيط، الأقرب إلى الفطرة والبدائية، وهو الذي يترفع عنه البلاغيون المقولبون وذوو المفاهيم المعلبة، مع أن خبزهم اليومي وحصادهم المعرفي في جوهره من طحين البشر في علاقاتهم وتفاعلاتهم الطبيعية، ومع أنهم ارتضوا بنشر أعمالهم في كتب ومجلات من لحم ودم، يتم عرضها فوق أرفف مكتبات، وعلى أرصفة شوارع مزدحمة تدوسها أقدام البشر
لتحديد إلى أي مدىً يشغلني القارئ؟ أقول بمنتهى البساطة ليست هناك مسافة أصلاً بين الشاعر والقارئ، بشرط ألا تكون هناك مسافة بين الشاعر ونفسه. إن الشاعر الذي يقول ما لا يطمح أحد أن يقوله أو يسمعه، أو ما لا يصلح أن يردده أحد غيره، هو في الحقيقة لم يقل شيئاً، لأن فعل القول هنا أحادي ناقص، على أن هذا الأمر لا يتنافى مع مسلّمة أن الشاعر الكبير يجب أن يكون مغايراً متفرداً، وتلك هي المعادلة الصعبة.
إن الاستمتاع الذاتي بالكتابة الحرة، كغاية أولى وأخيرة للشاعر، ووضاءة الاستشفاف النقي، وفردانية التعبير، وخصوبة وعمق التكثيف الشعري لحركة الحياة، والقدرة على بلورتها بذكاء في قطرات مضيئة مدهشة، أو ما يمكن تسميته عموماً بـ شعرية الشاعر، وآلياتها ، ليست أبداً عوازل حرارية ولا أبراجاً عاجية، تفصل روح الشاعر المتقدة عن أرواح أخرى أقل أو أكثر نشاطاً تدور في الفلك نفسه، لكنها كلها تشكل جوهر الشاعر الفذ المتّقد، وطاقته الكبرى التي تمكنه من الالتصاق الحميم أكثر بالأرواح التي هي ملتصقة به أصلاً، فيقول الشاعر بفعل هذه الطاقة المتوهجة ما يتمنى قارئه أن يقوله إذا توفرت له هذه الصلاحيات التعبيرية التفجيرية.
وتظل معجزة الشاعر الحقيقية مقترنة بأنه هو الذي تمكن بالفعل ـ دون سواه ـ من قول ما تمنى الكثيرون أن يقولوه، على هذا النحو الطازج المدهش، وأنهم قالوا مقولته، بعد أن قالها، ليعبروا بها عن أنفسهم، ويفهموا أعماقهم وأعماق العالم أكثر. وهذا الأمر لا يتنافى أيضاً مع كون القصيدة النثرية الحديثة نتاج معاناة فرد في الأساس، وتلك معادلة أخرى أكثر صعوبة.
انطلاقاً من هذا، وفي القرية الكونية التي نعيش فيها الآن، وفي فضاء النشر الإلكتروني، وفي ظل امتلاك أغلبية الشعراء ـ وأنا منهم ـ مواقع شخصية على شبكة الإنترنت، أطمح ـ كشاعر ـ إلى أن أكون صوت نفسي بالضرورة، وصوت صديقي القارئ، صديقي الإنسان، في كل مكان، خصوصاً أن هموم البشر الملحة صارت تتعلق أكثر بمصيرهم المشترك، بوجودهم ذاته، وليس بقضاياهم الإقليمية المتضائلة.
في ديواني الأخير الأعمال الكاملة لإنسان آلي أنا الشاعر وأنا القارئ معاً، أنا قارئ ذاتي وقارئ قارئي، والقارئ قارئ ذاته وقارئي، والنص الشعري نصف زهرة تكتمل بالآخرين، والرهان معقود على قدرة النص على اختصار مكابدات إنسان القرن الحادي والعشرين في القارات الست، في المجتمعات المستضعفة، وفي بؤر القوة المهيمنة في الآن ذاته، لأن الإنسان ـ في الجانبين ـ مهزوم، وغائب، وبلا روح، يبحث عن ظل شعري يتنفسه.
منذ ديوانك الأول بينهما يصدأ الوقت عام 1994، مروراً بديوانك الألوان ترتعد بشراهة عام 1999، وحتى تجربتك ورائعتك البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية 2008 ــ 2009 الجزء الأول من الأعمال الكاملة لإنسان آلي ..وأنت تلتذ.. وتمتع في هذا النزيف. قل لي ماذا تريد أن تقول؟
الذي أريد أن أقوله في الأساس هو أنني أقول
القول بحد ذاته معجزة، في عالم نفدت كل طاقاته، وعلى رأسها الطاقة الروحية. أن أنزف دماً وناراً ونوراً هو شعور بالغ اللذة، في هذا العالم المتبلد الأجوف. لقد زادت الأمور توحشّاً فيما يخص استلاب إنسانية الإنسان، ومحو إرادته الحرة، ومبادرته، وقدرته على اتخاذ القرار، كذلك ترسخ منطق الاستقطاب، وضرب الخصوصيات والهويات في مقتل، وإعلاء شأن الأرقام، والبرمجيات، وقيم التسليع والقوانين المسنونة، التي تحكم حركة البشر. الإنسان آلة مقهورة بالفعل، والقوة القاهرة أيضاً ماكينة عمياء.
أن أقول، بلساني وروحي وعقلي، وعلى طريقتي، هو إشعار بأنني حيّ ، وبأن في الإمكان أن تكون هناك حياة، وأحياء آخرون.
AZP09