الشيْصَبانيُّ..والناطقُ الرَّسمي باسمهِ ابْن قََرْقََرََة القََرْواتي
جمعة اللامي
1 ـ الشبيه
يعرفه كتّاب الرقع السلطانية، وأرباب القراطيس، ورواد التكايا، وقليل من الدهماء، لا سيما كثير من عمال البريد السلطاني، باسم مُحَيْمِيد بن عبيداللاّت المَهتُوك . اما في الاحاديث المتداولة بين صفوف القُرّاء الذين يطوون المسافات على ظهور مطاياهم او راجلين، من دسكرة الى اخرى، وهؤلاء يبجلون العقل والأشواق الروحية، فهو عبدالله روزبه ، وكنيته ابو محمد ، في اكثر الروايات ثقة ورصانة. وهذه بها إحالات مجوسية في يقين الأُصوليين. او فارسية ـ كسروية، في حسبان غير المتشددين من كتّاب عصره وعلمائه وادبائه. ومهما كانت آراء الناس حياله، فهو يعيد اليّ نمطاً من الشخصيات التي أوليتها انتباهاً وفحصاً ومتابعة، من ابرزهم مالك بن سيف بن عمير الذي اشتهر بلقب الوَضّاع .
في ميزاني ولكل كاتب نجوم ميزانه وثُريّاه انه كاتب عن سبق دراية وتصميم وتدبير، عًبَرَ مِن عَصْرٍ الى عَصْر ، بتخطيط وتنظيم ، بعد ان قلّبَ امره على خامس وتاسع وأحد عشر، في قضية لا تزال محل حوار مهموس، سنسُولها هذه الأسئلة وأجوبتها من انا؟ ما هي رسالتي؟ من هم جمهوري؟ وكيف أُوصل رسالتي البهم وإلى غيرهم؟ . حاول نفر من كتبة الرقع السلطانية، وأصحاب المنابر المُقَرطَسَة، اتخاذه إماماً والسير على دربه وهنا وقع ما كان يجب الاَّ يقع ، اشير الى اسم احدهم في هذه الخطبة، بكنيته ابن قَرقرة التي رافقته بعد اجتماع مغلق مع ثلة من انصاره في عرصة يقال لها باب اموت في مدينتنا، الذي سيقدر كثير من قراء هذه القصة معرفته ظهراً وبطناً وقلباَ بعد وقت وجيز، بينما عرفه اضرابه ومحازبوه، من فوق ومن تحت، اوظاهراً وباطناً، على وفق مقولات وتحبيرات كتبة الرقع السلطانية التلقينية. فبقي قسم منهم مجاوراً ومؤازراً له. وإنفضَّ اخرون عنه مثل القصّخون عبد الله ، ورَضيَ غيرهم ان يُبقي مسافة بينهم وبينه، وهم يشتغلون في منابره المكشوفة او تلك التي تتغطى بزرائب اخرى وسيأتي ذكرهم ولو في عجالة، ان شاء الله . لكنه عرف مناطق ضعف هؤلاء جميعا، والتي يلخصها بجملتين تترجمان مقولته الشهيرة اعطني زناً ومالاً…وَخُذْ مني ملَّةً كما تريد .
لم يكن ينتمي الى اي من العصرين نعم،ايّ عصرين. فالمقصود هنا هوالإيضاح والإفصاح، حتى يتبين لغير المتبحرين في علوم الرياسة ان هذا الشبيه، مثله مثل من يمسك برمانتين كبيرتين بثلاثة اصابع من احدى كفَّي يديه. وفي هذا مقتلة عظيمة، كما حدث للشيصباني ، بعد ان كان عنواناً لرجل من سلالة الأكاسرة، عُرفَ بأنه قتيل ابي جعفر المنصور.لأنه اتخذ هواه دينه، وجعل منهما عقيدته وديدنه ومصحفه.
كنت في بيتي الحجري بعد ان هطل عليَّ القصّخون مثل صور اسرافيل ، اعود مع كواغدي وكتبي الى مشهد تحريق قراطيسه وكشكولاته، عندما كان ابو مِجرِن الشيصباني يدخل الى إيشان اُم الهند، في عصر ذلك اليوم الذي وافق التاسع من شهر جريان مياه الأنهار من سنة 1099، المقابل ليوم السبت المَسبُوت. كان موكبه يلي موكب القومندان بَري ـ بِنْ ـ مَار شيخ قبيلة بني الأُحَيمِر، حاملاً صليبه الذي نقشت عليه كلمة الكاثليك اورينوس الثاني إجعلوا من اللصوص شهداء ورسلاً الى الله ، فإستحق هذا اليوم ان يُسجَّل على صحائف تاريخ اليشن بمداد ودموع من دم، لأنه كان عبوراَ من عصر الى عصر، ومن أمة الى امة، وإرتحالاً من مكان الى مكان، وهروباً من شِعبٍ الى شِعب، ورجوعاً من قُرْخٍ الى أقْرُخ، او الى قرْخان، كما يقول اللسانيون من اللغويين.
وسمة اللسانيين الإخباريين الكلام. ثم الخَطّ والتدوين في طور متأخر. ومن خيوط هذه الدَريَة، نسج ابومحمد على َنوْلِه وهي الفكرة التي كيَّفَ القَرْواتي نفسه لها، مستعيناً بروايات مالك بن سيف الوضاع ومروياته المحفوظة الى يومنا هذا لدي دائرة الاستعلامات الوطنية، تحت الرقم 001948، وبعنوان موسوعة مالك بن سيف بن عمير الوَضّاع الكوفي ، فنشر صحائفه في بلدات كثيرة واصقاع بعيدة، بعدما تهيأ له من يمده بالمال والبغايا والمخانيث، او انه حصل على هذه الوسيلة بمكره ودهائه وقلة صبر مجايليه وفساد سنخهم ، فاخذ يحدّ لسانه بمبرد بَصْرِيّ بَصيرٍ ليل نهار، لا سيما عندما كان يقطن في بُلَيْدَة يقال لها بَصرياثا التي هي من اعمال دستميسان، على وفق رسالة بعث بها امير الجيش المسلم، عتبة بن غزوان المازني، الى الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب فاستطاع ان يلفظ حرف الضَاد مثل جيرانه الكِنانيّين. بل انه كما تدل على ذلك آثاره ومدوناته، لا سيما الادب الصغير والأدب الكبير بَزَّ اولئك الجيران طُرّاً، حتى أدخلَ في روع الناس، حقيرهم وأميرهم، انه يكتب الكتاب كما يريد هو، فيستغلق معناه حتى على الفهّامة العلاّمة من كتبة الرقع السلطانية الهندية والبيزنطية والرومانية والساسانية والأموية والعباسية والأندلسية. وهذه هي سمة اللغويين من اصحاب مدرسة خطاب اللسان، لأن اللسان شغلته الكلام.
وورد اليّ في اخبار متواترة، ان ابن قَرْقَرَة وهذه حالة ملازمة له ـ القَرْقَرَة هي ضراط معدة الرجل، او الصوت الذي ينبعث من جلدة مثانة الأنسان، كما قال عبد السلام الأفريقي في معجمه الأشهر » وأنا اميل الى الرأي الثاني ـ تنشط عند حَرمَلَةِ اي مجلس يرتاده، كما اكتشف ذلك عبد الله القَصَّخون كتب مفتتحاً مقدمة احدى رسائله الى شيخ بني الأُحَيمِر على إيشان ام الهند، يا حضرة القومندان… إجعلْ لسانكَ مَتْجَركَ، وكلمتكَ تجارتكَ، والذهب رداءكَ . تلقف الجمهور من افراخه واشياعه، ومنهم الثلاثة الذين ترافقوا مع شَرهُون بن بْغَيْل، كلماته هذه وأذاعوها بين رواد الحانات ودكاكين العطارين ودروب باعة المفرد والجملة، فصارت مثلاً سائراً وبعضهم جعل منها رقعة وعلَّقها عند صدر مجلسه، بعد ان اختصرها بثلاث كلمات الغايةُ تُبررُ الوسيلةَ . ولكن قلة من العارفين والعُرفاء والقَوّالين قالوا ان ما قاله ابن قرقرة لا عبرة تُرتَجى منه، لأنه مُتنطِّع مُتعالِم. نعم، هو متعالم لأنه إختار نفسه ونسي موجده . وهذه آفته.
وآفة الشيصباني، إهراق دم النفس المحترمة فائدة اولى عن جابر بن زيد الجعفاني. قال سألَ سائلٌ النَجَّاري مَتى يَظهرُ السُّفيانيُّ يا شيخ؟ قال المحدث السند محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي أبو عبد الله النجَّاري وأنيّ لكم بالسَُفياني حتى يخرج الشيصباني فيقتل وفود البطائح الى المَزارَين المُرَبَّعَين، وبعدها ترقبوا ظهور قائمنا المنصور بالرعب المؤيد بالنقمة. وهذا يكون في اخر الزمان 1 ، وإستباحة خدور النساء، وإتخاذهن سبايا مملوكات لأبناء فرقته، توكيداً لمذهبه في التفوق على بقية البشر الذين هم في عقيدته اقوام ركبهم الكفران، وهيمنت عليهم الضلالة، وان قتلهم حلال لأبناء طبقته الناجية فائدة ثانية وفي هذا الشان له مقولة يحتفظ بها انصاره معشَّقة على الواح من زجاج، ويحفظونها عن ظهر قلب، ويورِّثها الكبار للولدان والغلمان. قال الشيصباني نَحنُ طينة الله التي عجنها بكفيّهِ الكريمتين. ومن فَضْلةِ ما بقي من تلك الطينة الشريفة، خُلقَ الملائكة والنبيون . وخطب ابن قرقرة في انصاره بعد ان دمّر القبتين الشهيرتين في بلدة سامراء ـ ذات المسجدين المتجاورين قرب دسكرة الزوراء نحن القَرقَريَون.. صورة الأمة ومعناها لأنّنا جُبلنا من طينة واحدة .
وهذه الفكرة، اي تفضيل مِلَّة على غيرها من العالمين، او تكفير ما سوى صاحب فكرة الفرقة المجتباة المرضيّ عنها حسب خطاب اهل التقليد ، هي آفة ابن قرقرة ابو قَروَة القَرواتي وأشياعه. لكنها ليست من ثقافتي، لأني اتخذت لروحي غرفة في سُرَّة فضاء العقل، وعاهدت نفسي على الرجوع الى ما هو مُدوَّن ومكتوب، بعد محاججة مع العقل والقلم، لأن اليقظةُ مَنطقُ العَقل والروح. والقلم خطيب القوة الصامتة وطبيب المنطق ، كما اعلنت ذلك عند ساحة المدينة عقب اعلان انشقاقي عن دين ابن قرقرة.
ولله الحمد في بلوائه ونعمائه، فلقد عرفت يقظتي بقلمي، وهربت بعقلي وروحي الى الشاطيء الشرقي من بلاد العُبَيْد ، يوم ترصَّدني الشيصباني بدسيسة من ابن قرقرة، فبثَّ عيونه من حولي، وأمر عصابة انتخبها من خاصّةِ خاصَةِ ملَّته، كانت مخصوصة بالعسِّ على خصوصيات الناس عليَّ به. سأُخرج لسانه من قفا رقبته .
لم يكن هذا الوعيد مزحة من طرف هذا الذي ترصد قوافل الحجيج والزائرين البكّائين السائرين راجلين من البطائح والأرض الحماد في ميسان ومن كل فجٍّ عميق، الى كورة كُوفان وارض الطَّف ومقبرة السادة القريشيين المشهورة اخبارها في رصافة دسكرة الزوراء وكرخها، واعمل في صغيرهم وكبيرهم القَرضُوبَ والفَشفاشَ، وجعل من المَخشُوب الذي يلعب لعب الضباع على رقاب ضحاياه، شارة دالة على رايته الشيصبانية، حتى لقد بلغ خوف الناس الحلقوم 2 .
كان الشيصباني يوصي ربعه بالتشدد في أذيَّة مخالفي عقيدته، اذا ما ظفروا بأحدهم لا سيما اذا كان متكلماً او كاتباً او نفّاجاً اوقاصاَ او مصوراً ، او اذا ما تمكنت سرية من زمرته، من الفوز والنُّجْحِ في غزوة من غزواته على القرى النائية او الدروب القصيّة في الصحاري والبوادي والأجمات. ولا تزال الناس تتذكر خطبته في عصابة من انصاره تمكنوا من اعتقال كاهن نصراني بتهمة اشاعة تناول نبيذ العنب مع كسرات خبز مخبوز من دقيق القمح في احتفال قوم عيسى بذكرى ميلاد المسيح كلمة الله بكنيسة سيدة الأحزان ، المعلومة للقاصي والداني في دسكرة الزوراء.
… اقول ايها القراء الكرام خطب الشيصباني من على منبر أُقيمَ له في حرم مسجد بُلَيْدَةِ تَيركْتَ وتعني بلغة هوميروس ذات الثدي الواحد ، كما اورد ياقوت في المعجم ، الله اكبر ولله الحمد. إذبحوا المنشق سليل ابن لأْم بن طيء، كما قتل اسلافنا الهداة المهديون، المرتد محمد بن القُضاعي التَّيمي، وهاتوا راسه عندي في ديوان الإمارة. الله اكبر وله الحاكمية في الحياة الدنيا والحياة الآخرة 3 . فردد الجَّمعُ بعده الله اكبر. الله اكبر.أُعْلُ مولانا الشيصباني. الله اكبر .
وهكذا ترونني سارداً على طربقة قُدامى اشياخ السرد المنطوق والمكتوب، جامعاً الشخص المُعَرَّف المعروف كما هو ابن روزبه ، بالآخر المجهول والمصنوع مثل الشيصباني الذي جاء من وراء نهر الأردن الى بطائح اليشن ووهادها وأجماتها وتلالها وبواديها، وتابعه ابن قَرْقَرَة الذي لا يستطيع مخاطبة الناس الا من وراء اقنعته المتعددة الاشكال والأصباغ، بعد ان استوطن قلعة عرفت باسم جده عبدالسّطيح ، ثم انصاعت الكلمات الى صناعتي وفني.، فصارت هي مثْلي، وغدوتُ مثلها، من دون انتظار اي عقبى، سوى نعمة الكلمة في ذاتها ولذاتها، حتى نسب اليَّ اقوام وملل وأمصار، القول المشهور اذا اتيتَ مجلسَ قومٍِ، فآرمهم بِسهمِ الكلمةِ. إنَّ الكلمةَ هي الفنُّ والأسلوبُ. والأسلوبُ هو الإنسانُ ـ الكاتبُ، الحاكمُ على المُلوكِ .
انا، يا اخوتي واخواتي، حامل القلم ومُرَوّضُ الكلمة ونَطاسيُّ العبارة.
وانا اسلوبي. الكلمات خَيْلي، واللغة إِبلي. اما مقاماتي ومقابساتي ومسروداتي فهن اناشيد الآلهة وترانيم النبيين، وسطوة الملوك والاباطرة ، وأحلام الشعراء والنسّاخين والمجانين والنفّاجين والمصورين. وهؤلاء جميعا اجمعهم في قولي أرى شُغلَةً هاجتْ وماجتْ وباضتْ وفرَّختْ ـ ولو تُركتْ.. طارت اليها فِراخُها .
اما شغلتي ومنها عملي القصصي هذا في احد جوانبه ، فهو شَرهون بن بْغَيل الأقرخ، تابع الشيصباني، وفَرخُ ابن قَرْقرة، الذي صنعته بكدّ كلماتي كما صنع الهمذاني شخصية ابي الفتح السكندري، والأمثال تُضربُ ولا تُقاسُ، كما يقول الميداني وأضرابه ، مثلما ستقراون في هذه المقامة التي اردت ان يكون هذا الايجاز بياناً وخطبة لها.
2 ـ شََرْهُون بِنْ بْغََيْل الأَقْرَخ
عبرتُ من ام الهند الى إيشان الفريخات . هناك رايت شرهوناً للمرة الأولى. استقبلني كما لو انني احد وجوه إيشان تَلْ سْفَيِّحْ، الذي يتوسط الإيشانين المعروفين للرائح والغادي. تفضل أستاذي، ارجوك اجلس هنا . ونادى على صبي المقهى القريب من الدربونة التي تنتهي بزقاق يقود الى محلة الذهب شاي حامض حلو، بسرعة .
تعود بنا كلمة ايشان الى عمق مشهد لا يزال يقبل علينا من ساعة تبعد عن يومنا الحاضرهذا، بأكثر من سبع الفيات من السنين. سوف اطلق اسم مدينة او بلدة ، على كل إيشان، تبعا لتطور اليشان عمرانياً وثقافياً. وبهذا التوصيف تكون مدينة تّلّ سْفَيِّحْ هي مستقبل ايشان تل سفيح. وكذا الأمر حيال إيشان أم الهند، الذي هو الآن في هذه القصة، مدينة عامرة معمورة وماهولة، تزدحم بالعلامات والامكنة الفارقة كغيرها من المدن الكبيرة، مثل المَنْزول، او الدربونة في تسمية اخرى وهو المبغى السلطاني الذي دشنته دسكرة الزوراء سنة 1848، على عهد القومندان المدفعي آرتين لازار، الذي عينه السلطان مراد الثاني حاكما على الدسكرة ، والجريدة التي اصدرتها دار البلدية في سنة 1838، والأوابد والنُصُب والآثار التاريخية الشاخصة والدارسة، فضلا عن الأسواق ودور القضاء ومخافر الشرطة وثكنات الجند والمقابر والأضرحة والمعابد والمقامات والدكاكين والعرصات والدروب وبيوت المال ومراكز البريد والعسس السرية منها والعلنية، والسجون والطوامير، وغيرها.. وهلمجرا، وهكذا دواليك.
سيكون شَرْهُون الأقرخ احدى العلامات الفارقة في مدينتنا.
اما الشيصباني فهو ذروة من ذرا العلامات الفارقة في تلك المدينة الغابرة التي كانت تقع شمالي مدينة ام الهند، بحوالي 125 فرسخاً، وسمّاها ياقوت الحموي في معجم البلدان ذات الثدي الواحد 3 . ساُبقي على تسمية ياقوت مقرونة برواية العجوز المروانية، ريثما أتيقن انني عثرت على اسمها الصحيح بين خرائطي التي احتفظ بها حتى يوم ظهور الرجل الذي سيقتل الشيصباني. وأحسب ان اشارتي الأخيرة هذه سوف تثير اسئلة حول صَنْعَة الكاتب وفنه. نعم، اي كاتب، ومَناجِمهِ التي يرجع اليها في صناعته وفنه.
انا اسمّي كل منجم من تلك المناجم كوكباً. وهل تستوي انجم الميزان والثريا مع نُجَيمٍ ميت اوخامد؟. إذن، لكل كاتب ـ كاتب ، على وفق راي الشيخ ابي محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الكوفي المروزي الدينوري كوكبه الدُرِّي.
امّا كوكبي الدُرِّي انا ـ ابن لأْم بن طيء، كما تنادي عليّ انيسة الحلبية… التي اسميها شيخة الصقلبيات المتقاعدات في محلة الذهب الشهيرة، والمقتفي طريق ابي الفضل احمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد، بديع الزمان الهمذاني التغلبي، وسِكّة أبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري الجاحظ، ودرب ابي حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي البغدادي، في الكتاب والكتابة فهو كائن من نور يستمد سِرَّهُ من شجرة مباركة زيتونة جذورها في اسفل اسفل اسفل الأرضين، وأعلى ذؤابات اغصانها تتسلق جدران سقف غرفة مباركة حتى ما هو فوق عليين. وهكذا اتيح لي ان ارى مصرع الشيصباني على يد الرجل القريشي الذي سميته مُحَمَّداً المَهْدِي في كتابي الموسوم اليشن .
وليس في هذا اي كهانة او تنجيم، لأن معرفة كيفية صناعة المستقبل من صميم عمل الكاتب. هذا يعني الذهاب الى اشراط الساعة. ورسالتي اليكم ايها القراء النابهون معرفة موطيء قدمي الشيصباني في تلك الحقب المقبلة.
وكما قراتم، عنوان هذا الفصل هو شرهون بن بغيل الاقرخ . وهنا يدعوني كوكبي الدري للعودة الى مدينة ام الهند، لمعرفة هذا الرجل الذي مزج في شخصيته، صمت العيلاميين، وصفات الخِصيان العباسيين، وباطنية العبرانيين.
3 ـ القِردُ يُدَرِّبُ القََرَّاد
تعرف ام الهند، ابنها شرهونا ، معرفة اهلها طلوع الشمس في رابعة النهار، قبل ان يغادرها الى ما وراء الشاطيء الآخر ليدرس صناعة علوم ترميم العظام البشرية بعد حكايته مع ديدبان سجن رَحاب، المدعو راكان بن تلفاهين ، الذي كان جلادا بدرجة نَيّاك في ذلك السجن. جاء في موسوعة العذاب والمعذِّبين والمعذَّبين تعشَّق السَّجان راكان شرهوناً اياماَ وشهوراً، وتحبب اليه بعدد من الأشعار والهدايا من بينها انه كان يلج بين شفتيه وردة حمراء بساقها الأخضر في اول ليلة كل يوم خميس . وكان يمضي ساعات من حراسته على زنزانة شرهون متفرساً في جسده الناعم الأملس غير المشعر، وهو ينادي بصوته الرخيم نُومَةِ العَروس.. يا شرهون . وكان شرهون يعرف مرام ابن تلفاهين وهيامه به، ويدرك انه ضعيف امامه، لا سيما اذا ما نفذ راكان وعيده وقام بمواقعته عنوة، فاختار ان يستجيب لإلحاف السجان وكان قد تذكّر نصيحة سابقة من استاذه ابن قرقرة ، فدخل ابن تلفاهين الى زنزانته في ليلة الخميس من شهر برد العجوز، وبات ليلته هناك. وفي صبيحة اليوم التالي، سمع السجناء صوت راكان مؤذناً. وكان المسجونون يعرفون ان راكاناً عندما يؤذن بين جدران زنازين رحاب فجراً، يكون قد واقع سجيناً منذ ما بعد منتصف الليلة السابقة حتى صياح الديك في اليوم التالي، عنوة او برضاه. وانتشر في زنزانات السجن نبأ التوالف الجديد بين شرهون وراكان بن تلفاهين، وخرجت انباؤه الى ابعد من الأسوار الثلاثة لقلعة رحاب، حتى وصلت الى سمع ابن قرقرة القرواتي الذي هرب بجلده الى بلد بعيد، بعد ان تعرض الى موقف مشابه في سجن بلدة ديالى. هذا رديف جديد، هو يعلم اني الوحيد القادر على اعادة اعتباره اليه. هكذا انهى ابن قرقرة حواره الطويل مع نفسه في شأن اعادة تصنيع مريد مفضل. وهكذا تخيرها القرواتي فرصة مناسبة للظهور بمظهر المدافع عن المظلومين والمنتهك عفافهم في سجون اليشن وطاموراتها، وفي الآن ذاته ليكسر عَينَ تلميذه المرتقب، فقال لشرهون يا رفيقي العزيز قلْ ان راكان ناكني عنوة وإغتصاباً… ترتاح وتربحني وتكسب عطف الناس. وانا لكَ ضَمين . فقبل شرهون بنصيحة معلمه بعد تردد، وتعاون مع ثلاثة من اتباع ابن قرقرة احدهم شاعر مناسبات، تحول الى ما يُعرف في ايامنا تلك بشاعر قصيدة اللاشعر، سمّاه عبد القصخون فَوزان الكُوزَلي . والثاني ناسخ ينعته العامة بنعت إنْمَيَّر الفِطير، لأنه يردد عبارة الدنيا مثل الشِّجَر، فيها الأحمر القرمزي، وفيها الفِطِير الشِّجَر ، بينما هو مسجل في دفاتر دائرة الأحوال المدنية بإسم نُمَير الفَطايري، بجوار الرقم 0002. والثالث متطوع سابق في احدى كتائب الحرس الأهلي التابع لجند القومندان. تاب على يديّ ، حسب رواية القرواتي. فصار لا يجيد سوى حمل حقيبة من جلد شاة يستخدمها ابن قرقرة في جولاته على نُزلِ رفيقاته ورفاقه، يناديه العامة والخاصة ب غَسّال الخِرَق على تحرير خط طويل عريض يشرحون فيه اساليب النيك الإجباري، وصنوف الرَّهْز المتدارك والنطّاحي والميداني والعضايدي، والمواقعة الفارسية ومثيلتها الأفرنجية التي تعلمنها ساكنات محلة الذهب من جند القومندان، تحت سطوة التهديد بتجليس الرجل على فوهة قرعة من زجاج، او فوق راس رمح مُرَوْشَن. فتلقف ابن قرقرة الخط، وطاف به على دكاكين النساخين فيما وراء ديار بني الاحيمر وبني الأصيفر، ثم عاد به الى امصار المنذرة والغساسنة وشط النيل والسودان وخراسان والهند والصقالبة وأهل شط الدون، فحقق من ذلك ربحاً وفيراً، وسمعة لا قبل له بها قبل ذلك اليوم . هو فتى مليح الوجه يتبه بشاعر إفرنجي يدعى رامبو لم يتجاوز السابعة عشرة. خطاط رُقٍَع واعد، يكسب قوت يومه من جلوسه مع شروق شمس الصباح حتى حلول ما بعد الزوال بساعة في ساحة المدينة. مطيع لوالده الحمّال ذي الاسم المثير للسخرية في السوق المسقوف الشهير الذي ينتهي عند سنسول بلدتنا.
انا اشهد على هذا كله، وأعرف الكثيرغيره ممن لا يجهله الكثير من خلق المدينة، لا سيما في تلك السنوات التي غاب عنها في تلك السفرة، حيث اشتغل حوذيا ليسد نفقات قوت يومه ومتطلبات سكنه في حجرة صغيرة بين حجرتين في ذلك السكن الآيل الى السقوط، بمحلة الذهب،الذي يجاور بيتا للنفاجين والمدمنين على اللواط وثمة أقاويل عن علاقات سرية اقامها شرهون مع رفاقه هناك، وإنه كان يتعرض الى نوبات صرع يردد معها اسم ابن تلفاهين وأنّات مكتومة، بينما كان يمارس جَلدَ عُمَيرَة في تلك الحالة التي لا يمكن فيها لأي من رفاقه ان يرى وجهه من دون ان يصاب بالفزع والسحق، والشطار والشِّيميل من الرجال وعدد من ذوي العاهات التى لا شفاء منها، عندما كان يدرس صناعة علوم ترميم العظام البشرية. وقد انغمر في احلام وخيالات زينت له مستقبلاً لطالما تمناه في ان يكون كاتب مقامات، او ملقي مقابسات، اومجترح اشعار. وهكذا ترك درس علوم ترميم العظام البشرية، واشترى بغلته البيضاء المعمّمة وسمّاها بطوشة، لأنه تخيل انها تشبه ثمرة شمّام ، بعد ان ايقن انه سيكون محظوظاً حين يقوم بنقل شباب سكارى، وبغايا آخر الليل، وقومندانات جاءت بهم طوائفهم مع صفوة السماسرة والقوادات الى دست الحكم والإمارة، كما كان يفعل المسكين المسقوبي ايونا بوتايوف الذي تعرفت عليه في بواكير صداقتي للقلم، ثم اخترعت اندادا له في قصصي كلها .
في تلك البلدة، عند بوابة الملهى، حدث ان التقى ناسخ الرقع الواعد وكان مغتبطاً عندما عرف ان اسم ذلك الرجل يشبه اسم ابيه، بل انهما يتشابهان في تقاطيع وجهيهما بعابر سبيل يطلب منه ان يوصله الى حانة الاندلس. 5 .
في اليوم التالي، خاطب الرجل الحوذي اسمع يا شرهون، يا وليدي، لا يخدعنّك شكلي، ولا تلتفت الى كلام الناس، ولا تستمع الى هُمزاتهم ولُمزاتهم وهمساتهم، الكبير منهم والصغير. عليك بنفسك فقط. ضع كلامي هذا مثل قرطين في شحمتي اذنيك. وعندما عاد شرهون الى مدينته الاولى مع حاملات الزاد في جيش قومندان بني الأُحيمر، حيث عمل مُعرّفاً للأنساب والسلالات ومترجماً من لغة الفرنجة الى لغة اناس البربرة اهل الدندرة، كان يتقرّط بقرط ذهبي صغير يتدلى من شحمة اذنه اليمنى، وسط سخرية الناس الذين لم يتعودوا رؤية رجل من الشِّيميل .
نَهَرَ شرهون بطوشة البيضاء التي جعل لها عِمَّةً على هيئة قناع … وكان الحوذي قد فكر مليّا قبل ان يستخدم هذه البغلة لتجر عربته، هم يستخدمون الأحصنة والحمير والجمال في هذا الكار.عليَّ ان أُشَغّلَ حيواناً آخر . وهكذا اشترى تلك المطيَّة العاقر ، كأنه ينادي على نفسه، بَطّوشَة، الى جادة جَدّنا ـ نُواف .
لا ببعد هذا الشارع إلاّ ثلاثة فراسخ عن حانة الأندلس ، كما ان دارة للمنسوخات الحريرية على طريقة اهل بلاد ياجوج ومأجوج، في محلة الذهب، يملكها ابن قرقرة تطل عليها من طَبَقِها الثالث، وهو ما جعل الحوذي اكثر رقة مع مطيته بَتُّّوشَة، على هُونِكْ . عَفَطَ دُبُرُ البغلة، فأطلق الرجل تلك الضحكة الطويلة التي عرفه بها اهالي المدينة، بينما كان يقول في سره وجدتها، وجدتها، يا شرهون .
فوجيء الحوذي الشاب بما سمع، لكن فزعاً ضخماً استولى على كيانه عندما شاهد شبح كلب جسيم يستعد للإنقضاض على عنق الرجل. ترك مقعده وقفز فاراً من عربته. لحق به الرجل وأمسك بكتفه اليمنى، محاولا ان يزيل فزعه انا مثلك، رغم ان وجهي يشبه وجه قرد .
كان وجه الكلب مرعباً .
لا تكترث .
وكنت بوجه آخر ايضا، وجه يشبه وجهي تماما، وبشاربين ايضا؟ سأله شرهون.
نعم، هذا صحيح. هذا كله لزوم الشغل .
تمالك شرهون نفسه قليلا قليلا، وفكّر هذا نفّاج بارع ، وهو ما افضى به القراد الى الحوذي بعد حين نزعت قناعي، لأُريك وجهي الحقيقي .
ماذا؟ .
بلى، وانا وجه والدك ايضا .
بالله عليك؟ .
نعم، يا وليدي، انا اقنعة .
الكلب. ذاك الكلب الضخم. انه مخيف . رفع الرجل عينيه نحو شرهون، ثم عاد الى حديثه الذي لا يمل من تكراره. انا اقنعة يا شرهون . انصت الحوذي بإهتمام الى ما يقوله الرجل الشائخ عليَّ ان اخبركم الآن، ان بغل الباني، جاوز السبعين في هذا الوقت الذي اروي فيه حكايته بين ايديكم ، ثم قال، ايها السيد المبجل بغل، انا مدين لك بالكثير على هذه النصيحة الثمينة .
كان الشاب شرهون بن بغيل الباني وهذا اسمه الكامل، كما تمّ تسجيله مع تاريخ مولده في دفاتر دائرة الأحوال المدنية، بعد فعلة ابيه المعروفة في حضرة قاضي مدينتنا ، قد درس عددا من مسرحيات الكاتب انطون بافلوفيتش، وإنكب على دراسة المنسوخ من قصصه. وكان يتمنى ان يقوم بمهمة الحوذي المسكين ايونا بوثايوف في قصة شقاء الشهيرة التي لا بد ان يعرف معانيها القراء الفطنون. عليك، اولا وقبل اي شيء، ان تربّي شاربيك قال بغيل، ثم اوصاه بزيت من شجرة تنبت في بلاد عيلام لمزيد من الزينة هذا الدهن يجعلك اكثر جمالاً ومهابة
انتبه شرهون الى وجهه في مرآة المرحاض السلطاني، المجاور لحانة الأندلس، عندما حلّ عصر يوم آخر، وتحسّس باصابع كفه اليمنى، خديه وشفته العليا. ثم تفرس في انفه ذي الأرنبة المتعرقة، وتوقّف عند فمه المتورِّم مثل مهبل كلبة في ذروة هيجانها الجنسي. نعم، هذا وجه جديد قال لنفسه.
تماما . أكّد القناع في عمق المرآة، بينما تناهى الى سمعه صوت كلب يطوي البراري راكضاً مثل اسد عجوز مسلول.
توجه شرهون نحو بغيل، يا والدي، هذه اقدر عليها امام الناس. ولكن ماذا سيقول شرهون لشرهون عندما اكون على سريري؟ . ولما لم يجد جواباً سريعاً من والده، عاد يسأله كيف اشرح شكلي الجديد، وماذا اقول لعبد الله القصَّخون؟ . 6
خذني الى الحانة . ضحك فم بغيل.
بعد ان غاب الرجل خلف بوابة حانة الاندلس برهة قصيرة، التفت شرهون الى اليمين قليلاً، فشاهد شاباً في حوالي الثلاثين من عمره غالبا ما كان يواجهه في عمق مرأة المرحاض السلطاني يقود قرداً شائخاً ويتجهان نحوه. صعد الشاب الى الحوض الخلفي لبطوشة، وجلس بخفة كأنه خبر العربة كثيراً. الى ملهى الأفراح . أمره الحوذي
اخذته المفاجأة، ولم يرد ان يصدق ما ترى عيناه. لكنه تيقن تماما ان هذا القرّاد هو والده بلحمه ودمه. ابدلت ملابسي في الحانة، وإصطحبت صديقي القديم الحميم واشار الى القرد الأشقر الشائخ قال الرجل، ثم خاطب الحوذي، شرهون. تعال .
نطّ القرد، وجلس في حضن القراد، واضعاً ساقه اليسرى فوق اختها اليمنى، واطلق ضحكته الطويلة التي تشبه نعيق حدأة.انه يعرفك تمام المعرفة قال الرجل.
/4/2012 Issue 4171 – Date 11 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4171 التاريخ 11»4»2012
AZP09























