مداخلة تعبيرية في الفن

مداخلة تعبيرية في الفن
التراكم الكيفي في الإبداع يجعله خالداً
علي محمد اليوسف ــ العراق
العلم او الايديولوجيا هي معارف تراكمية تمتد عموديا مثل طوابق العمارة والبناء، وكل من العلم او الايديولوجيا بحكم التراكم العمودي يبدآن الاضافة من حيث انتهى سابقوهم الاخرون، وهذه مسألة شرحتها في كتابي الحداثة اشكالية التوصيل والتلقي.
اما الادب والشعر والفنون على اختلافها فمسارها الفني التجديدي افقيا، أي امتدادا طولياً في الزمان والمكان، والفن الحديث والمعاصر يرتبطان بعصور الفن القديمة ارتباطا تاريخيا دون مقدرة واستطاعة مرحلة ما، او مدرسة، او تيار، ازاحة الاخر وطمس تاريخيته والغاء بصمته الانسانية الحضارية الجمالية من عصره. والتماهي مع عظمة فنون ما قبل التاريخ في معيارية يجدها الفن المعاصر اليوم الطريق الوحيد المتبقي امامه نحو التجديد في العودة الى البدائية في الفن، وكأنما اصبح تطور الفنون اليوم محكوما بدائرة مغلقة من الدوران الذي يعيد نفسه بل يكرر نفسه، فالسريالية والتكعيبية والتجريدية خير دليل على هذا التوجه والمنحى في مسعى العودة الى البدائية في الفن، بوسائل التجريد الفنتازي والعبثي واللامعقول والتجريد الفوضوي على خلاف تجريد الرياضيات المنظم. بعد استنفاد محاولات التجريب الفني وعجزه عن تقديم اضافات تدفع الفنون المعاصرة الى امام خارج مسار السعي نحو العودة الى البدائية في الفن.
التراكم الكمي العمودي في العلوم قاطبة، وفي الايديولوجيا ايضا يلغي او يتجاوز ما قبله، في حين يحافظ التراكم الكيفي النوعي في الادب والفنون، على انه متجدد دوما ولا يلغي ما سبقه. فمثلا الانطباعية في الرسم، والواقعية، والرومانسية، وغيرها من المدارس الفنية، لم تلغ احداها الاخرى، ولا المدارس الفنية الحديثة والمعاصرة استطاعت الغاء تلك المدارس والتيارات التي سبقتها، فروائع الفن تبقى خالدة في تراكمها النوعي ، وليس في تراكمها الكمي.
الايديولوجيا والعلم
التراكم النوعي للادب والفنون يقوم على ثلاث مرتكزات، الاول ان التراكم النوعي للفن يبقى محتفظا بـ فردانية المبدع. أي الذاتية الانا ويلعب الانفعال والالهام دورا مزدوجا في المنجز الابداعي في توكيد ذاتية المبدع من جهة، واتمام المنجز الفني من جهة ثانية، والثاني استقلالية المنجز الابداعي كموضوع، الثالث تمرده على الالغاء او المجاوزة لما قبله، وقدرته البقاء المتطاول زمنياً لما يأتي من تطور فني بعده.
ولو نظرنا الى نظرية كروتشه في الفن لوجدنا انها تقوم اولا في الذات على اعتبار ان النشاط الفني هو حدسي تعبيري مستقل تماما عن شتى الاعتبارات العلمية والاخلاقية والدينية والاجتماعية والتاريخية، وحينما يقرر كروتشه ان الفن للفن، فانه لا يعني سوى استقلالية الفن عن كل ما هو واقعي او عملي. 1 نرى ايضا بأن الايديولوجيا تختلف جوهريا عن العلم، فالحقائق العلمية نسبية القياس وتجريبية، وقوانين العلوم قابلة للنقض كفرضيات وفروض، ونجد الايديولوجيا كأفكار معتقدية وضعية شمولية، يحكمها التطبيق المجتمعي، والنسبية اليقينية في دوام صوابها واستمرار صحتها. ونقض وتجاوز نسبية الايديولجيا اكثر يسرا وسهولة في نقضها بالقياس لصعوبة تجاوز نسبية القوانين العلمية، وتجريبيتها لانها ميدان علم تطبيق مختبري. اما في حالة نسبية الفنون والابداع فتكاد تكون معدومة قياسا الى نسبية القوانين العلمية، وعقائد الايديولوجيا، فالفنون غير محكومة بالنسبية الا في القليل جدا، من تراكمها الكيفي، في اندثار غير الاصيل والخالد. التجريب يحكم الفنون بعمق شمولي وزمني لا يعرف التوقف ولا الحدود المرسومة، وكذا الحال في التجريب العلمي والتطبيق الايديولوجي لكن باختلاف بين العلم والفن، ومن افادة الادب والفنون من سرعة التجريب الجمالي والتجديد المستمر نجد طفرات الابداع النوعية في الفن، اسرع واكثر غرابة وادهاش من طفرات العلم والايديولجيا التي يحققها التجريب العلمي بنقض ما سبق او مجاوزته بالاكثر صوابا. العلم لا يسعى وراء تحقيق جماليات ، باعتماده العواطف والتذوق والاحاسيس كما يعتمدها الابداع الفني ويسعى لتحقيقه في اعتماد تلك الوجدانات والحدوس والرموز.
ربما يجد احدهم ان فرع العلم، الطب الجراحي التجميلي هو اعادة خلق ابداعي من الجمال الحسي بوسائل طبية ربما يفوق ما تحققه تحفة نحت جميلة مثلا، تعطي انطباعات انسانية وراحة نفسية وجدانية اعمق اثرا، بما تستطيع تحقيقه تحفة نحتية تشكيلية . هنا تكمن مفارقة معيارية، فالجمال المتحقق بمشرط الطبيب الجراح، يطغى فيه الموضوع على الذات، الموضوع هو جسد الانسان او جزءا منه يطغى على فردانية الطبيب الذي يعتمد المهنية الطبية الصرفة، تختلف عنها جمالية اللوحة الفنية او المنجز الابداعي التي هي الموضوع، ويأتي بالمرتبة الثانية في اهمية تغليب توكيد الذات او أنا المبدع الفنان باكثر من اهمية الموضوع، والجمال هنا الذي يأتي في المرتبة الثانية، بالقياس الى أنا المبدع التي هي اولا وقبل كل شيء اخر الاهم في انجاز لوحة او قصيدة شعرية، فالفنان يمتلك ذاتية جمالية لا تعتمد المهنية كما في الجراحة، الطبية، وانما تعتمد ادوات غير متاحة سوى لفنان، مثل المخيال، الحدس، الادراك، الانفعال، التأمل، العاطفة، التذوق، الرمز….الخ. التجميل الذي يحققه الطب الجراحي هو اشتغال على متعين محدود، هو جسم الانسان او جزءا منه، تقتصر على تشريح وفسلجة اعضاء الجسم، والمنجز هنا يكون محاكاة الواقع وليس محاكاة المثال، أي الكمال المطلق في حين ان الاداب والفنون هي تجاوز للواقع في نشدان تحقيق محاكاة المثال، الذي هو افتراض تخييلي وهمي لايمكن بلوغه، يقوم على متخيلات ومتجليات مأمولة لواقع افتراضي يستعبده الخيال المبدع الخلاق اكثر من مشرط الجراح المهني، عمل الطبيب ليس فناً، بل ابداع من نوع جمالي يختص بالانسان كفرد ووجود، يناقضه عمل الفنان جماليا، فهو يحيط بالانسان كمجموع في تداخله مع الطبيعة والنفس والحدوس والخيال، وما وراء الطبيعة.
إبداعات كيفية
ثم ان التجميل الطبي هو مهارة علمية كموضوع للطبيب من الممكن الانتفاع بها والافادة المباشرة منها وتكرارها لمن يرغب بها. في حين يكون الجمال الابداعي الفني والادبي وان كان ذاتيا موضوعيا، لكن لايمكن تعميمه براجماتيا فقد يقبله بعض الناس ويرفضه اخرين، وهذا يؤكد اكثر من ميزة واحدة تحسب للفن كونه ذاتيا، ويبقى موضوعه ثانويا، كذلك تنعدم فيه اليقينية المطلقة، وهو حدس يحكمه المخيال في جوهره وماهيته. ثم ان الفن والادب غير قابل للتجريد كما في علوم الرياضيات، فالتجريد الفني هو نوع من الرمزية الايحائية الجمالية التي لايحكمها قانون ولا تضبطها معادلة رياضية او فيزياوية او كيمياوية، بالعكس من ذلك يكون التجريد في الرياضيات هو علاقات منظمة عقليا بين اعداد ومعادلات خاصة تفتقد المرموزية الحيوية الجمالية كما في الفن، ويحكمها بالزام قسري القانون الرياضي او الفيزيائي او الكيميائي. ومقبولية الفن ومتعينه الجمالي هو في التجسيد، والتجريدية في الفن كما في السيريالية والتكعيبية مثلا، هي تجسيد نوعي لمفردات وعناصر التجسيم في اللوحة وهو غير التجريد في علوم الرياضيات واللغة. وكما ذكرنا سابقا الفنون هي ابداعات كيفية نوعية ، يحكمها النوع الجمالي والذوقي، وليس التنوع البيولوجي في الاحياء والمخلوقات، ويبقى الابداع الفني فرديا ذاتيا، بينما يبقى العلم والايديولوجيا ملكا مشاعيا للجميع، بمعنى تحقيق المنفعة حسب القول المأثور العلم نحن والفن أنا .
كما يطلق المذهب الطبيعي في الفن ، تأسيسا على الواقعية مدرسة ما يسمى الوضعيين التي تزعمها فلوبير، اميل زولا، موباسان، فقد كان المذهب الطبيعي بالنسبة الى هؤلاء عبارة عن المنهج العلمي مطبقا على الفنون حيث يعتقد اميل زولا ان مهمة الفنان هي ان يسجل ما يقع في الطبيعة ويفسره لكي يكون الفن نسخة طبق الاصل عن الطبيعة 2 . منطلقين من ان الطبيعة هي الكمال والمثال الاسمى، ولايجوز للفنان تخريب هذا الاتساق المتوازن الرائع في الطبيعة، وتعتبر هذه المدرسة في الوقت الحاضر بطروحاتها مناقضة تماما للفن المعاصر التجريدي الذي هو خروج على الانساق في الطبيعة وفي غيرها، مؤكدين تفكيك هذه الانساق برؤى فنية وحدوسات ومرموزات غريبة هو ما يسعى الفن تحقيقه، وليس امامهم كثير اهتمام بالأنساق الجمالية في الطبيعة، فقد يكون القبيح المنفر هو المطلوب، ولا تسجيل او محاكاة واقعية ما يحدث في الطبيعة، فأصبحت روائع الاعمال الخالدة لمايكل انجلو او ليوناردو دافنشي وغيرهما اعمالا متحفية وجزءا من تاريخ البلاطات الملكية، وعظمة الكاتدرائيات وجزء حيوي خالد من لاهوت الديانة المسيحية ايضا.
يقول وايتهيد ان مجرد خلود الشعراء لهو الدليل المادي القاطع على انهم يعبرون حدسا انسانياً عميقاً، استطاعة الانسانية بمقتضاه ان تنفذ الى ما في الواقعية الفردية من طابع كلي شمولي لذلك لم يتردد وايتهيد من الاستفادة من خبرات شعراء مثل شيلي، وردزورث لتكملة الخبرة العلمية، ولم يتردد هيدجر في ان يشغل نفسه بدراسة شعر هولدرين من اجل الكشف على دلالاته الميتافيزيقية، ولم يكتم ميرلوبونتي تأثره بسيسزان، وعالج البير كامو بعض شخصيات ديسكوفيسكي وكافكا وغيره، كشخصيات ذات تأملات فلسفية. 3

الهوامش
1 قيس هادي احمد، دراسات فلسفية عدد 20، 2007، نقلا عن د. زكريا ابراهيم دراسات في الفلسفة المعاصرة، ج1، ص137.
2 د. قيس هادي احمد، فلسفة الجمال بين الحقيقة والخيال، دراسات فلسفية، ع20، 2007، ص45.
3 دكتور حسام الالوسي، مجلة دراسات فلسفية، ع20»2007، نقلا عن زكريا ابراهيم مشكلة الفلسفة ، القاهرة، 1971، ص162.

/8/2013 Issue 4483 – Date 15 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4483 التاريخ 15»8»2013
AZP09