من وحي واقعنا الحسين أعظم البحار

من وحي واقعنا الحسين أعظم البحار
مازال الحسين -ع- يركب سفينة دوي قررت بإذن الله تعالى أن تجوب بحار الدهور جميعها، وهديرا تطاول مداه فبلغ أعظم البحار، فأحاله إلى صمت، لايمكنه أن يهدر بغير معنى الحسين -ع-، هذا الهدير.. هذا الدوي يتصاعد ويتجدد يوما بعد يوم، فتعجب لوجود أكثر من سر يعمل على تصاعد هذه البراكين المشتعلة ، وهذه الزلازل المطيحة، بأقوى التحديات، ورغم مرور مايقارب 1370 عاما، على حادثه المفجع الشنيع، إلا انك تجد أن القلوب على اختلاف مشاربها وعواطفها، وميولها، قد اجتمعت على حبه، وعلى دمعة الندم التي تتحسر على عدم سماع صوته المدوي ونصرته في يومه الذي لايوم كيومه!، اجل اجتمعت هذه وتلك القلوب على حبه شعوريا، ولا شعوريا، وقد ذابت بحبه كل الفوارق، والانتماءات، والمصاديق والإدعاءات، مما يدلل على أن وحيه لايزال يلهب المشاعر، ويغمر الوجدان، ويهز الضمير، ويفوق العصامية المألوفة بعصامية لم تألفها الطبيعة البشرية، وأن هنالك أكثر من عجب وعجب في هذه القضية!، فالشاعرية في مدحها وفخرها ورثائها وتحمسها، وحكمتها وفلسفتها، لم تقدم ملحمة البداية التي لانهاية لها كما قدمت للحسين(ع) من قصائد، لاتزال تمثل الغرر من هذا الإرث الشاعري العظيم، حتى لكأني أجد أن الشعر يقترح انه أصبح بحاجة إلى إعادة التصحيح في قضية الأفضلية الشاعرية والشعرية، كي يكون الشعر الحسيني هو المحك الحاسم في قضية التحكيم الجمالي بين كل المنافسات الشعرية، قديما وحديثا.. اجل لم تتفجر الشاعرية من قبل كما تفجرت بهذا (العنوان الثائر) الذي صار يتعاطى مع السماء، فيترك في أهل الأرض هذه الصيحة التي استيقظ لقوتها أهل الشرق والغرب، على حد سواء، فهذا خط شعري حسيني أوله سنة 61هـ، ونهايته هي اللانهاية، وأوله سيف يقطر دما، وآخره مجد يتبارى الحساد والمغتبطون في النيل من جبروت روعته المدوية في الضمائر!، ولعل من أسرار هذا التعاطف الإنساني مع الحسين -ع- هو انه عرف الحق ونصر الحق، فنصره الحق، ولو حتى بعد حين، وكذلك من الأسرار انه جسد مبادئ لم يجسدها أحد من قبل، فهو أوجع مظلوم اكتسح خصومه، فاقتلع جذورهم، واقتلع تربتهم فلا ينفعهم بعد ذلك شي ء، فلا خصوبة تنبت الطغيان في أرض الأحرار بعد الحسين-ع-، اجل هو فعل أكثر مما يفعله من طبق قوله (ص) : ” إن من أعظم الجهاد، كلمة حقٍ عند سلطان جائر”، فلذلك أسلمته مصداقيته إلى مظلوميته الشنيعة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا، وقبل ذلك فإن عصاميته المتفردة جسدت فيه روحا ثائرة ترفض ذل العباد للعباد ؛ ولذلك أطلق كلمته المدوية، شعار الأحرار على مر الزمان ” هيهات منا الذلة”، وهنا استطيع أن اقتدح معنى مميزا من حاضر بديهيتي، هو أن الحسين-ع-، دفع الحيف حتى عن الذلة ذاتها،فصارت الذلة بعد الحسين (ع) تستفز العباد، لو ذلهم العباد، وسكتوا، بدون إبداء التحدي والرفض، والكبرياء الذي يكبرهم في عين الخالق والمخلوق!، هكذا هو الحسين (ع) فتح من نحره الشريف مشروع العظمة الإبائية، والقى بالطواغيت واحدا من بعد الآخر، حتى كأني بالله تعالى كان قد عصف بالطاغوت الفرعوني، بإباء حسيني متفرد، والحسين ذلكم، يجسد مفهوم هوية الأحرار، بغض النظر عن انتماءاتهم الضيقة، فمن كان حرا لابد أن يحب الحسين (ع) حبا خالصا!، لوجه الله تعالى.. ولا بد أن ينتمي إليه بدون شرط القبول أو الرفض، إن هذه القرون التي مرت على رحيله الشريف مازالت تقرع في الضمائر جرس الأحرار والمظلومين، وتظهر مدى هذه العواطف الجياشة معه، لقد رحل كثير من العظماء والمخلدين والمخذولين، لكنهم لم يتركوا دويا كالدوي الذي تركه الحسين-ع-، وهنا لابد للباحثين من أن يتعمقوا في أبعاد هذه القضية، وسيجدوا أن في ماخفي منها ما هو أمر وأدهى، وأعجب وأغرب !
وأول هذه الأسباب وآخرها أن مشيئة الله تعالى لها القرار الفاصل، وإن من ذهب شهيدا في حب الله تعالى، أعطاه الله تعالى علو المنزلتين الدنيوية والأخروية، فها هو الحسين يعيش معنا بمعناه الكبير النبيل، وذاك هو الحسين في جنة الخلد، تمر عليه جحافل الأحرار جيلا من بعد جيل، وهم يرددون : “ياليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما.
إن مواساتنا لسيد الشهداء(ع)، هي في لملمة جرحنا، والحفاظ على بيتنا العراقي الموحد، والابتعاد عن لغة الفرقة والتعصب بكل أشكاله،وعدم الانزلاق في مشاريع الدنيا الأنانية، التي تلقي بنا في النهاية في هوة الهلاك الجهنمي!
اجل نحن بحاجة إلى تجسيد المعاني النبيلة التي اغترف منها أعداؤه وأصدقاؤه، فهو وكما أقول فيه من حاضر بديعيتي: للعدو نصيحة جزاء، وللصديق نصيحة ود وثناء!
إننا اليوم بحاجة إلى تفعيل مفهومه بمعناه الإنساني والوطني، لنعيش أحرارا في دنيانا سعداء في آخرتنا .. اجل مضت القرون، وانصرفت العصور، وخلقت الدهور، واكفهرت الحقب، وشاخت الأزمنة، وأهلكت ملوكٌ واستخلفت بغيرها، والحسين(ع)،يتربع على ملك الشهادة، والحسين يولد في كل يوم ألف مرة بإذن الله تعالى إكراما وتعزيرا وتخليدا، فهو مازال فينا دمعة، وقبلة، ووحدة وطنية، وابتسامة أمل في يوم عبوس قمطرير!، ووساما، وقبة فلكية ، وغصن زيتون، ورحمة يرجوها الأعداء كما يرجوها الأصدقاء لقد اختبرت كتابيتي، وأدبيتي في هذا المقال، فلم ترن في جرس أذني بلاغة، كهذه التي، فعلت العجب بأربعة حروف، هي في لفظة الحسين-ع-، كأربعة كواكب في امتداد كون، لاتحتمل خياله، ومصداقية أدائه سوى مخيلة العظام من أحرار العالم!
فسلام عليك يوم ولدت، ويوم تموت، ويوم تبعث حياً!، سلام عليك يوم تنطق هذه الكلمة، فيسود عالمنا المترنح العدل الإلهي الذي طالما حلمنا به، وتنطوي صفحة الظالمين إلى أبد الآبدين!
المقال.. يعرج بملامح وإشارات على الوحدة الوطنية، وهموم الذات العراقية الكادحة! دمتم نورا على الدرب! (الكاتب)
رحيم الشاهر- كربلاء
AZPPPL