الأنفاق المندثرة

الأنفاق المندثرة
لم يزر بغداد منذ حوالي عقد من الزمن، ولم يشهد حالها وما آلت إليه من أذى ودمار وخراب بعد احتلالها البغيض 2003، وفي يوم ما من أيام حياته المضطربة دعته الضرورة لزيارة بغداد، وتفقد حالها، لاسيما وان بينه وبينها نوع من العلاقة الحميمية، انطلق مبكرا كي يصلها في ساعتين تفاديا لمعرقلات الزحام الذي من الممكن أن يؤخره، فلا يصل إلا بعد خمس ساعات، وقرر في قرارته أن يربط بين أمرين : ذكرياته عنها قبل ترديها وحالها الآن الذي آلت إليه، وهنا لابد من توقع الوجع ومزيد من الحسرات، وانتخب منها مناطق مهمة لتحقيق هذا الربط الخيالي الوجداني، والزيارة التفقدية، ولعل ابرز هذه المناطق هي (ساحة التحرير) عندما دخل بغداد لأول مرة بدأت قصته تأخذ ذروتها في تنامي الحدث الوجداني، فهو هنا بطل قصة من طراز خاص انه كمن ظن انه سيرى الفتاة بغداد كما هي، أو اقل هرما مما قيل له، فوجدها عجوزا واهنة، زالت كل معالم تألقها تقريبا، لاحظ أن عنفوانها ذوى، ولاحظ تلك الأخاديد التي تركتها الحروب الظالمة والإنفجارات وهي تشوه وجهها الملائكي الوديع!، وفي ساحة التحرير وقف وقفة ألم وحسرة، فكأنه وجد نفسه أمام مدينة أثرية قديمة، فالشوارع والمحلات المتألقة بالأمس تقدم عروض شكواها للرائح والغادي، والأنفاق التي كانت تجعل من ساحة التحرير كالمزهرية الرائعة، تحولت إلى أنقاض مندثرة ترمى على أفواهها النفايات سأل الزائر مدينته: اانتِ بغداد حقا ؟، قالت له بغداد بحسرة : أأنت فلان حقا ؟ قال: نعم، قالت لااصدق، قال لها وانا كذلك لم اصدق انك بغداد الأمس، بغداد الدنيا، هكذا تكبين على وجهك، والطعنات تتوالى عليك منذ أكثر من عشر سنوات لوى بوجهه عنها وعيناه تفيض بالدمع العفوي، وعاد في منتصف النهار والظهيرة تشهد على اشتعال غلوائه، وغليان غيرته المتفردة عاد ليواسي مدينته الأخرى المنكوبة إحدى محافظات الوسط العراقي، وهو يلعن الاحتلال والمحتلين والغزاة والطامعين، ويدون وصيته إلى الأجيال القادمة، يااحفادنا موتوا ألف مرة، ولا تقعوا في احتلال واحد، فالاحتلال عار والمحتلون شنار هو الآن في طريقه إلى محافظته، يستعرض بمخيلته كل جراح بغداد! بعد دقائق يصل بيته فيرتمى على فراش أوجاع؛ لأن حبيبته ليست على مايرام!
رحيم الشاهر- كربلاء
AZPPPL