دولة المثقفين

دولة المثقفين
سأبدأ بطرح غبي وأوجه هذا المقال لمن لايقرأون لأن الذي يقرأ يعرف جيدا جدوى ومتعة القراءة والميسور من القراء المدمنين على القراءة شدوا الرحال قبل مدة وجيزة صوب أربيل حيث يقام معرض الكتاب الذي يعرض مليون ونصف المليون عنوان (300) دار نشر كما تقول الأخبار والذي لايملك شروى نقير من القراء فيظل يجتر آهاته لأنه لايستطيع زيارة هذا المعرض .
لا أستطيع أن أتخيل حياة بلا قراءة فرغم كل مزاياها الفكرية والاجتماعية والدينية والصحية فهي متعة كبيرة تشعر بها عند قراءتك لأي كتاب ، فكأنك تجوب شوارع موسكو وأنت تقرأ تولستوي أو تتسكع في مقاهي باريس وأنت تقرأ فكتور هيجو أوتطوف أزقة لندن لدى قراءتك تشارلز ديكنز أ وتبحر نحو أمريكا عندما تقرأ دان براون أو ترحل إلى مجاهل أمريكا اللاتينية عندما تقرأ ماركيز .
إن القراءة ملكة تنميها العائلة والمدرسة والحي والمدينة ففي الصبا ونحن لم تزل أعوادنا طرية بدأنا بقراءة ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ثم انتقلنا إلى نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس والمنفلوطي ومحمد عبد الحليم عبد الله وطه حسين ثم عبرنا لقراءة الأدب العالمي فقرأنا تولستوي ودوستوفسكي ومكسيم غوركي والبرتومورافيا وفكتور هيجو وتشارلزديكنز وارنست همنغواي ثم فولتير وروسو وكامو وسيمون دي بوفوار وسلامه موسى وشكسبير وماركيز وغيرهم ممن لايسعني تذكرهم لآن عضلات الذاكرة بدأت تتقلص وأنا أتعتب العتبه الأولى من العقد السابع من العمر.
كانت سنوات الحصار الفترة المظلمة لدولة المثقفين فقد قايضنا الكتاب بالخبز وبعنا أخشاب المكتبات بعد أن قايضنا محتوياتها . . ولم نجد ما نقرأه فإضافة إلى عدم توفر قدرة الشراء لم يكن هناك مايغري على القراءة فإذا كان الخبز وحليب الأطفال ممنوعاً علينا فكيف نجازف بتهريب الكتاب وماذا ندفع لقاء هذا الجليس المتعجرف ومع ذلك كنا نقرأ ما يقع في ايدينا من قصاصات يلف بها (حب الشمس ) أو شطائر الفلافل . وكنا عندما نعثر على كتاب نتداوله بشكل سري وسريع رغم أن قراءته تحتاج إلى عدة أيام لأنه كما يقول فرانسيس بيكون بعض الكتب وجد ليذاق وبعضها لكي يبتلع والقليل منها لكي يمضغ ويهضم .
وبعد التغيير عادت العافية لمكتباتنا وعدنا بلهفة للقراءة بعد أن امتلأت البطون وتوفرت لنا مستلزمات القراءة ورحنا نسابق الزمن للتعويض عما فاتنا طيلة أكثر من عقد من السنين فقرأنا الكتب الدينية والسياسية والاجتماع وعلم النفس وصرنا نبحث عن الرأي والرأي الآخر فقرأنا علي شريعتي وعبد الكريم سروش وعادل رؤوف وعبد الرزاق الجبران وأحمد القبانجي مثلما قرأنا قبلها كتب مراجع الدين والحوزة وصار رأسمال المثقف مايحصل عليه من كنوز الآداب والمعرفة والفنون حتى صار السياسيون والأغنياء المتعلمون يحسدون المثقف لأنه يرضى من المال ما يسد الرمق لكن أموال العالم كله لاتسد جوعه إلى القراءة ولذلك قالت السياسية العراقية ميسون الدملوجي مرة في لقاء متلفز معها (أرجو من المثقفين أن لا يترفعوا على السياسيين).
في سبعينات القرن الماضي كتبت سلام خياط مقالا في مجلة ألف باء ذكرت في إنها ذهبت لتبارك لصديق كان للتو قد اشترى منزلا جديدا وتصف المنزل بأنه كبير وحديث ويحتوي كل مستلزمات البيت العصري من حديقة ومسبح ومراب وغيرها وبعد أن باركت للصديق واثنت على المنزل وطراز البناء ومحتوياته قالت له لكن للأسف تنقصه مكتبه .. فقال لها وماذا افعل بالمكتبة ؟ لتحفظ فيها الكتب . وأي كتب ؟ فسألته ألا تقرا فأجابها لو كنت اقرا لما استطعت شراء هذا المنزل . فقالت سلام خياط ياالهي لقد دالت دولة المثقفين !!
ترى ماذا تقول سلام خياط الآن ؟؟!!
جلال الربيعي
AZPPPL