على باب الله – مزهر الخفاجي

على باب الله – مزهر الخفاجي

سالم من اهالي مدينة السماوة ..وبالتحديد

من الذين كانت بيوتهم متناثرة على ضفاف نهر قديم اندثر قبل مئات السنين …كانت تقول لهُ جدته( ميمونه) …أن واحدة من الملائكة اسمها (عشتار) تغسل وجهها الصبح من تُرعها…والكلام مازال لجدته(ميمونة) …يمة سالم يگولون بسوالف العراقيين القديمة تقول الحورية لصاحبها …

(الرجل الذي يملك قلبي هو الذي يحرث الارض…هو الذي يجمع الحبوب …الشعير …في اكوام عظيمة ،هو الذي يجلب الخبز لمائدة بيته .. ويخزنها للايام السود )

وما إن وصلت الجدة (ميمونة) الى الخبزة …

حتى رفعت شيلتها المدلاة على كتفها وغطت بها عينيها الغائرتين بالحزن …والمكويتان بالعوز الذي تركهُ قحط الارض وشحت امطار ارض ناحية (الفجر ) المطلة على النهر الذي اندثر منذ عشرات السنين ، فمثلما هاجر اهلها قبل الآف السنين حين هاجم القحط المدينة المدللة (الوركاء  ) فلم تعد مياه هذا النهر تروي عطش الارض…

فعلى صوت جدتي ( ميمونة ) وكأنها ترثي ( الوركاء )  :-

گلبي گبر …غسلتة دمعات …

وما واحد من هلي …إعلية فات…

حاولت ان أخفف حزن جدتي لكنها …مسكت بيدي وقالت : سالم يمة …البكاء يغسل القلوب… ويطهر القلوب …البكاء نذر اهلنا علينا …خلينا يمة نخلص نذور اهلنا …من بعيد أقبلت امي (ترفه) بصوتها المجلجل لتزيد من غيمة الحزن …ولتقابل أمها في الحزن الذي يسمى (مناگل) عند الرجال وعلى صوتها وهي تلوك حزنها مترنمة :

طيبين ونحب نعمل …بأصلنة

اوادم مالگينا التعرف النة ….

أندلل من نحب…ونضحي بالشوگ…

جا ليش الفرح مايلوگ النة….

بعد محد يهم حتى بزعلنة …

ما إن على نشيج هاتين الحزينتين ..العشتاريتين

حتى دخل ابي (مهر) …وهو يقول …سالمين يمة …

أذكرن الله …لمَ البكي

على الجوع …فهو مقدور عليه…

على الرزق …الله كفيل بهِ…

على الغاليين الذين فقدتوهم …إنها قانون الله الذي لا اعتراض عليه والحقيقة الوحيدة الخالدة…الموت حق …وأردف …(يمة) اكبر دليل على ان الموت حق …هذه أطلال عشتار …بيتها ، معبدها ، حليها… راحت وتركت بس (الحب)… والمحنة

يمة هي ألهة الحب…الحب رزق يمة… يمة عشتار …كما يذكر دكتور طه باقر …ابو الأثار …

 لا أحد يجيء ويطرق بابك…

ويمنحك يوماً جميلاً….

إن من يحب يطرقُ ابواب روحك …حب لتفوز بأجمل ايام حياتك … ولن يخذلك (الله/ الالهة انو) ابداً ..

يمة أذكرن الله …البكاء في الغروب لايصلح…

شريط هذه الحكاية كانت سلوتي من السماوة وانا احمل حقيبتي التي ليس فيها سوى بنطال بالي وقميصي الابيض…نعم كانت قصص (ميمونة) ووالدي (مهر) سلوتي وهي تميمتي فأنا مسافراً الى بغداد ..طلباً للرزق بعد ان شحت الفرص في مدينتي الوركاء وفي مدينة السماوة ومدن الجنوب الاخرى …ووصلت الى بغداد وذهبت سيراً على الاقدام من منطقة (العلاوي) …الى منطقة الباب الشرقي وقد كحلت عيناي بساحة التحرير ودرت على مسلتها هاتفاً مرة…ودامعاً مرة اخرى حتى وصلت الى احد الفنادق في منطقة البتاويين في الباب الشرقي وما إن وصلت الى الفندق حتى استقبلني احد ابناء مدينتي من الذين سبقوني بحثاً عن عمل وانغلقت امامهم كل طرق …

والغريب أني قبل ان أدخل غرفة الفندق والتي يسكنها اربعة نفرات وأنا خامسهم …طالعت مقولة موضوعة فوق رأس احد الأسرة والتي يقول نصها :

(كانوا يسجنون الناس لأنهم يسرقون أمانيهم…

فأنهم يسجنونهم لأنهم يقولون الحق …) ومكتوب تحتها أخوكم مكسيم ال غوركي .

أستقبلني (اخوة الجوع )…وعشيرة الفقراء الجديدة الباحثة عن رزق في وطنها الكبير …مضى اكثر من شهر ولم أجد فرصة عمل كنت اتضايق من محبة اخوتي الذين يشاركوني الغرفة وهم من امكنة مختلفة (فواحدة من الناصرية ،والاخر من الديوانية والثالث من بلد ، وانا وعبد من السماوة )…كنا نأكل وجبات الفطور الصباحي والغداء مما تجود بهِ مطاعم الفقراء في البتاويين…الحمدلله على كل شيء…نعم كنت أضجر عند سؤال الاهل وزوجتي واطفالي عن العمل وهل وجدت فرصة ومانوع العمل ….

وكنت اتحمل واقول لهم الحمدلله …الرزق كثير وربكم مايخلي حمل مطروح كما يقول المثل الدارج ….مضى اكثر من شهرين ولم اجد فرصة عمل …هذ الامر قد جعل الآرق يأكل ذاكرتي .. والضجر يفتح ذراعيه …فأنا أبن (مهر) الذي كنت اسكن بجوار معبد (إينانا)ومعبد (أيا) ولصيق مسرح عشتار ، أسكن ألان شوارع البتاوين …والتي امتلأت بالباحثين عن لقمة العيش او الهائمين بجزيرتها والمجاورين لحاناتها …نعم أزقة تعلو فيها أصوات أهلها وتعدد لغاتهم (عرب ، اكراد، سريان) .

المهم في أحد الليالي قادتني قدماي رغبةٍ في قطع الطريق على أرقي …فأخذت أسير بشرارع البتاوين …ماراً بمحالها واسواقها وفنادقها … والذي أدهشني ان شوارع البتاوين لاتنام …او هي مسرح الحياة الخلفي…ففي نهاية الشارع أجد في باب أحد فنادقها صوت ادباء الجنوب يقرأ القصيدة وكأنهُ معترضاً على وضعه  الذي يعيش فيه فيقول :-

اعاتب دهراً لايلين لعتابِ…

وأطلب امناً من حُروف النوائب…

وتوعدني الأيام وعداً تغرني…

وأعلم حقاً أنهُ وعد كاذب…

وأحزنني أن هذا الشاب الأديب قد خفض صوته  ونزلت دموعه حين وصل الى المقطع الذي يقول:-

فياليت أن الدهر يدني أحبتي…

اليَّ كما يُدني الي مصائبي …

العديد من المحيطين بهذا الشاب الأديب شاركوه محنته …فمنهم من صاح أحسنت والأخر قال سَلمت …والبعض قال ..أحزنتنا يارجل …

من الخلف هجست رجلاً يصيح بأسمي …سالم

…سالم …ما إن أدرت ظهري حتى وجدت أن الصوت صادر من احد معارفنا من ازقة الوركاء …واردف سالم قائلاً…قال لي الرجل …هل أنت سالم ..قلت لهُ نعم يامالك …

أهلاً يارجل…أنت هنا منذ زمن ولا تسأل عني انا حارس هذا السوق الكبير والذي يقع في وسط البتاوين …وأمسك بيدي وقال:-

سالم ابن مهر …حارس الوركاء والقريب من كنز عشتار …سالم حقيقة انت تبحث عن عمل…؟

قلت :بلى يامالك …الوركاء وعشتار وكنزها ورث أهلك واهلي …الذين لم يفرطوا به أهلنا السابقين ..فكيف نفرط بهِ نحن …قال مالك…يارجل معضد من معاضد عشتار لو سبحة من سبحها …لو رقيم من رقمها تعيشك انت الفقير ابن الفقير وعائلتك بأحسن حال لعشرات  السنية …!

فأجبته :جدي (شامخ ) وابوي (مهر) وانا أولاد هولاء الطيبين … اجدادك واجدادي…اذا هم رغم الجوع والقحط والفيضان …مامدوا أديهم …كيف نمدُ نحن أيدينا لها…

مالك …كل تربة بهذا البلد تشور …تموز يشور وعشتار تشور ايناتم يشور …مالك كل اثر بهذا البلد قصة وتاريخ …مالك …الذي يسرق مال أهله ويشوه تاريخه كالذي يأكل حرام …

مالك …عشتار ، اينانا، وسميراميس …صحيح طينات بس هي عرضي …

الخير موجود في كل ماحولك …المحبة والمحنة …رأسمالك الأبدي …إياك ان تخنع او تخذل  أهلك …فخيرات هذا البلد هي سر بقائي وبقاءك خالدين …

تركت أبن قريتي مالك …وهو يتمادى في طرح اسئلته التي تشبه استفهامات لص فاشل ….

بعدها رجعت الى غرفتي …ما إن وضعت رأسي على وسادتي وبدأت عيناي تغط في النوم …حتى علت اصوات المحلات والمطاعم التي لاتنام …في المنام رأيت جدتي (ميمونة) ومعها حورية …شككت بأنها (إينانا أم عشتار) تقرأ على رأسي تعويذتها السومرية التي يقول نصها :-

اسمع يا أبن مهر …الاشرار سوف ييضيقون الخناق عليك …

وستفضى محفظة متاعك متاع اهلك … مدينتك …بلدك الرافدين  …قد أخذ الاثرياء مابها …إياك أن تضعف أياك ان تُسرق أشياء وهبها الرب اليك …

الحب …الخير …الأهل…الارض…كنوزك التي يجب ان لاتفرط بها …ارجوك

فزعتُ من هذا السيل من الكلام الذي لم أسمعهُ قبل … بين ان ارفع الغطاء …وبين ان اسدلهُ على رأسي بين أغماضة يائس وصحوة مفزوع…. سرني هذا الهتاف الذي يعلو …في فضاء منطقة البتاويين وكأنني ….سمعته سابقاً في شوارع “الوركاء” او” أور” او “نينوى” او “بابل” وهو يصدح في غنائه الشجي او ترنيمته الازلية التي تقول …

طيبين ونحب نعمل بأصلنا …

أوادم مالگينة اليعرف النا…

بعدها اسمائنا مكتوبة عالباب…

مو هسة كتبناها بجهلنة…

على صوت المؤذن وهو يُكبر …الله واكبر …

نهضت ووجدت عبد يقول لي :صباح الخير سالم…حضر روحك المهندس طلب حضرتك للعمل …وقال هل يستطيع حارس عشتار ان يحرس مصافي النفط …قلت له استاذ …أبشر

يحلالي العتب ياوطن وياك …

لان بس الأحبهم عاتبتهم …

تدري شكد احبنك وأهواك …

بگد ناسك الفقرة العذبتهم …