مثابة أرسطية لفيلولوجيا
عبد الجبار خضير عباس في كتابه – تحريم الغناء –إباحة النص والهيمنة الفقهية

محمد يونس
انعدام التفسير الأحادي – نبدأ من تأكيد لدينا نجدهُ مؤسفاً حيث تهتم منظومات تاريخ الفقه الإسلامي بتفسير أحادي وفي داخله تفسيرات متعددة، وهذا التفسير الأحادي يختص بالعامة، فيما التفسيرات المتعددة تكون دائرة نقاشية يشترك فيهاأصحاب الخطاب الأصولي فيما بينهم، وفي النهاية تكون تلك الدائرة الاجتهادية قد بلغت حداً من الرضا في تعذر بلوغها إلى حلول مرضية لجميع الأطراف، ومن يلامس خطاب دائرة الأصول التاريخية، يجد هناك نوعاً من الأيديولوجيا الدينية المتزمتة خطاباً، ولا تجد ذات النفس المتزمت في الخطاب القرآني، الذي تراه يحتمل إضافة إلى التفسير، عدة تأويلات.
وهنا يعني أن ذلك الخطاب يفتح باب الجدل الفلسفي الصفة من جهة، والجدل الأيديولوجي من جهة أخرى، وصراحة، بذلك قد خسر التلقي الاجتماعي دليله المنصف إلى فهم مقاصد النص القرآني، وبذلك قد أقصي دوره إجمالاً، وتلك أخطر الإشكالات التي تتمثل في فقدان ظل الخطاب القرآني على المستوى الاجتماعي، فضلاً عن غياب الوعي الفكري والثقافي، وكان وضوح غيابه إلى حد كبير، يضاف إلى توسع البعد الإشكالي في افتقار الفهم الاجتماعي للقرآن، لكن عبد الجبار خضير عباس قدم لنا وجهة نظر مهمة في هذا المجال، فاختار مادة احتملت التناقض والتوافق معاً، حيث فكرة الغناء والتحديد الجازم لحرمته يدخل بباب التفسير الموضوعي في كتابه لمناقشة الفكرة عبر أُطر موضوعية، تستدل بتاريخ الفقاهة من جهة، ومن جهة أخرى تتصل بالنص القرآني، محيطة به عبر أبعاده التاريخية والأصولية، وأطر التفسير.
ولجأ الباحث إلى البعد الغائب لينطلق منه ليس معترضاً، بل ليدعم قضية مهمة بشرياً، فجهة الفقاهة المختلفة بشأن تفسير المضمون القرآني، والعاجزة عن البلوغ إلى أفق الاستدلال المنطقي، فأنابت هي عن المضمون بمعتقدها الاحتمالي، حيث شغل البعد اللساني فيلولوجياً في صفة المقارنة الأصولية، فعممت الافتراض كوحدة استدلال بديلة، لكن تعدد الاجتهادات المفسد لموقفها، لم يهتم أحد في التصدي لهُ.
وكان لباحثنا الدور النوعي في مناقشة فكرة حرمة الغناء، التي لم تجد لها أفقاً جازماً قرآنياً، بل تعكزت على اعتقادها الأرضي من جهة، ومن جهة أخرى كانت تقع تحت وطأة الضغط النفسي، وما مثله الباحث جهة معارضة بنفس أيديولوجي، كما استعرض أغلب الخطابات التي التزمت الحرمة الجازمة لها وغير الحازمة، وناقشها بشكل موضوعي من جميع الوجوه، وقد برع في حجاجه وبرهانه وطرحه الخطابي النقي .

المناقشة الأرسطية – قدم لنا كتاب الباحث عبد الجبار خضير عباس – تحريم الغناء سبعة فصول متنوعة في الطرح، ومعالجة الفكرة، وتقصي تاريخها، واثبات بطلان حجته، ففي الفصل الأول، اهتم بالمفهوم من جهة كونه وحدة لغوية، ومن جهة كونه يمتلك صفة اصطلاحية، وبعد ذلك توجه لمناقشة أقوال المفسرين، من دون التركيز على جهة دون أخرى، وفي الفصل الثاني، كان النضر بن الحارث مادة جدلية في هذا الفصل، ومرويات تلك الشخصية تتعارض مع نفسها، فرواية تقول قتل وهو متعلق بأستار الكعبة، وقُتلت أحدى قيانه وآمنت الأخرى، وتلك الرواية هشة وبلا دليل تاريخي متواتر، وتتعارض مع رواية قتل علي بن أبي طالب للنضر، وتأسف النبي عندما سمع شعر أخت النضر، وصراحة إذا كانت هذه هي مرويات التاريخ العربي الخالية من منطق والتي تتعارض فيما بينها، استغرب كيف يقتل النضر مرتين بروايتين مختلفتين، بشأن تحديد مقتله، وتوالت الفصول التي ينهيها الباحث بعدما يضع الفقاهة في مأزق تعدد افتراضاتها للنص القرآني، والذي لم يحدد ما هو الغناء المحرم.
توالت الفصول في تدرجها التاريخي من موقع إلى آخر، وقد اعتمد الباحث وجهة نظر أفقية أرسطية لدراسة الموضوعة بين موقفها النصي وخطاب الفقاهة، وقد سمح لتاريخ الفقه بجميع مستوياته التاريخية ومعتقداته المذهبية في إبداء الرأي، وطرح تلك المستويات الخطابية تتواجه فيما بينها.
بالتالي عبر المفارقة الفيلولوجية، يستنتج الباحث عن طريق المقارنة بين خطابات الفقه الخالية من حجة تتصل تماماً بالنص القرآني، والتي هي تعول على معتقدها المذهبي أكثر من تعويلها على النص الرباني، والمثير أن تلك المعتقدات لديها مستوى تفكير للنص عن طريقه تحدد الفكرة، وتنيب في موقفها الفقهي عن النص القرآني، وهذا ما قد أوصلنا إليه الباحث في خطابه لإنصاف الدين أكثر مما هو يسعى لدعم الغناء، وقد طور فكرة دراسته أكثر حين اتصل خطابه بالتاريخ الحديث للفقه، وقد توغل في البحث والتقصي، ولامس خطابات حساسة تقف قبالة المؤسسة الكلاسيكية للفقه والأصول، فتلك المصادر تطرح فكرة أكثر قبولاً في المنطق العام، وهي بجدارة فكر بليغ يفتقده التزمت الفقاهي، ففي صفة 296 هناك صياغة موضوعية طرحها الشيخ يوسف الصنائعي بالقول – باعتقادنا الصناعة الفقهية تقتضي الحرمة المضمونية دون الذاتية –
ونجد اختيار الباحث هنا، قد وجد فيه من ينيب عنه، فالغناء مضموناً هو الذي يمكن أن يحلل أو يحرم، وليس الغناء مفهوماً، وتكمن هنا مشكلة وإشكال العقل الكلاسيكي والذي حرم الغناء مادة وليس أداءً أو تعبيراً مضمونياً، وهذا الكتاب الشيق استعمل النسق الفيلولوجي للمقارنة عبر خطاب حصل على ما يفيد، ويجيد المادة المكتوبة والقارئ أيضاً على حدٍ سواء، وهذا النوع من الكتب عادة ما يكون جدلياً، لكن قدمه الباحث بأسلوب مختلف شيق، وأوصنا إلى فكرة وجود سقف أخلاقي للغناء اجتماعياً، يبرره تجاوزه أغلب الفقهاء في تحريمهم المفهوم بدلا عنالتحريم الذي يراه السقف الأخلاقي للمجتمع .
























