

قصّة قصيرة
تميمة الفقراء – مزهر الخفاجي
ام جبار ..وجه يحمل جمال وسمرة البصرة …وعذوبة كلامها الترف يشبه طعم إلهيل (الحب هان )كما يقول اهل الشام .
ام جبار …تشغلُ زاوية صغيرة في احد ممرات جامعة بغداد … ام جبار …قصيرة القامة ،طويلة البال ،حادة اللسان …حطت قبل عشرين عام في مكانها هذا …بعد ان عجزت ان تجد فرصة عمل او معيل يعيلها على مهاوي الحاجة…
ام جبار ..ام لأربعة بنات تخيلوا ام جبار ليس لها ولد وإنما هذه كنيتها كما يقول احد زبائنها…نسيت ان أقول لكم هي ترصف في احدى الغرف الصغيرة أواني الشاي ،وفناجين القهوة وبعض النساتل والبسكت ،ام جبار … ومازال الكلام لأحد زبائنها من التدريسين ان ليس لها ولد وقد اختارت اسم جبار متشبهتاً بالرجال العراقيين ،والذين يريدون التكني بأسم الأولاد الذكور بدل الإناث …والرواية الثانية ، انها قد رُزقت بولد أسمته جبار لكنهُ توفي …والثالثة …ان كنية جبار إنما كانت كنية اختارتها لها احدى التدريسيات بسبب صلابة هذه المرأة وصبرها وصلافة مقولاتها …وامتناعها عن الشكوى او البوح بالآلام التي تحيط بها … فبناتها الأربع كن مسؤولية … تربيتهن مسؤولية والعيش مسؤولية والعمل مسؤولية ….
كنتُ كثيراً ما أوقفها في الممر وأقول لها :أم جبار …وجهك تعبان …فتجيب الحمدلله أستاذ …وتردد بيت شعر بليغ يقول نصهُ :
جنة نكتب على الليل بقلم اسود
ومانبرد الماي وحدة الماي يبرد
نلزم الحسرة ونكتفها بحبل
خاف يم الغربة تنهد ….
عند هذا الجواب البليغ اجد ان ام جبار …امرأة ترتدي الحسرة …او ان الحسرة ارتدتها…هي في هذه اللحظة ذكرتني بالحال …فقالت أستاذ : الحال من بعضه الحزن مثل الوحش الي يريد ينقض على أيامنا …إياك تدير ظهرك الة يمة …مامش جبير واعاتبنة …
في قيصريتها (غرفتها او سميها عطاريتها) يقول عنها احد الطلبة…
ان (ام جواد)كانت تسلف بعض الطالبات اجرة الفطور الصباحي …او تُسلف بعض الطلبة أجرة استنساخ بعض الملازم لبعض المواد ..رغم ان هذه المرأة ليس لها دفتر ديون فهي لاتقرأ ولاتكتب …وكانت تترك الفرصة للذين يسددونها والذين لايسددونها …فرزق على الله ….
وقد اخبرني احد طلبة علم النفس وهو من المعوزين ….قال …أستاذ (ام جبار) هذه مثل ام الهند كنت حين احتاج تفتح لي خرجها لتسلفني مااريد ،وقد كانت تشوش في أذني قائلة …يمة أركان ..
يمة جواهر الانسان ثلاث
كتمان الفقر …حتى يظن الناس انك غني
وكتمان الغضب …حتى يظن الناس انك راضً
وكتمان الشدة …حتى يظن الناس انك منعم
وتقول سارة …وهي احدة طالبات قسم الجغرافية …خالة ام جبار مستودع اسرار الولد والبنات …هي ُعدتنا ليوم الحرج …هذه المرأة تحمل طيبة الجنوب ….وخشونة ارواح اهلها وحزنهم الباذخ ، تحدثنا كأنها أميرة سومرية …وردت عليها صاحبتها أية …وهي احدى طالبات قسم اللغة العربية ، مخاطبة سارة ومعبرة عن ادب (ام جبار) وقلبها الذي يقطر بالحنان …
تشابه الناس الا في معادنهم…
وشيمة المرء بين العلم والأدب
سبحان الله ام جبار …هذه الجنوبية لاتمتلك العلم لكنها تمتلك فيض من محبة او محنة ، فهي لم تكن أم لبناتها الأربع فقط …بل كانت أم لعشرات البنات ….ورغم انها لم ترزق بولد لكن صار لها عشرات الأولاد من طلبة الجامعة …
وكانت ام جبار …كذلك تعرف الكثير عن تفاصيل حياة التدريسيين …مثلما تحفظ اسرار كثير من الطلبة …
تقول إحدى التدريسيات كنت عندما أدخل غرفة (ام جبار) او قل عيادتها…أحس انا الاستاذة الجامعية أني اتعلَّم في مدرستها فهي في تعليقها على مشاكلي مع زوجي الموظف …تقول لي وتنصحني:
ست الدكتورة …يمة الزواج صحيح قسمة ونصيب
لكن الامرأة الحرة تعرف كيف تحول هذا النصيب الى عِشرة ….
يمة الزواج مو بس توافق …وشـهادة.
الزواج حبل ممدود بالمحبة، والود ، والرحمة …
يمة …الزواج جورة أبدية …وشراكة ماتقبل خسارة …ربحها الستر والعافية
يمة مها …ُتعمر الدنيا بالحب وتخرب بالكره …أرجوك لاتخربين بيتك….
وما ان اخرج من (دكان) ام جبار …حتى اتذكر قول الشاعر :
تقبلتُ دراً من سرار حديثهم
فأدررت دراً من دموعي السوافحُ
سرار نوى عندي وددت على النوى
ودائعهُ رد الأمين الناصحُ….
نعم كانت (ام جبار) كأنها واحدة من طيور أهوار الجنوب المسماة (الحذافة) او هي (ام سكة) كانت قد حطت في واحدة من ممرات مجمع كلياتنا في باب المعظم …تعرف أسرارنا جميعاً ولا احد يعرفُ اسرارها …تشرب عن قصد دمع أحزاننا وتودعنا الى دروب المحبة …هي التي ترطبُ شفاهنا ب(استكانات الشاي) وفناجين القهوة …ولا احد يطيب خاطرها المليء بالأسرار ومحاصر بتلال الحزن …
ام جبار (تميمة الفقراء)كانت تُمسح عن وجه فقراء وفقيران البياع والشعلة والحريّة ومدينة الصدر …تغرف من مواعينها الشحيحة ماتيسر لها من فضل ربٍ كريم …نعم كانت هذه المرأة …المانحة …المادحة …الطافحة بالحنان والبشر …كريمة اهل سومر …وهديتهم لنا نحن الفارين من القناعة والمعوزين لواحدة منها ….يالله مااجملها (ام جبار) حين تنعى بصوتها الرخيم بعد عناء يوم لملمت به اسرار الحزن …وبعد ساعات التعب تنحب وتقول :
وأذا يعني كبرنا احنا …
بعدنا كلشي ماشفنة ….
عدنة گلوب ماتكبر ..
عراقيين مامتنا …
























