تعاطف – علي ابراهيم

قصّة قصيرة

تعاطف – علي ابراهيم

لم يخطر له انّه سيكون ضحيّةً في يوم مايتوسّل الحياة أن تنظر لحاله تراجع ملفّاته في السعادة والتعاسة آماله التي طالما رَغِب بها وكانت اشبه بالاوراق الفارغة تُسرع بها الريح إلى ربوة في مكان ما. مَنْ يصدّق انّه بكّل جسمه وعافيته كان يجوب الشوارع متباهياً فرحاً يستخدم حواسه جميعها في مواجهة مَن ْ يقابله للطفل عنده حركته وللرجل حركته.، والأجمل مِن ذلك حركته وإنفعاله وخفّة دمه مع الفتيات، والنساء. فهو يخترع الحركات المناسبة المشاكسة يرجع بعدها خائباً إلى بيته تستقبله أُمّه العجوز، وتقرأ مِن ملامح وجهه مدى صلافته وشقاوته على الحياة وخيبة النفس التي تلازمه.

ومِن سرعة نبضات قلبه في تلك الليلة مِن نهار خطّ شوارعه فقد كثُر سعاله ووصلت الحمى كلّ جسده إستعجل الوصول إلى المركز الصحّي بعدما َشهدتْ عليه الشوارع وهي فارغة من الناس.

كان يتلّوى يرتعش، وعلى وجه السرعة تمّ نقله إلى الحجر الصحّي المكان الذي لا طعم له. تناوب الممرضون على أسئلة تجّر أُخرى وحبّات اليقين مفقودة إنّها التجارب، انّه الشَّك دخل الحِلم دماغه هذيان دوران، رجوع مِن الحمّام للغرفة. لم يتصّور انْ يطوف على حلمه الشّاعر وهو يتعاطف معه يخفف مِن آلامه يقرأ عليه اشعاراً عن قيس ولبنى، ونزار قباني، والمتنبي ثمّ ينتحب كثيراً يحاول مريض كوفيد-  19ان يخفف عنه يُسرع الشاعر بالشكوى اليه بانّه غير مرغوب به وإنّ الشعر لا يسمعه إلاّ كاتبه كان يهذي كثيراً

إكتفى المريض بالتحّول إلى الجهة الأخرى ليغلق باب التآوه. دخل عليه القاص وسرد عليه مقاطع نثريّة مِن قصص الحياة يخلطها بين نجيب محفوظ، وماركيز وعبد السلام العجيلي، والبرتو مورافيا ما لبث ان كرر ما فـــــــــــعله الشاعر يبكي عند مريض كوفيد 19-  شاكيا له عدم قبول المجتمع لقصصه بل لفنون الأدب عامة.

حاول المريض ان يقضي على الأحلام بالذهاب إلى الحمّام وقبل ان ينام إشتكى إلى الممرض مِن الأحلام المزعجة التي مرّت عليه نصحه ان يستلقي على ظهره ويغمض عينيه لحظات اسرع اليه كاتب المقالة يقرأ له عن الزّيات ويخبره إنّ الشاعر والقاص كلاهما يتنافسان على حيازة رتبة فنون الأدب، وكان عليه أن يتقبّل مجيئهما حتى لا يسرع كاتب الرواية اليه ليفتح النّار على ماّ تبقى مِن هشيم القصّة وخواطر الشعر وإنّهما يهذيان ويشكيان مِن تفوّقي بعالم الرواية.

أعاد كاتب المقالة رأيه السّديد وتمكّن مِن إقناع المريض، وحصل ما تبقّى للمريض فترة أربعة عشر يوماً ليوصل اليه رسالته الضائعة وعزوف القُرّاء عن قراءة المقالات في الصحف والمجلات.

أراد المريض ان يهدّاه واعداً إياه اذا تحسنّت حالته الإيجابيّة إلى السّلبيّة سوف يقرأ المقالات ويتتبعها في الصحف.

كان آخر موعد للممرض يسمع صراخ مريضه يجسّ نبضه ويتعاطف معه، وهو يظن فيما بعد انّه اُصيب بالمرض مِن الملامسة ويقول للمريض :ملعون هذا المرض الذّي نزل علينا. يتبجّح المريض بانّه لم يعش تلك السّاعات في الليالي الماضية، وسرد عليه قصّة توافد الشاعر والقاص، والراوي وكاتب المقالة والناقد.

اخذ الممرض يتشّبع مِن مريض كوفيد  – 19ويطلب منه السكوت، وإنّ ما مرّ عليه هومجرّد احلام

ردّ المريض:كيف تكون أحلاما وهي تصارحني؟ كيف لها أن تدخل عقلي وانا ضائع الآن فترة تجارب اتلّقاها منكم؟ ابهّا الممرض أخبرني عنهم فقد إشتقت إليهم، كنت اجوب الشوارع للسفاهة والضحك تصوّر كيف لي التخلّص منهم؟

فكّر الممرض مليّاً وهو يبتعد عنه ويأخذ من خاطره المشتتة وجسمه المُتعب قائلاً له:الأمر بسيط.

أجاب المريض:كيف؟ ردّ الممرض :حاول أن تستدعيهم إلى غرفتك لتتعرف عليهم ثانيةًاكثر حاول ذلك قالها وهو يترك الغرفة.

أوشك اليوم الثالث عشر ان ينتهي مِن حياة المريض اكمل وجبة العشاء اخلد إلى النّوم مبكراً ليطمئن على النتيجة غداً. عاوده الحلم استغّل الفرصة عسى أن يلتقي بما وعده الممرض والمدعوون بفنون الأدب.

تراى له إنّ شفاءه قد يطول في اليوم الاخير وقد يودّع الدنيا وأصبح على معرفةٍ بحالة الدّفن ومكانها، وإنّ الإعلان عن وفاته باليوم والتاريخ فيه إعتذار عن إقامة مراسيم الوفاة في الحّي خوفاً على الآخرين، انا السّبب انا!

وقبل السّاعات الأخيرة مِن منامه حضرت كُلّ وفود فنون الأدب تستعطفه بقصيدة، وقصّة تُظهر لواعج مريض كوفيد 19 –  ومقالة تدمع لها العيون ونقد يخشى إنتقال فايروس الكتابات اليه

هو في مأزق بددّت همومه نسمات الصباح لآخر يوم.

يتقّدم الممرض يرفع تحيّة له ويبشّره بسلامته ونجاته يفتح له جهازه ، ليتابع كُلّ فنون الأدب التّي مرّت عليه.

إبتسم أمام المريض، وهو يركب سيارة المشفى إلى بيتهِ.