مُذكّرات مدينة ميتة

مُذكّرات مدينة ميتة
كوخٌ صَغير، طفلٌ يَلْعبُ في زاويةِ المنزلِ بأحجارٍ صَغيرة، تدخلُ عجوزٌ حاملةً صينيةَ خبزٍ، تُنْزِلُها من على رأسِها، تقولُ وهيَ تَنْظُرُ إلى الطفْل:
تعالَ يا ولدي.
تكسرُ قطعةً من الخبزِ وتَمُدّها لِحَفيدِها، يَنْظرُ الطفلُ إليها مُبتَسماً ويَسْتمرُّ في لَعِبه.
كُلها يا ولدي، لا تُتْعبني مثلَ أبيك، آهٍ من أبيك، يا لَعمري، ما رأيتُ فيهِ غيرَ العذاب -تَرْفَعُ رأسَها إلى السماء- الحمدُ لك يا ربِّ على كلِّ حال.
-صوتُ انفجارٍ قريبْ- يَركُضُ الطفلُ إلى حضنِ جَدّته، تضمّهُ بقوّة، تُعطيهِ كسرةَ الخبز، تقولُ وهيَ تجولُ بناظِرَيها في أرجاءِ الكوخ:
لا تخفْ يا ولَدي، هذا رَعْد، سوفَ تُمطِرُ بعدَ قَليل.
الطفلُ لا زالَ مُتَشبّثاً بالعجوز، صوتُ انفجارٍ آخَر، ترتجفُ العجوزُ وهيَ تضعُ يَدَها على رأسِ الطفلْ، يَنْظرُ الطفلُ إلى عيني العجوزِ قائلاً:
هلْ أنتِ خائفةٌ يا جدّتي؟
تَبْكي العجوز، تَرْتَجفُ أكثر، تقولُ للطفْل:
لا يا ولدي، وأنتَ أيضاً لا تَخَفْ، الرعدُ لا يَقتلُ الأطفال.
يُمسكُ الطفلُ بيدِ جدّته بقوة، يَقول:
سيَقتُلكِ الرعْدُ إذاً؟!
تَسحبهُ من يدهِ ويَنْزَويانِ في الكوخ، تَضمّهُ إليها، تقولُ وهيَ تنظرُ إلى البابِ بخوف:
الرعدُ لا يقتلُ الأطفالَ يا ولدي، لا يَقتلُ الأطفال.
يُضْرَبُ البابُ بقوّة، يَرتَمي الولدُ في حضنِ جدّتهِ بقوّةٍ أكثر، يدْخلُ ثلاثةُ رجالٍ يرتدونَ زيّاً عسكريّاً موجّهينَ سلاحهمْ في أنحاءِ الكوخِ الصغير، يُشيرُ أوّلَهُم إلى العجوز، يَقولُ بصوتٍ أجَش:
أين ابنكِ أيّتها العجوزُ اللعينة؟
تردُّ العجوزُ بنبرةٍ خائفة:
لمْ يبقَ لديّ سِوى هذا، ارحمونا يا وَلَدي، اتركونا لِحالنا.
يُفَتِّشُ الآخرانِ خلفَ الأشياءِ الصغيرةِ الموجودة، يُقَلِّبانِ الكوخَ رأساً على عَقبْ، الطفلُ يبْكي، يسألُ جدّتهُ:
هل سَيقتلونَنا يا جدّتي؟
تجيبهُ الجدّةُ بصوتٍ خفيف:
إنهُ رعدٌ يا ولدي، لا تَخفْ، الرعدُ لا يَقْتلُ الأطفال.
يَضْحكُ الأولُ ساخراً، ينظرُ إلى مُرافِقَيْهِ:
تقولُ الشمطاءُ أنَّ الرعدَ لا يَقتلُ الأطفال!.
يَخْرجُ مسرعاً وخلفهُ مُرافِقاه، يَسْمعانِ صوتَ سيارةٍ مُبتَعِدة، تتركُ حفيدها وهو مُتَحجّرٌ في مكانه، تذهبُ وتلتقطُ كَسرةَ الخبزِ وتُحضِرُها لحفيدها، تَضَعُها في يده، والطفلُ لا زالَ يَرْتَجِف، تحضُنُه وتمسكُ بيدهِ والخبزةُ فيها، تُقَرّبُها من فَمِه، تقولُ لهُ وهي تَبْتَسِم:
لقد ذهبوا يا ولَدي، كُلْ حتى تُصبِحَ رجُلاً مثلَ أبيك.
يَمْضغُ الطفلُ قليلاً من الخُبْز، يسأل ُجدّته: متى سيعودُ أبي؟
تتهاوى العجوزُ على الأرضْ، تَبْكي باختناق، تَبْتَلِعُ ريقَها، تَقول:
أبوك أخذهُ الرّعْد، إنّهُ يُحلِّقُ الآنَ في السماء.
تستمرُّ بالبكاء، يَنْظرُ الطفلُ إلَيها مُتَعَجّباً:
إذاً سَيأخُذني الرعدُ عندما أكبرْ؟!
يصمتان قليلا، يسألُ مرةً أخرى:
هلْ سأرى أبي عندما أطيرُ مِثْلَه؟
تَبكي الجدّة، يَدْخلُ دخانٌ أبيضٌ من الشبابيك، رائحةُ الثومِ تَنْتَشرُ في الكوخ، ينظرُ الولدُ-وقطعةُ الخبزُ تسقطُ من يدهِ- إلى جدّتهِ وقد تحجّرَتْ في مكانها:
جدّتي!
يَسْقطُ في حُضْنِها ببطء، ينظرُ إلى السقْف، يقولُ مُبْتَسماً بِبُطء:
جدّتي المسكينة، أخذها الرعد!.
عمار يحيى – القاهرة
AZPPPL