
الحداثة في قطارات تصعد نحو السّماء
12 باحثاً يحلّلون قصص فاتح عبدالسلام
محمّد صابر عبيد

يعدّ فنّ القصّة القصيرة من أكثر الفنون السرديّة ألمعيّة وتركيزاً وتكثيفاً جمالياً بحكم طبيعته الكميّة والنوعيّة -كتابةً وتلقّياً، وقد تعرّض لإهمال نقديّ وإبداعيّ كبير في العقود الأخيرة بسبب هيمنة فنّ الرواية على فضاء السرديّات الحديثة –إبداعاً وتداولاً-، فصارت القصّة في زاوية مهملة شبه منسيّة لا تحظى بالعناية المطلوبة وبما يرتقي إلى مستوى أهميتها وخطورتها الجماليّة، لذا يأتي صدور الكتاب الموسوم “حداثة القصّة القصيرة: حيويّة الأداء السرديّ واكتمال فضاء التشكيل/قراءات نقدية مشتركة في مجموعة ((قطارات تصعد نحو السماء)) القصصية لفاتح عبد السلام” الصادرة عن الدار العربية للعلوم ببيروت، وقد أسهم فيه نخبة من النقّاد والأكاديميين العرب وهو من إعداد وتقديم ومشاركة الباحث طلال زينل سعيد، إضاءة نوعية تعيد الاعتبار للقصة القصيرة التي ربّما شملها الظلم النقديّ الذي طال أمده. -صدر الكتاب مطلع هذا العام 2020 عن دار الآن ناشرون وموزعون في عمّان-.

كان اختيار مجموعة القاص فاتح عبد السلام القصصية هذه الصادرة نهاية عام 2019 عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت نابعاً من أهمية هذا القاص بوصفه أحد كتّاب القصة المخلصين لهذا الفنّ على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وقد وصفه معدّ الكتاب على النحو الآتي: “يعدّ القاص والروائي والصحفي والأكاديمي الدكتور فاتح عبد السلام من الأسماء المهمة في فضاء الأدب العربي الحديث والثقافة والصحافة في العراق، إذ أصدر عدداً مهماً من المجموعات القصصية والروايات فضلاً عن عدد آخر من الكتب النقدية والثقافية والفكرية، وأسهم طيلة السنوات الماضية في الحقل الإعلامي من خلال ترؤسه لجريدة “الزمان” الدولية الواسعة الانتشار، وكتابة عمود يومي بالغ الأهمية أتى على معظم ما عاشته السياسة العراقية والعربية والعالمية من إرهاصات وتحولات وتغيرات في العقدين الماضيين على نحو خاص، فكان صوتاً حاضراً ومؤثراً في الميدان الثقافي والإعلامي عموماً غير أن الأديب فيه هو الأكثر حضوراً وتأثيراً وأهمية، فصال وجال في المجال الفكري والثقافي والأدبي والإعلامي كأحد فرسان الثقافة العرب المعاصرين، وبقي مخلصاً لفنه الأصيل “القصة القصيرة” بشهادة هذه المجموعة القصصية الجديدة الصادرة هذا العام 2019 بعنوان “قطارات تصعد نحو السماء”، بما تنطوي عليه من جدّة وحداثة ونظم صوغ أدبية سردية أصيلة وجميلة على مستوى التشكيل والتعبير والتصوير والتدليل معاً.”
وقد جاءت مجموعته القصصية تتويجاً لتجربة قصصية تنطوي على قدر عالٍ من العمق والوفاء الفنيّ والجماليّ للنوع السرديّ، وشكّلت مرحلة جديدة في عطائه القصصيّ إذ خصصها لموضوعة قصصية واحدة تشترك فيها القصص جميعاً، على نحو ما وصفها معدّ الكتاب بأنّها “تتكوّن من عشر قصص هي على التوالي ((تحت سماء القبعات/من بغداد إلى ديفالي/العراقي الذي حرّر لندن/لو لم تكن المحطة الأخيرة قريبة/قفزة القرد/المرأة القطة والرجل القنفذ/لولايكا/الرغبات المتكسّرة/بريّة في قطار/الضفدع الرمادي))، وكل قصة من هذه القصص تتعامل مع ثيمة “القطار” تعاملاً سردياً خاصاً ضمن حكاية وتجربة خاصة، وهو ما دفعنا إلى السعي نحو دراسة كلّ القصص كلها أو بعضها داخل مضمارها السردي العام والخاص، من أجل أن تحتشد كل هذه القراءات في فضاء نقدي واحد يلقي الضوء على عالم المجموعة القصصي من وجهات نظر نقدية مختلفة باختلاف النقاد، على نحو يجيب على أكثر أسئلة السرد القصصي أهمية في هذه المجموعة وفي السرد القصصي المتعلق بتجربة فاتح عبد السلام القصصية عموماً، في مبادرة نقدية نعتقد أنها يمكن أن تأتي بثمار جديدة في مجال الكتب النقدية المشتركة حول الأعمال القصصية حين تختصّ بتجربة مجموعة واحدة، تقارب القراءات النقدية كل قصصها حيث يتخصص كل ناقد بمقاربة معينة تتناول قصص المجموعة مجتمعة أو قصص منتخبة منها.”
اشتمل الكتاب على فصلين اثنين حاول فيها معدّ الكتاب توزيع مقالات وأبحاث النقاد والدارسين على طبقتين، طبقة تعنى بقصص المجموعة على نحو عام وطبقة أخرى تتخصّص كلّ دراسة منها بقصّة منتخبة بعينها، وعلى النحو الآتيّ: “جاء الفصل الأوّل بعنوان ((الفضاء السرديّ للمجموعة القصصيّة)) واشتمل على خمس قراءات تناولت قصص المجموعة كلها أو قصصاً منتخبة منها بحسب حاجة كل قراءة منها، وسعت إلى تحليلها على وفق مناهج نقدية مختلفة، وهي: التشكيل القصصيّ العتباتيّ: عتبة الاستهلال في ((قطارات تصعد نحو السماء)) نموذجاً للدكتور فيصل صالح القصيري، و((جدل الحدث السرديّ والشخصيّة: جماليّات التشكيل في “”قطارات تصعد نحو السماء”)) للدكتور إبراهيم نامس ياسين و((قصص قصيرة مكتوبة ببنية متوازية وفضاء هجين: «قطارات تصعد نحو السماء» لفاتح عبد السلام)) لعدنان حسين أحمد و((قطارات تصعد نحو السماء”: حين تصنع القصص فضاءها الروائي)) للدكتور محمد غاني و((الهنا والهناك في “قطارات تصعد نحو السماء” لفاتح عبد السلام: عوالم طالبي اللجوء والهجرة)) لخالد بريش، وهي بمجملها تلقي الضوء على مفاصل مهمة تشكيلية وتعبيرية وثقافية ورؤيوية تجيب على أسئلتها السردية العميقة. وجاء الفصل الثاني بعنوان ((الفضاء السرديّ للقصص)) في أربع قراءات تخصصت كلٌّ منها في تحليل قصّة بعينها، كانت القراءة الأولى بعنوان ((ثنائية الانفتاح والانغلاق في قصّة ((بريّة في قطار)) لطلال زينل سعيد، والثانية بعنوان ((الحوار في قصص فاتح عبد السلام (العراقي الذي حرر لندن أنموذجاً) للدكتور نبهان حسون السعدون، والثالثة بعنوان ((الهامش في فضاء المحاكاة: قصّة (الضفدع الرمادي) نموذجاً)) للدكتور محمود خليف خضير الحياني، في حين جاءت القراءة الأخيرة تحت عنوان ((دراميّة التشكيل القصصيّ: قراءة في قصّة “لو لم تكن المحطّة الأخيرة قريبة”)) لمحمّد صابر عبيد.”
يندرج هذا الكتاب في نطاق الكتب المشتركة التي تنطوي -في تقديرنا- على أهمية خاصة من حيث إنّ العمل النقدي ينبغي أن يكون عملا جماعياً لا فردياً، وذلك لأنّ المشاريع النقدية التي يمكن أن تحقق نتائج إيجابية تستحق النظر والتقدير هي المشاريع الجمعية، حيث تلتقي مجموعة من الآراء والأفكار والقيم النقدية منطلقة من مناهج ونظريات وتيارات نقدية مختلفة حول قضية واحدة، كلّ ناقد منها يتناول الموضوع من زاويته النقدية الخاصة به على نحو يمثّل فيه منهجه النقدي ورؤيته النقدية على مستوى النظرية والإجراء، بما يقود إلى بناء فضاء نقديّ عام وشامل متعدّد الاتجاهات تلتقي في مركز الموضوع المشترك لإنتاج تجربة نقدية خصبة، وتوفر لمجتمع التلقّي فرصة ثمينة للاطلاع على التجربة النقدية القائمة على تجربة أدبية مخصوصة بعينها، تنتهي ضرورةً إلى نتائج نقدية لها علاقة بتطوير المشروع النقديّ العام في النقديّة العربية الحديثة عموماً.
أما حين يتخصص هذا الكتاب الموسوم “حداثة القصّة القصيرة: حيويّة الأداء السرديّ واكتمال فضاء التشكيل” بتجربة القصة القصيرة حصراً، فإنّ ذلك يعيد الاعتبار لهذا الفن السردي النوعي بعد أن لحقه كثير من الحيف، وسيحقق الكتاب أكثر من نتيجة إيجابية في آن، إذ لا شكّ في أنّ الأسماء النقدية التي أسهمت في هذا الكتاب لها باع نقدي طويل، استطاعت بمجموعها أن تجيب على كثير من أسئلة السرد القصصيّ في محاور وتقانات وإجراءات نقدية ذات طبيعة حداثية، وهو على هذا الأساس كتاب نقديّ نوعيّ بالغ الأهمية يستحق القراءة والاحتفاء والتداول.
























