شعرية الخرافة – جبار النجدي

رسالة عبد الأمير العبادي

شعرية الخرافة – جبار النجدي

تذكرنا قصيدة الشاعر عبدالامير العبادي ( رسالة) بأن الملحمة هي معطى من معطيات الشعر المتصل بالخرافة والذي يمثل شكلا تركيبيا بمعناه الجامع حيث تكون الصورة الشعرية من مولداتها وتحقق تأثيرها عبر تشويه صورتها الواقعية حيث يصبح المعنى بمفهومه الملحمي خرافيا بامتياز وربما يمنحنا تعريفا آخر للشعر ونقله إلى مدار مختلف في ضوء النفس التطويلي للنص وفقا لمنظومة واسعة من الاحتمالات التي تجري مجرى الاختلاف عبر مخالطة الشعر لروح الملحمة ومن شأن ذلك أن يرقى إلى منح النص وجودا إسطوريا ليأخذ مكانته الخاصة في الخطاب الشعري متصفا بقوة الجملة الشعرية وتوتراتها ومن ثم للأتصال المعطيات الطبيعة وفهم تجلياتها والتبصر في أنساقها المكانية ومحاولة أستنطاق مخاوفها :

انا الذي

أحببت شياطين البوح

امعنت بقراءة طالع نسوة

من الخيال

النساء اللاتي مخرت بهن

دواوين الصمت والغزل

إن هذه القصيدة قد تجد مقاما مختلفا يتطلب بوحا مأساويا لصيقا بالحياة وتصورات المستقبل منتمية إلى دراما الصورة المرئية باعتبارها جزء من المؤديات الشعرية القادرة على مبادلة نفسها والانتقال من محور الصورة الشعرية إلى محور الفعل الدرامي وضمن أكثر المرئيات غرابة حيث ينخرط زمن النص في أزمنة أخرى من شأنها تفعيل ماهو درامي في النص والرقي به إلى مصاف الأسطورة ودفعه نحو المستقبلإ فلا تصل الصورة الشعرية في النص إلى موضع ختامي يجري ذلك ضمن متطلبات السيرورة القصيدة الدرامية واحد شواهد وجودها :

نسجت للحب قواميس ومعبدا

غسيله بيد رهبان

دنوت اليهم أرفع يد الرضاعة

مناديا دعهم في كهفهم نائمين

إن التضادات الدرامية متأصلة في النص ورديغة لوجوده ومسألة من الذاكرة الشخصية للشاعر من جهة النظر المستندة إلى تعاقب أحداث النص نحو ذروته وسط أهواء يشوبها التضارب الناجم عن الاحساس بالشجاعة التي شكلا من أشكال الفوضى التي بإمكانها أن تظهر المضم والسكوت عنه لاسيما وإن النص كثيف ويعج والاحاسيس المأساوية والتي لا تقوم على الاقتضاب بل على البعد الأسترالي الذي يسمح بالتأجيل واستشراف رغبة الفضول لملامسة فعل مؤجل ذلك إن النص لا يظهر كل شئ فثمة معنى آخر سيأتي لاحقا حتى النهاية التي تتمتع هي الاخرى بصفة الحدوث مرة تلو اخرى ومن دون تتميم لهذا فإن كل بيت شعري يملك قدرة تحادثية مع البيت الشعري الذي يليه محاولا ترويض السلوك القاسي لما حدث ويحدث ضمن الخيارات التي يطرحها النص :

ظننت اني فقدت رشدي

تاهت بي مناسك هي كذبة

صدقتها طوال العمر

ضمن هذا الاقتضاء فان النص لا يقوم على الحصر والتدوين ويذهب إلى اللامنظور خلف الجمل الشعرية التي تمثل الذات المتكلمة للشاعر محاولا أن يرى المعاني ما بين السطور ويزاحمها احيانا إن النص يحيل إلى مستوى من مستويات الدلالة والمعنى في كل مرحلة من مراحله ويبحث خلف ماهو ظاهر طمعا في أن يكون غير ماكان في مستجدات الصورة الشعرية ومحاولة إخراجها إلى واضحة النهار لكن بصعوبة وعسر ليكون النص ايسر قابلية وأكثر رجحانا في الميل إلى خرافية الشعر والتقاطات الشاعر في القصيدة وما تتضمنه من نداءات تمثل مجموعة فرضيات ووصاية إرسالية عن الحياة والموت تنبع من إختيارات الذاكرة غير المتراجعة والمندفعة إلى أمام لولوج طاقة التعبير والبحث عن المعنى المهمش الذي يضيع عن البصر في الغالب كل هذا يحدث بدافع الريبة ويبث في القصيدة مشاعر الارتياب من المجهول :

الموجة عادت من اسفارها

لقد ملت مجاذيف القراصنة

إنك في أرض ليست قدرك

قدرك اختر لقد أعلنت براءتي

وهكذا نرى إن ما طرحه النص ليس تمثيلا الفرضيات مسبقة بل هو نتيجة لاشتغالات الشاعر ذاته فكل بيت شعري سيأتي بشكل دون غيره بمعنى أن الشاعر يخلق شيئا مما يلاحظه في اللحظة التي يكون هو جزء منها وجدير باكتشافاتها فقد يشد إنتباهنا إمكانات الحدث الكلامي وهو ضمن مظاهر متكررة في الحياة لكي يعطي الشعر رصانة بشرط أن يكون مقترنا باللغة وتداعياتها وهذا ما يحدث بالضبط في نص رسالة فلا أهمية لأي معنى بمفرده أذا لم يكن ناجم عن توليد رؤى جديدة صادمة فقد تأخذنا لحظة شعرية واحدة في (رحلة حول العالم ) بتوسيع النظر إلى ما يحيط بنا حسب :

اقرأ

وامزق

حتى

تضخمت

جبلا

لعل هذا النص هو استنتاجات الاشتغال الشعري للشاعر العبادي نتمنى أن تتسع لتصبح راسخة الوجود فثمة لمحات مهمة في القصيدة تنبئ بمشروع شعري إذا ما اكتمل سيكون شديد الاهمية.