
رحيل غوركي العراق
حمدي العطار
شكل رحيل الكاتب والشاعر والناقد رزاق ابراهيم حسن يوم الجمعة المصادف 7/9 /2018 خسارة كبرى في الوسط الثقافي لما يملكه الراحل من ابداع وعبقرية (فطرية ) ثقافية في مجالات وأجناس عديدة من ابواب الابداع، فهو شاعر وكاتب ، يملك اسلوبه الخاص في النثر يولج الى عمق الوجدان للقارئ مع رؤية متميزة في النقد،وفي الشعر كان مؤثرا وشفافا ينفذ الى القلب بسهولة.
كان انسانا بسيطا،مرحا على الرغم من صعوبات المعيشة،فهو انتقل من عامل يشتغل في البناء بيده (عمالة) الى شريحة شغيلة الفكر والتنوير، لم يكمل دراسته الاكاديمية ولكنه امتلك ناصية الثقافة بجهوده الذاتية وقد يصلح عليه القول (المثقف العصامي) لا اعرف كنت كلما التقي به في جريدة الزمان التي نعمل بها احس به مثل (مكسيم غوركي) الذي عمل في المخابز كعامل ثم ثقف نفسه ليصبح اعظم روائي روسي.
كان في الفترة الاخيرة من حياته (مريضا) جسديا لكنه ظل صافي الذهن، قوي الذاكرة، متماسك بالافكار، لم يتأثر بالمرض وكأنه يعاند الموت، ويقول انني لا زلت اكتب وانشر حتى آخر لحظة من حياتي، كنت دائما اناقشه عن اخر الاصدرات وهو متابع جيد لكل الاصدارات الجديدة ويكتب عنها ، حتى اسمعه بشكل واضح اذا تكلم علي الانحناء نحوه فقد اصبحت نبرات صوته خافته حزينة، لكن كلماته صادقة ورقيقة دافئة، وحينما يريد ان ينتقد احد بسبب ما كتبه فهو يقول هو (زين) مع ابتسامة غامضة افهم منها قصده بإنه (مو زين) لكنه يختبئ خلف ابتسامته (خلق نبيل)،وتواضع قد لا تجده عند الكثير من الادباء. كنت اقول له اما آن الاوان كي (تتقاعد) ترتاح من العمل؟ يرد علي هل تريد ان تنهي حياتي! انا تعودت منذ 60 سنة من 1968 صدر ديوانه الاول اسرار قراءة الطريق- على القراءة والكتابة حتى اصبحت هي حياتي فعندما اتركها اموت، لله درك يا صديقي وفعلا لم يتركها ابدا حتى آخر لحظة من حياته كان يرسل المقالات الى الزمان كوفاء للجريدة التي عمل فيها منذ تأسيسها. من النادر ان تلتقي وتتوافق بشكل ناجح موهبتي الشعر والنثر لدى الاديب، لكن عند رزاق ابراهيم اكتملت صورة الشاعر المبدع مع الصحفي والكاتب والناقد الناجح، على الرغم من ان الصحافة تسرق الشخص من باقي المجالات الادبية، الا ان رزاق ظل بين حين واخر يقرض الشعر ،عند قراءة قصائد رزاق ابراهيم تحس بعذوبة الكلمات وسلاستها ،اما النثر فعنده صنعة،وغالبا ما كنت اراه خلال دقائق يكتب سردية محكمة في مجل الرثاء لأدباء غادروا الحياة! ومن منا يستطيع ان يعطيك حقك في كتابة رثاء وانت ترحل عنا بعيدا.
كان رزاق انسانا وطنيا،يتفاعل بما يدور حوله على الرغم من عدم خوضه في الكتابة السياسية لكنه كتب الكثير عن السياسيين الادباء وعن مؤلفاتهم، فله كتاب عن حميد المطبعي وكتاب مهم عن عزيز السيد جاسم،اما كتبه الاخرى فقد كانت تجمع بين الادب والعمل النقابي حيث كان يعمل لسنوات عديدة في مجلة وعي العمال حتلى اصبح رئيسا لتحريرها سنة 1971 فصدرت له مجموعة من الكتب توثق الحركة العمالية في العراق من ناحية التنظيم والاضرابات وعلاقة النقابة بالصحافة العمالية والشخصية العمالية في النقابة العراقية وكتاب عن العمال العرب في فلسطين (الارض المحتلة) وكتاب عن النقابة والانتاج. كما اصدر كتاب عن (المدينة في القصة القصيرة) و(رؤية لشارع المتنبي) و(مقاهي بغداد الادبية)
نحن في جريدة (الزمان) نفتخر أذ كان الراحل يعمل معنا كمسؤول للصفحات الثقافية،وكثير ما كان يطرح افكار وأراء جديدة يبتكرها في مجال نشر المواد الثقافية ،وبتواضع ومن دون خجل احيانا يتبنى افكار غيره من الادباء لكنه يشير اليهم باعجاب فلا ضير لديه ان يطبق فكرة الاخر طالما هي مفيدة وصحيحة،كان منظره وهيئته تبعث الحيوية فينا وتحرضنا ان نقدم الافضل مقارنة بما يقدمه من نتاجات متميزة في مجال الادب والنقد والشعر.
لم نتعود ابدا ان تكون صامتا يا صديقي رزاق ،ولم يستطع المرض ان يجعلك صامتا ابدا، حتى انتقلت الى عالم الخلود بعد ان خلدت نفسك بالاعمال الادبية والثقافية ، رحمة الله عليك
























