
السنين ان حكت لزيد الحلي
التجربة الذاتية من خلال مسيرات الآخرين
عبد الامير المجر
للم اتعرف الى زيد الحلي شخصيا، الاّ بعد العام 2003 لكني لااعتقد ان هناك مثقفا، اديبا كان او صحفيا او كاتبا، لم يعرفه او سمع به وقرأ له .. لسبب بسيط هو ان الحلي، لم يكن صحفيا عاديا، يستهلكه مشغل معين ويتحدد في اطاره، بل كان صحفيا شاملا وكاتبا ترك بصمة واضحة، بسبب سعة اطلاعه وثقافته العامة التي مكنته من مد شبكة علاقات واسعة، تمدد هو معها افقيا في عدد المواقع التي عمل بها وعموديا من خلال حرصه على الالمام بما يعمل به، ليجد نفسه في منطقة جديدة، تؤهله لدور اكبر ومسؤولية جديدة .. يضاف لكل هذا ان زيد الحلي، دخل ميدان العمل الصحفي في سن مبكرة، وعمل الى جانب اساطين الصحافة العراقية، وسافر والتقى العديد من الشخصيات وتعرف الى الكثير من التجارب، فصقل موهبته وانضج تجربته على نار هادئة وان كانت نار الطموح بداخله تتقد بقوة!
في كتابه (السنين ان حكت) الصادر عن دار بابل في بغداد العام 2015 والذي اطلعت على بعض منه في موقع (ميدل ايست اونلاين) حيث انشر موادي هناك، يقدم لنا الحلي خلاصة تجربته الصحفية والحياتية، ليس بطريقة العرض التقليدي التي تاتي في الغالب على شكل مذكرات، وانما من خلال لقاءات وحوارات مع شخصيات ثقافية وفكرية وفنية وصحفية مختلفة، وهنا تكمن اهمية هذا الكتاب، كونه يكشف عن ثقافة عامة ممتازة، نقلها باليات صحفي محترف، فجاءت مشوقة مثلما كانت مغنية، ويستشف هذا من طبيعة تناوله الشخصية والزوايا التي دخل اليه منها .. ولك ان تتصور صحفيا يلتقي ويحاور شخصيات متألقة مثل، الشاعر الجواهري والمفكر هادي العلوي وعالم الاجتماع علي الوردي والباحث جلال الحنفي والمفكر عبدالحسين شعبان والكاتب الكبير محمد حسنين هيكل والصحفي الرائد فيصل حسون والروائي عبدالرحمن الربيعي والشاعر حسين مردان والكاتبة ابتسام عبدالله والكاتب عبدالاله الصائغ والقاص والروائي موفق خضر والمخرج عبدالهادي مبارك والمسرحي سامي عبدالحميد والكاتب د. شاكر مصطفى والقاص والروائي عبدالستار ناصر والمصور امري سليم والاديبة والصحفية انعام كجه جي والتشكيلي جبر علوان وغيرهم، ممن تركوا انطباعا في ذاكرته وكتب عنهم، مايعني ان الحلي امتلك من سعة الاطلاع ونضج التجربة ما يؤهله ان يقول رايه في كل من التقاهم او عرفهم من خلال مشغله الصحفي او تجربته الحياتية التي تقف فيها هذه القامات الابداعية شاخصة في درب الحياة المكتظ، لتكون اشبه بالمثابات، تهدي من يريد الوصول الى حقيقة ما .
لقد استوقفني كثيرا ماكتبه عن هادي العلوي، وتدوينه لبض طروحاته ذات الطابع الحساس، والتي تشف عن شخصية العلوي الزاهد المتصوف في محراب الكلمة، والذي يراه البعض تطرفا في الزهد، عندما يسقط العلوي جوانياته هذه على موقفه من شخصيات ثقافية وابداعية عربية، ويكون ناقدا لها من دون ان يذكر الاسماء، كونه يراها تتغنى بشعرها في الفقراء بينما تحلم ان تسكن القصور، وتتقرب من الحكام للحصول على مكاسب! وللعلوي موقف من المثقفين العرب، قد يكون قاسيا، اذ يراهم مدجنين او يعيشون في ابراج عاجية وبعيدين عن هموم الناس، وفي العموم، للعلوي اراء سياسية يراها كثيرون نابعة من رؤية ذاتية مغرقة في المثالية! ولعل طروحات العلوي من اكثر ماشدني، وان لم اتبنها لكنها بالتاكيد تعكس رؤية مثقف وباحث ومفكر غير عادي .
بلاغة اللفظ
لا اريد ان استعرض كل ما جاء في الكتاب، لان هذا غير ممكن، ولكني وجدت نفسي اتوقف عند بعض الالتماعات التي يبثها الحلي اثناء عرضه، ففي معرض حيثه عن هيكل الذي التقاه اكثر من مرة .. اعجبني وصفه له بانه .. .(( ويكفي انه (خلّص) اللغة العربية من بلاغة اللفظ وانتقل بها الى بلاغة الصورة .. وجعل اسلوبه وحيدا متفردا وهذا ما اشعر به في الاقل)) ..واقول للحلي لست وحدك ياصديقي من شعرت بذلك، بل كل من قرا هيكل وتمتع بجمال الصور الشعرية المبثوثة في كتبه السياسية! بل انه يكتب في السياسة بلغة اديب له لغته الخاصة المتخلّصة من زوائد البلاغة، او الادب الرفيع الزائف، وفقا لرؤية علي الوردي، الذي قال مرة انه استمع الى عبدالناصر وهو يلقي خطابا، وقد تمتع بلغته التي جاءت خالية من البلاغة المتحجرة، التي لو تحدث بها لأفسد خطابه، او هذا ماقاله الوردي في كتابه (اسطورة الادب الرفيع) وانقل هنا بالمعنى وليس بالنص.
لاشك ان الحلي عندما يلتقي شخصية ما، لابد له من ان يطلع بشكل مقبول في الاقل على نتاجها، وهذه من ابرز سمات الصحافة الرصينة التي نفتقدها اليوم، مايعني ان هناك جهدا قرائيا واسعا بذله الرجل، توزع سني عمره ومنذ بدايات الشباب الى اليوم، وان هذا الخزين الكبير، لابد له من ان ينسكب وفي اوانه، اي بعد ان يراجع الكاتب تجربته وينقدها ومن ثم يعيد انتاجها، اي يقرا سيرته بعين الناقد، ويشخص مناطق القوة والخلل معا، وبذلك تكون رحلته العملية، تجربة حية، يضعها امام الاخرين او بعضها، وهو مافعله زيد الحلي الذي انصفته الكاتبة والروائية انعام كجه جي، في مقدمتها للكتاب التي نقتطف منها ..(( .. هو مستعد لان يهيم في البراري والقفار، مثل قيس بن الملوح، في سبيل خبر ينفرد به، او عمود يكتبه بفكرة جديدة، او لقاء خاص ينطوي على معلومات واسرا لم تكشف من قبل …)) ولعل الذي يطلع على سيرة الحلي من خلال نشاطه الكتابي والشخصيات التي التقاها، سيعرف انه حقا كما وصفته كجه جي ..
يضاف الى هذا ما نعرفه نحن عنه، وعن اللقاءات الكثيرة الاخرى التي اجراها مع فنانين ومثقفين عرب وغيرهم، وما كتــــــــبه ويكتبه الى اليوم ..انه فعلا شخصية صحفية جديرة بان يحتفى بها، بالدرجة التي احتفى هو نفسه بالاخرين وقدم خلاصات افكارهم، من خلال هذا الكتاب او غيره مما كتب في رحلة طويلة زادت على نصف قرن من الزمن.























