الربط بمظاهر التخلف

الربط بمظاهر التخلف

نبذة عن النقد الأدبي وحياتنا

عبد المحسن عباس الوائلي

اقولها بأسف شديد وشديد جدا ونحن الان في اسوأ الظروف فأن ثقافتنا اضمحلت منذ بدأ الحرب العراقية- الايرانية ولولا خشيتي منكم لقلت وانتهت في مثل هذه السنين العجاف.. فها انكم ترون بأم اعينكم كيف اصبح الكتاب مهملا.. وفي تلك السنين كنا نقول ان تاريخ الادب في العراق منذ اول القرن العشرين حتى اليوم بحاجة الى تفسير معمق يربط بين تخلف الادب في مضمونه وشكله وبين تخلف حياتنا العامة في مجالاتها المتعددة.. ولا ريب في وجود علاقة وثيقة بين الادب والحياة.. ولا نعني هنا ما يعنيه القائلون بوجوب رصد الادب نفسه في سبيل الحياة والكفاح ضد الآفات المصطنعة التي تعوق انطلاق الشعب نحو مستقبله وحريته وكرامته وهو ما يطلق عليه (الادب للحياة) وانما نعني بالحياة بكونها ظرفا زمانيا ومكانيا ينشأ فيها الادب وتختلف عليه ما تختلف على الحياة نفسها من تيارات وظروف تحوله من حال الى حال ومن صفة الى صفة تناقضها او تتشابه معها في بعض الوجوه.

وباعتبار ان الادب نشاط اجتماعي صرف مهما اختص بعض ابوابه في التعبير عن ذات الاديب الوجدانية والانفعالية فانه خاضع لما تخضع له الحياة التي يعاصرها من حوافز التطور والتخلف ودواعي الابداع والركود.

ومن هنا فأن كل بحث في الادب العراقي الحديث وتطوره وانتكاسه لا يربط بينه وبين حياتنا العامة وحقيقة الظروف الداخلية والخارجية والتاريخية التي اعطتها شكلها ومظاهرها لايمكن ان يكون بحثا جديا في بابه.

ونحن إذ نؤكد ارتباط الادب ظاهرة من ظواهر الحياة الاجتماعية يعود وجوده على وجود عدد من البواعث المتصلة باحساس الشعب ووجدانه، كما ان دراسته من خلال علاقاته بالحياة واستمداده طموحه منها يستوجب ناقدا يتوفر فيه الاحساس الغني المشبع بالوعي والادراك لاكتشاف علائق الادب العضوية بالحياة وتمثله لحاجاته واستجابته التلقائية لمثلها واشواقها.. وبالتالي تحميل الحياة ذاتها قدرا من تبعة تخلف الادب في العراق الذي لاريب فيه.

ومن ثم تدرك اهمية الناقد الادبي في حياتنا الادبية.. وليس عمل الناقد الادبي، في حقيقته محصورا في تفسيره لتاريخ الادب وتلمسه علاقاته بالحياة ونحوها فقط بل ليس عمله في هذا الباب هو احسن ما ينتظر منه.. إذ ان مهمة الناقد بالنسبة الى واقع ادبنا في الوقت الحاضر ورصد نشاطه وتسجيل تياراته ومظاهره ودرس تأثره بالآداب الانسانية المعاصرة له والآداب التي ورثناها من الاجيال القديمة وغير ذلك تجعل من وجود الناقد الواعي ضرورة من الضرورات التي لايمكن للأدب وللحياة العقلية الاستغناء عنها.. ولعلنا لانبالغ اذا ارجعنا بعض اشكال التأخر في حياتنا الادبية الى عدم وجود ناقد ادبي من ذلك النوع.

تزيين الحياة

والملحوظ انه حينما يوجد ادب يستوعب طموح الشعب ويساهم في نوعيته ويصور آلامه وآماله ويرسم له طريق مستقبله ويزين له الحياة ويقوي عراه بها يوجد ناقد على طرازه في سعة المعرفة وشمول التجارب يقرب مفاهيمه الى قرائه ويسير لهم اكتشاف جوانبه الفنية الخالصة والجوانب التي تعمق معرفتهم بالحياة والناس والكون.

وعلى نحو ما تعددت مدارس الادب واختلفت مذاهبه وتنوعت صيغه ومضموناته ظهرت في مجال النقد مذاهب شتى تلتقي وتختلف في فهمها للادب وفي موقفها منه وفي تحميله اعباء من نوع ما ازاء الحياة والناس الذي يظهر بينهم.. وليس بينها احرى بالتقدير في الاتجاه الذي يعتبر النقد مجالا عقليا قائما بذاته.. مستقل الشخصية والملامح وله اعتباره الخاص ووظيفته الهامة بالنسبة الى الادب والى المعرفة والى حياة البلاد الفكرية بأجمعها.

وبالنسبة الى ظروفنا فأن النقد يواجه عددا من المشاكل التي لاتبدو مواجهتها سهلة خصوصا وان النقد الادبي بمعناه الاصطلاحي لا وجود له في ادبنا.. ولا يظهر من سياق حياتنا الادبية الحاضرة ان مثل هذا الفن على وشك الظهور في الوقت القريب.

وبالنظر الى ان النقد الادبي قد ظفر في مصر ولبنان بعدد من الكتاب ذوي الخبرة والاختصاص بالنقد فانه من الحق ان يتوضح لنا بحكم اتصال اكثرنا بآثار هؤلاء موقف النقد من الادب الذي يمارسه أدباءنا ومن مدارس الادب المعروفة، ومدى تقبله بنظرية الادب الفني البحت او الادب الذي يجند نفسه لخدمة قضايا الانسان اليومية وحياته الاجتماعية.

والشيء الذي لانحب ان نغفله هنا هو ما تتعرض اليه اكثر فنون الادب اليوم من ضعف في الصياغة وضعف في القيمة الفنية بسبب من التوسع في فهم نظرية الادب للحياة.. وكان ذلك على الاغلب نتيجة استغلال بعض العناصر الغريبة على الادب لهذا المفهوم وللظروف الاجتماعية او السياسية التي تتطلبه في بعض الحالات مما ادى الى التضحية بالمظهر الفني للادب بحجة التعبير المباشر عن الحياة السياسية والاجتماعية للشعب.. وكانت بواعث اكثرهم لا صلة لها لا بالناس ولا بالحياة ولا بالفن الادبي على الاطلاق.وبالقياس الى حياتنا فأن الادب مدعو الى الوقوف بجانب الانسان في العراق يوضح له طريقه في المعترك الذي يخوضه ضد عدد من القوى العدوانية التي ترفع عقيرتها اليوم للدفاع عن المفاهيم الرجعية خدمة للاستعمار وعملائه.. ولابد ان النقد في مثل هذه الحال يقيس نجاح العمل الادبي بتوفر العناصر الانسانية والشعبية فيه ولكن هذا لاينبغي ان يغفلنا عن المقومات الاساسية في كل عمل ادبي وهي قدرته على الانفعال بموضوعاته وعرضها عرضا ايحائيا صرفا.

ليس من غرضنا في هذه السطور ان نعرض الافاق التي يعيش فيها النقد الادبي المعاصر وعدد مدارسه واخضاعه على يد بعض اعلامه الى توجيهات فلسفية ومعميات اخرى نجدها في الكتب النقدية التي تترجم من الاداب الاجنبية الامريكية والانكليزية وغيرهما.. إذ ان حظ هذه الكتب من الحذلقة والتعمل اكثر مما نستطيع ان نوفره للقارئ وللدارس من وسائل فهم الادب ونقده.. ان حركة النقد الادبي ذاتها حركة ضرورية تستلزمها بالدرجة الاولى علاقة القراءة بالادب وطبيعة هذه العلاقة التي تتباين بين قارئ وقارئ على حسب كفاءة كل منهما لاستيعاب العمل الادبي والتجاوب معه والانفعال به.. ونحن نعلم انه لايمكن توحيد موقف الناس من العمل الادبي بسبب من طبيعته الوجدانية وخصائصه الذوقية.. وقد نشأ نظر الناقد نفسه.. وعلى الرغم من ان هذه المبررات ظلت هي الاخرى موضع اختلاف بين قراءة الادب لاعتمادها العاطفية فانها ايضا وفي حدود معينة ساعدت على تهذيب الاحكام الادبية وانتشالها من ملابسات الهوى والاغراض الشخصية غير الفنية.. ولكن تطور الحياة الانسانية البالغ في هذا العصر وتغير الاتجاهات والميادين والادبية ووسائل التعبير الفني دفع النقد الادبي الى العمل لجعل نفسه علما او منهجا له اصوله وقواعده وتقنياته الخاصة به.. وقد افسد هذا التطور المبالغ به طبيعته، إذ بينما كان مرجعا لفهم الاعمال الادبية اصبح هو بحاجة الى مرجع لفهمه.. وقد شهدنا كثيرا من السخف المحمول اعتباطا على النقد.. ولكن هذا لم يمنع فئات اخرى من ممارسة النقد في مجاله الخاص الذي يحاول تيسير فهم العمل الادبي ومساعدة القارئ على استيعاب خصائص الذاتية الفنية.

انتظار النقد

اما بالنسبة لنا فأننا ننتظر من النقد عملا اساسيا يفرضه عليه واقع الاداب في العراق في الفترة القائمة وواقع حياتنا الاجتماعية والسياسية والفكرية بوجه عام.. واذا استبعدنا من نطاق عملنا التطورات الاخيرة في النقد التي احالته الى موضوع فلسفي او قريب من الفلسفة فاننا نتوقع منه عملا توجيهيا صرفا، لتشجيع الادب الذي يتناول من خلال ذاتيته الانفعالية قضايا مجتمعنا ومشاكله الوثيقة العلاقة بحياة الانسان المعاصر في العراق ومستقبله.. وان كل عمل ادبي من هذا النوع واجب الرعاية من قبل الناقد قبل كل شيء.. ويكون عمل الناقد ازاءه ان يشرح خصائصه وطريقة فهمه لموضوعه ومدى ما يضيفه الى خبرة الانسان العراقي في طريق الكفاح ضد العدوان والاستعمار والرجعية وفي طريق استعلائه على نفسه.

ان طريقنا اليوم حافل بالغرائب والبدوات التي يضيق بها الحصر.. بعضها طبيعي تستوجبه ظروف التحول من نظام الى نظام وبعضها مصطنع تفرضه علينا قوى عدوانية لاتستحسن اخرجنا من الاطار التقليدي الخانع الذي كنا فيه..

وفي هذه الحالة يتعين على الادب بصورة خاصة وبدون اللجوء الى التضحية لعناصره الفنية ان يرصد خلائق الشعب المبدعة وفطرته السليمة لحيثها على الاستمرار في الكفاح في سبيل انسانية تامة وحرية بناءة وثقة بالحياة وبالمستقبل وبالظفر.وفي الوقت نفسه يتعين على الناقد الحرص على المفهوم الاجتماعي للادب بتسديد خطواته، والحدب عليه واعطائه قدرا من اهتمامه يفوق ما يعطيه لسواه من المفاهيم الادبية.. كما يتعين عليه في مجال الحكم على العمل الادبي ووصف علاقته بالحياة وتقدير قيمه الفنية او توضيح تخلفه في هذه المجالات ان يحاول ربطه بمظاهر التخلف الواقعة في حياتنا العامة ذاتها.. إذ لاشك في ان الادب -بوصفه ظاهرة اجتماعية- يتأثر بما تتأثر به الحياة في العوامل الطبيعية والخارجية، وان ارتقاءه مرهون حتما بارتقاء مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية على الخصوص.