
الفنانة التشكيلية السورية نضال سواس :
أرسم اللون شعراً وأكتب القصيدة رسماً
عادل الميالي
نضال سواس تشكيلية سورية مغتربة ،حققت حضورا فاعلا في المشهد التشكيلي السوري عبر أعمال فنية متنوعة تراوحت بين الأسلوب التعبيري والتجريدي ،فضلا عن لوحات تجسد الطبيعة تنتمي إلى التعبيرية الـــشاعرية .
سندبادية الترحال بين أكثر من مرفأ إبداعي ،شكلت ملمحا بارزا في مسيرتها الفنية ،مستندة في ذلك إلى مرجعياتها الفنية متمثلة بدراستها للرسم والنحت ،إضافة لمرجعياتها الثقافية والمتجسدة بمعرفتها بالأدب والميثولوجيا والفلسفة وكتابتها للشعر ،فضلا عن محيط عائلي يقدس الفن والثقافة والموسيقى ،كل ذلك أسهم في بلورة تكوينها الفني ،واعطى للوحتها دفقا وتوهجا وثراءا كبيرا .
لوحات الفنانة نضال سواس تحمل بصمة فنية خاصة ،مستندة في ذلك إلى عفويتها وصدقها للتحليق في فضاء التشكيل ،مرسخة عبر ريشتها الحالمة ودقة تقنياتها ،سلامة فطرتها ،وتنوع ثقافتها البصرية والمعرفية ،لذلك فهي لا تنتمي لمدرسة فنية بذاتها ،بل تسعى إلى المزاوجة بين الشكل والمضمون ،ومن هنا فان لوحاتها نصوص فكرية قبل أن تكون بصرية ،إذ تعول على إستدعاء فكر وعقل الرائي لفك شفراتها بهدف خلق حالة حوارية تطرح من خلالها أفكارها وتساؤلاتها .. إنها خيارات إبداعية تنوعت مرجعياتها ما بين التشكيلية والشعرية بتراتبية اللون والمكان والزمن .
الجرأة تبدو شاخصة في لوحات سواس بهدف التعبير عن الذات ،إذ تبرز المرأة كجسد لكن بلا ملامح ،كل ذلك للتعبير عن حالة الاغتراب أو الألم الذي تعانيه .
تميزت لوحات الفنانة نضال بالألوان الحارة والقوية المعبرة عن رومانسيتها الحالمة ،حيث ان اللون في أعمالها يعبر عن نفسه ،ويخلق من تعابيره الأخاذة لغة شعرية عبر فضاءات لونية متماوجة ما بين الواقع والخيال ،فهي فنانة إرتشفت من الشعر ،لذلك جاءت لوحاتها عبارة عن قصائد لونية مشبعة بشغف القراءة وحب العطاء .
لوحات نضال سواس نصوص مفتوحة تفيض بالبوح الجمالي والإحساس بالجمال ،فهي أقرب إلى القصائد الشعرية التي تضج بالموسيقى والومضات الحسية والوجدانية ،فضلا عن الحكايات التي تروي هموم الوطن الجريح .
في هذه المساحة نحاول ملامسة بعض من تجربة هذه الفنانة ورؤاها الفنية والجمالية في مجال الرسم ،فكان هذا الحوار :
{ متى رأيت الفن يشكل هاجسا لك ؟
– الفن طيلة حياتي هاجسي .. لا أستطيع أن أحيا دون الفن ،هو هاجسي الأول وسعيي لأقدم فيه البحث الدؤوب والمتجدد للوصول به إلى أعلى مصاف استطيع بلوغه ،أجده رسالتي ولا أبخل به على طلابي ،أريد تقديم الفن كما يجب ليكون الفن الحياة …أريده أن يكون عالما رائعا وجميلا وليس حركة نزقة بزمن عابث .. فالفن رسالة نبيلة وواعية وشافية لكل روح تهوى السكينة .
المحيط العائلي
{ نشأت في محيط عائلي يقدس الثقافة والموسيقى ،ما أثر ذلك في بلورة تكوينك الفني؟
– لا شك أن التأسيس هو أولى خطواتنا للإنطلاق … حين تغرس بك الأسرة أولى بذور المعرفة ويكون لها التوجيه الواعي نحو ما هو أرقى وأجمل ،وبالتالي ما يكون المؤسس الأول للشخصية … فهذا أمر بلا ريب مهم جدا في التكوين النفسي والفكري وبالتالي الأخلاقي .. كان لأسرتي الدور المهم بحياتي حيث كانت الثقافة من أوليات اهتمامها .. أكبر مكتبة تجمع أعدادا هائلة من الكتب العربية والإنكليزية والفرنسية ،كانت حافزي الأول للإستنارة بتوجيه ملح ومحبب من الأهل ،فضلا عن العدد العجيب من كتالوجات الأعمال الفنية لكبار وأهم فناني العالم ،كانت مرجعا مهما لي واستراحة ممتعة ،بل ملجأ دائما لروحي ،ولم يخل الأمر من الإهتمام بالموسيقى ،إذ كان لابد من المثابرة على دروس البيانو والاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية التي كان والدي عاشقا لها .. كل هذا أسهم في تشكيل روحي بهذا الشكل .
{ ماذا عن المرجعيات التي ساهمت في بلورة تكوينك الفني ؟
– لا شك أن ما قرأته واطلعت عليه من خلال دراستي وبحثي كان الأساس ،فالتعرف على المدارس والمذاهب الفنية أساس لكل انطلاقة .. هذه التعددية التي تحيط أبواب الخيال بأثيرها فيحلو لي أن أمر بهذه البوابة أو بتلك أو تلك .. عوالم لا بد للفنان أن يدركها جميعها للوصول إلى ما تبغيه ذاته وماهي الأقرب إلى نفسه .. أن يصل إلى ذاك الشغف الذي يلامس الروح .. كان لي عدا دراستي بالفن ،ما كان من شأنه أن يسهم في بلورتي كفنانة وهو أستاذي الكبير الفنان العالمي فاتح المدرس صديق والدي وموجهي الأول فنيا.
الخطاب البصري
{ ماهو الخطاب البصري الذي تودين الإفصاح عنه ؟
هو هذا الحوار الداخلي الدافئ الذي سرعان ما يتحول إلى حالة من العشق ما بين العمل الفني والمتلقي حين ملامسته لوجدان المتلقي محركا به إحساسه ومشاعره ومثيرا فيه التساؤل .. أسعى عبر أعمالي على ربط روح العمل وجماليته مع الفكر أو الشكل بالمضمون ،ولا أنكر انني أسعى لمخاطبة العقول أيضا طارحة بهذا جمعا من التساؤلات الفكرية والفلسفية ضمن رموز أسعى لتحديثها بعيدا عن الأشكال السابقة المتعارف عليها .. إثارة الدهشة .. الرغبة .. القلق .. وحب الإكتشاف والفهم .. عملي ينبغي أن يكون صرخة بطريقة ما .. صرخة يسمعها المتلقي .. وربما أيضا إنشودة عذبة أداعب المتلقي بروحه وأشاغب معه بفكره .
{ من أين تبدأ اللوحة عندك ؟
– تبدأ من شهقة أحتويها بداخلي لأطلقها زفرة دافئة كحلم بدفء صيفي في يوم عاصف .. توجهني روحي .. فأكون بحال من ثمالة عجيبة .. تفصلني عن كل ..ما يحيط بي فأغوص وأغوص بعيدا .. كما بقعر بحر .. أو ربما أتحول إلى حصاة بيضاء تدور وتدور في دوامة النهر مع كل خط وروح ونفس لأستقر هناك بعيدا .. في قعر عالم من لون وخط وهارموني ما بين ضجيج واستراحة هدوء .
{ هل أنت مع التحرر من المفاهيم التشكيلية وقيمها التقليدية ؟
– أنا مع إحترام الأسس السليمة التي يبنى عليها الفن التشكيلي .. مع الجاد والحقيقي منه بعيدا عن العبثية التي تطيح بمقوماته دون إحترام ،لكن بالوقت ذاته مع فهمه وتطويع أدواتنا ضمن بحث جاد وقيم وحقيقي ،بعيدا عن الهزالة لتقديم ما من شأنه أن يرفع من الفن التشكيلي أكثر كقيمة ثقافية واعية وواعدة .. التحديث مطلب عصري حقيقي في زمن اللامعقول ،من الجميل للفن أيضا أن يجنح إلى اللامعقول الجميل المبهر والممتع .. أنا مع الفكر المتماهي بالفن لكن قطعا ضد تحوير الفن التشكيلي إلى البشاعة ،من الممكن اللجوء إلى ما يغني فكرة ما لفترة ضمن أعمال بسيطة في مجال التعبيرية مثلا على أن لا نمتد إلى المبالغة في الإستمرار بها ..الفن حياة فلنعيشه بجمالية وذكاء عقل ومتعة .
{ كيف تقرأين ذاتك من خلال اللوحة ؟
– أجدني من خلال جدية ما أقدمه أحاسب نفسي ،وقد أسعى لترويضها إن شعرت بها قد غالت بحدتها وأتعبت المشاهد ،حينها أفهم نفسي أكثر وأعود إلى تقديم لوحاتي بالطبيعة مثلا أبتعد عن لوحاتي الفكرية لصخبها إلى حين ،لكني أعلم أنني حين أقدم ما أقدمه من فن متواءم مع الفكر والفلسفة من خلال فانتازيا معينة أكون قد قدمته بروح الفنانة الموجهة للفكرة والموقف ،فالفن موقف من الحياة ،والفنان فرد لا يمكن انسلاخه عن مجتمعه ،إن وجدتني في بعض ما أقدمه فنانة فاعلة أرضى عن نفسي وعن دوري ورسالتي.
الجسد الأنثوي
{ هناك إحتفاء بالجسد الأنثوي في لوحاتك ،فهل الجسد عندك حامل لدلالات الذات ؟
– هو تواجد حقيقي كنوع من الترميز لإعطاء دلالة فكرية معينة إن اعتبرنا الحياة كقاموس للمفردات .. وهكذا أجد أن المرأة بالشكل المجسد كجسد إنما هو لبسط عدة مفردات كمعنى ومدلول فكري ورمزي غير متناسين لقيمة الجسد الأنثوي من ناحية التكامل الجمالية بجزئياته .. تجد فيه لدي مدلولات فكرية تعبر بجزئياتها ترابطا مع أجزاء جسد المرأة تشير إلى معاني الحياة كخصب وعطاء وفكر وأمومة وإغواء وطهارة وحتى بعض من القدسية أو حتى التنوير أو القهر أو الكبت ،وممكن أن يكون جسدها عندي رمزا للمدينة أو الطبيعة أو الخديعة .. تناولت عدة مواضيع عبر جسد المرأة .
{ هل الشعر مصدر مهم يسهم في إغناء تجربتك الفنية ؟
– الشعر فعلا مصدر مهم بالنسبة لي ،يغني تجربتي الفنية تماما ،لا أستطيع الفصل بينه وبين الفن ،فكلاهما جزءان متماهيان لضفيرة واحدة تنسج مع روحي ،أكتب الشعر رسما وأرسم اللون شعرا .
بوح اللون
{ ألوانك صاخبة ومشعة ،فما الذي يبوح به اللون لديك ؟
– ألواني صاخبة ومشعة ربما كروحي العابثة مع الطبيعة والتي لا تهدأ بعطائها .. اللون شغفي وعشقي وانبهاري ، فكل لون لدي أراه كقصيدة عشق أتوجه إليه بحب واصطفاء ودعوة للتواجد على سطح لوحتي برقصة موسيقاها لا تنتهي لدي.. قد أرهقه أو أدوخه للون حتى يتماهى ويتداعى أو يبدأ في التلاشي بهدوء لذيذ .. أحب الألوان .. أحاورها فتجيبني بجذل .. ربما هو مكري معها ما يجعلها تتحرك بحيوية وإشعاع .. لا أحب اللون الكسول .. لا أسمح له بالكسل إلا بأمري.. أجعله يتهادى كخاتمة للوحتي .. هو عالمي الرائع .. فليشع معي وبي وبداخلي.
{ الفنان المسؤول عليه أن يبحث عن معنى الوجود ،ما معنى أن نكون في هذا المكان والزمان ،وما المطلوب ؟
– أجمل به من سؤال ! معنى الوجود .. تسألني عن معنى الوجود من خلال فني ؟ ربما أدعوك معي بكلمة .. (صه) ! فلنسمعها سوية موسيقى الوجود .. يبقى السر الأبدي الذي يبحث عنه كل إنسان وكل فنان .. أريده أن يبقى سرا ،لا أحب أن انتهي إلى معرفته كلما بحثنا أكثر كلما منحنا أكثر … الفنان أراه يحلق بعيدا ضمن قوة نابذة ،لا تلبث أن تبعده ثم ترسله من جديد ضمن حلقات من وجود مسافر ببعد آخر له إنعتاقه الكلي من الزمان والمكان .. هو الخالق لمجاله الحيوي الوجداني ،أنا المنعتقة أبدا من كل هذه الحلقات ،لا استطيع الدوران بها ،ربما من الصعب أن تستعيدني إليها حلقات الزمان والمكان ،أجدها بطريقتي الخاصة وأعيشها لكن كخلاصة .. الفن كرسالة العطاء الأمثل للبشرية الكرم الإنساني الذي يقلب الآية .. الذي يغدق على الحياة فيغنيها .
{ ماذا عن تجربة الإغتراب ،وهل ألقت بظلالها على منجزك الفني ؟
– لا شك ان الإغتراب ساعدني على فتح آفاق جديدة لروحي ولعطائي ،وبالتالي الإطلاع على المخزون الثقافي المذهل للشعوب الأوربية والفهم لنفسية الفنان الغربي ،وأيضا كان عاملا مساعدا لفهم عالمه الفني ،وهذا ما لمسته من خلال تدريسي للفن بمعاهد فنية بستوكهولم ومن احتكاكي بكبار فناني السويد وألمانيا واسبانيا من خلال معارضي ،الإغتراب تجربة مهمة جدا بحياة الفنان ولا ننسى أيضا دور الإستشراق لدى الفنانين المستشرقين بالعصور الماضية ،دائما الدخول بعوالم مخالفة لبيئتنا وطبيعتنا يكون له تأثيره الإيجابي أيضا من خلال الفهم والملاحظة والتعمق والتنور .
الذاكرة البصرية
{ صورة الوطن ،هل هي حاضرة في ذاكرتك البصرية ؟
– صورة الوطن حاضرة أبدا في ذاكرتي البصرية .. جسدته كثيرا في لوحاتي عن الطبيعة بالابيض والاسود ،وبالتالي فالوطن موجود بالذاكرة …الوطن تغريبة قاسية ورحلة معاناة .. معاناة شعب في حال القهر والحرب والظلم والتشتت .. لا يغادر الوطن ذاكرتي مستحيل ..هو بين ثنايا خطوط بصمتي ولوني وروحي .
{ أليس الفن استرداد للذات عبر بسط لخطوط وألوان ،ومصالحة ما بين روح الفنان وواقعه ؟
– ما يجسده الفنان عبر خلاصة روحه وفكره فانه يحقق التوازن الإيجابي في زمن غاص بسلبية القهر .. إنه تركيبات مضيئة ،قطعة من كريستال متعددة الزوايا تبهر من كل جوانبها ،وإمتلاء بالإيقاع الداخلي للمبدع مشبع بأقصى حالاته.
{ أين تكمن جمالية وتعبيرية المنجز الفني ؟
– إيقاظ الدهشة بعد سبات وذهول …تحريك الروح لتسير رغما عنها باتجاه هذا العمل الفني كما لو كانت غيمة تسير رغما عنها لتهطل قبلا من مطر ….أن تصرخ بأن هذا العمل جميل مدهش ومستوف لكل شروط الفن الذي هو رغم هذا عالم حر .
{ مفهوم الفن من وجهة نظرك ؟
– هو إبتهال وإستدرار للحظة تبقى ولا تفنى .. توق جارف إلى الفكاك من أسر النسبي واقتراب من المطلق .. حلم البلوغ إلى ذرى الخلود .. لملمة لشذرات من فضاءات الذاكرة وصوغها شعاعا يمتد إلى الأبعد .. متاهة في أبعاد الزمان والمكان ،وتماه مع الكون .. طريق سفر من النسبي إلى المطلق ،من المحدود إلى اللا محدود .. امتداد من لحظة زمنية آنية إلى ماض بكل ما فيه من تراث وأساطير وتاريخ .. هو رحلة الحلم إلى المستقبل وتوق التحليق بأجنحة خيال تعانق لوحة . أمل بسرمدية الخلود ،إختزان آلاف السنين ،وذبذبات فيها لهاث الحاضر يسكب من الوجدان عصارة فنه ليفجر اللحظة .. ومحاكاة للفكر والروح عند المتلقي .























