حديث طائفي صريح (1)

حديث طائفي صريح (1)
تحذير وتحذير
كتبت هذه المقالات الأربع ليقرأها كل واحد من أهلنا الكرام في سوريا (بل إني لأتمنى أن يقرأها كل مسلم في الدنيا). ولكني أعلم أن أي جماعة من الناس لا تخلوا من وسط وطرفين، فطائفة تمشي في عُرْض الطريق واثنتان عن يمين وشمال، وهؤلاء منهم من يقترب من الوسط فينجو، ومنهم من يبتعد إلى أقصى الطرف فيَشقى ويُشقي. وكل فضيلة في الدنيا تتوسط طرفين ذميمين، فالشجاعة وسط بين الجبن والتهور والعدالة وسط بين التخاذل والانتقام، وكما قال شاعرنا القديم: ôكلا طرفَي قَصْد الأمور ذميمُ .
من أجل هؤلاء وهؤلاء، الذين تركوا وسط الطريق واختاروا طرفَيه، كتبت هذه الحلقة والتي بعدها. هذه للذين بالغوا في اللطف واختاروا التفريط، والأخرى للذين بالغوا في العنف واختاروا الإفراط. على أني أعترف بأنني أفهم من أين جاء الآخَرون (الذين لم يوجدوا في سوريا قبل الثورة)، فلو أني سكنت في حي من الأحياء أو قرية من القرى، ثم جاء القَتَلة من حي علوي مجاور أو قرية علوية قريبة فنحروا أولادي أو حرقوهم وهم أحياء، فربما تضرّمتُ وطار صوابي فناديت بنحر أولادهم وتهديم قراهم فوق رؤوسهم (وأرجو أني لن أفعل). أفهم من أين يأتي أهل الإفراط، ولكن لا أفهم أبداً من أين يأتي أهل التفريط الذين يَدْعون إلى النسيان والغفران، ويريدون أن نعود كما كنا قبل الثورة لندخل في دُوّامة العذاب والآلام من جديد!
كتبت المقالتين من أجل هذين الفريقين؛ في هذه الأولى تحذيران للفريق الأول، وفي الأخرى مناشدتان للفريق الثاني، على أن مناشدة لا بد منها عبرت بين التحذيرين الأوّلين.
التحذير الأول معجَّل بين يدي الانتصار: احذروا الدعوة إلى التسامح والعفو عن المجرمين، فإنها خيانة لدماء الشهداء وتضحيات الضحايا وعذابات المعذّبين.
سوف يأتي الذئاب غداً بلباس النعاج يتمسحون ويطلبون الصفح. ولسوف يذرف قومٌ منّا الدموع ثم يحدثونكم عن غاندي ومانديلا والتسامح والغفران. أولئك أنبياء ôالمصالحة الوطنية ، وإنهم لمن سلالة سَجاح ومسيلمة، أنبياء كذبة مَن صدّقهم أوردوه النار، نار الدنيا المحرقة الهوجاء! سيقولون إن أولئك المجرمين كانوا مُرغَمين ولم يشاركوا في الجرم مختارين، سيقولون إنهم ثروة من التجارب والخبرات التي لا يليق بسوريا أن تخسرها. إياكم أن تصغوا إلى هذا الهراء، لا يخدعنّكم الفراء ولكن انظروا إلى ما تحت الفراء، فإن الذئاب تبقى ذئاباً ولو تجلببت بجلابيب النعاج والخراف، ولا ينام مع العقارب في فراش واحد إلا غافل أو مجنون.
حالما يسقط النظام ستسمعون كلاماً من أعجب الكلام، سوف يظهر قوم يدعونكم إلى المصالحة ويتحدثون عن طيّ صفحة وفتح صفحة والنظر إلى الأمام. سوف يحدث ذلك لا محالة، فإن هؤلاء الناس موجودون دائماً. لن أحاكم نيّاتهم ولا تهمّني دوافعهم، أخيرٌ هي أم شر، لكنهم موجودون وسوف يقولون ما يقولون.
لا تُصغوا إلى ما يقولون، لا تصغوا إلى دعاة التصالح والتسامح والنسيان والغفران. كيف يجوز أن نتسامح مع من قتل أطفالنا واغتصب نساءنا وعذب شبابنا ودمّر بلادنا وأكل أعمارنا؟ إن هذا لا يكون. لا ترضوا إلا بالقصاص، القصاص الكامل من أصغر مجرم إلى كبير المجرمين، القصاص العادل الذي يقرره الشرع ويحكم به القضاء، بلا زيادة ولا نقصان.
ولكني أناشدكم أن لا يسعى أي فرد إلى الاقتصاص بيده، فإن هذا الباب إذا فُتح حوّل المجتمع إلى غابة، فيأكل المذنبُ البريءَ وتضيع الحقوق وتسيل الدماء بالحق وبالباطل. إنها ستكون محاكم وتكون محاكمات، ففوّضوا إليها القصاص واطلبوا منها العدالة. وإني لأرجو أن لا يبقى مجرمٌ بلا عقاب، ولكن لا يَحزُنْكم لو أن يد العدالة لم تصل إليهم جميعاً، فإنه لا بد أن ينجو كثيرون لأن عدالة الدنيا قاصرة مهما أخلصت ومهما بالغت في الاستقصاء. لا تحزنوا إن رأيتم ذلك، فإن مَن نجا من محكمة الأرض تلقفته محكمة السماء، هنالك الجزاء الحق في دار البقاء.
التحذير الثاني مؤجَّل لما بعد الانتصار: احذروا أن تتسلط عليكم الطائفة العلوية بعد اليوم. إنه أمر يسعى إليه أعداء الأمة، وإنهم ما زالوا يصرّون على طمأنة العلويين حتى ظننّا أنهم سيورّثونهم سوريا من جديد! سوف يبذل الأميركيون وحلفاؤهم غاية جهدهم لزرع العلويين هنا وهناك، في أعلى المواقع وأرفع المناصب وأعظمها تأثيراً في مستقبل البلاد. فماذا أنتم فاعلون؟
لا مجال للمجاملة ولا محل للتنازل في هذا الأمر المصيري الخطير. قولوا بالصوت العالي وبأوضح الكلمات: لن يشارك العلويون في الإدارة والحكم في سوريا المحررة، لن يكون أحد منهم في مراكز التأثير والقرار والمناصب العليا في الدولة والجيش وأجهزة الأمن، لن نسلم العلويين مفاتيح البلاد بعد الآن. من حقهم أن يعيشوا بيننا آمنين وأن يعملوا ويتمتعوا بخيرات البلاد، ومن حقهم أن لا نمسّ بسوء مَن لم يرتكب منهم جريمةً ولم يشارك في جرائم النظام الزائل، أما المشاركة في صنع حاضر سوريا ومستقبلها فلا وألف لا.
سيقولون إن ôالمواطَنة تفرض استواء الجميع في الحقوق، وإن العلويين جزء من المجتمع السوري ولهم الحق في المشاركة في حكم سوريا كغيرهم من الطوائف والأعراق. قولوا: لا، ليس العلويون كغيرهم، ليسوا جزءاً من الوطن، بل هم محتلّون أو أعوان على الاحتلال. منذ تسعين سنة وهم يهدمون ويخربون؛ تعاونوا أولاً مع الفرنسيين ودعموا عدوانهم على سوريا وشاركوا في أجهزة الاحتلال المدنية والأمنية والعسكرية، ثم تحولوا هم أنفسهم إلى قوة احتلال بغيضة، احتلت سوريا وجَرّعت أهلها الكرام مُرّ العذاب في نصف قرن كئيب من عمر الزمان.
مجاهد مأمون ديرانية – دمشق
AZPPPL