




الاهالي يتولون المبادرات والحكومة مطالبة بالدعم السخي
هيت التي رأيت وعرفت وتعرّفت.. مدينة النواعير بمهرجان ثقافي وضيافة عريقة – أحمد عبد المجيد
هيت
عدت الى هيت مدينة النواعير ، التي استحوذت على اهمية واضحة بين مدن العراق ، يوم الخميس الماضي . كانت المناسبة المشاركة في مهرجانها الثقافي الثالث . وكنت قد قصدتها مع عائلتي في المرة الاولى ، اوائل نيسان 2003 هرباً من جنون القوات الامريكية التي زحفت لغزو العراق قبل ان تخترق قلبه وتعلن خطفها عرش الامة العربية . اما زيارتي الثانية اليها فكانت في العام 2010 عندما بادرت (الزمان) بتكريم الفيلسوف العراقي الراحل مدني صالح ، ابن هيت الذي تمثل المدينة بالنسبة له اعظم بقاع العالم . وينسب اليه انه فضلها على لندن وباريس وعواصم اوربية اخرى.
وتمتاز هيت من بين مدن اعالي الفرات واسفله ، ان اهلها يترجمون حبهم اليها بنشاطات ومبادرات فردية تحافظ على هويتها وتراثها . وهم لا يفرطون بذرة من اثارها ومعالمها ، ويحرصون جميعا على اقامة واجهات تعكس هيبة هيت وعظمة دورها الوطني وحصتها من مجد حضارات العراق . فعندهم ، على سبيل المثال , عيون للقار تنبع من ارض المدينة يرون انه السومريين شيدوا به زقوراتهم ، وان نبوخذ نصر شيد جنائنه المعلقة وطلى جدرانها به.
ومن عطاء النهر الذي تغفو هيت على ضفافه ، اقاموا نواعيرها ذات التميز والعبقرية لاداء وظيفتين تنفرد بهما ، الاولى سقي المزروعات حيث تمتد بساتين النخيل والفاكهة الى مسافات شاسعة ، ووصفت بانها سلة غذاء اخرى للعراق . والثانية لاقامة الطواحين التي تتولى طحن الحنطة لاستخدامها في الاستهلاك المحلي ، وقشور الرمان وتصديرها الى مدينة الموصل لاستخدام مخرجاتها في دباغة الجلود . وفي المعرض النوعي الذي ضم مجسدات يدوية لهذه الطواحين قال رجل يرتدي بزة عمل زرقاء ويعرض نموذجاً خشبياً لهذه الالة العملاقة ، التي تنتشر في قرى سعدى والتربة وسواها ، ان اول الة منها بنيت وتم تركيبها فوق جدران من الصخر الابيض على ضفة الفرات ، عام 1941 . وفي ظني ان تاريخ معرفة هيت بالنواعير يمتد الى حقب ابعد ، اذ كيف كان الاهالي يوصلون الماء الى مزارعهم لسقي الاف الدونمات من الاشجار؟ لاشك في ان وسيلة ما شبيهة بالناعور كانت تتولى هذه الوظيفة.
ساحة الساعة
كما ان ثقافة الارتباط بهذا الموروث امتدت الى الحاضر بحيث ان ساحة الساعة القائمة وسط هيت ، التي نصبها نخبة من ابناء المدينة ، حملت الناعور محوراً رمزياً لها ، فضلاً عن ان متحف الشهيد احمد عفتان الذي يتولاه التراثي المرموق ابن هيت حمدي عفتان الهيتي اختار الناعور شعاراً له ، مثلما اختار مهرجان المدينة بنسخته الثالثة الناعور شعاراً له ايضاً . واعجبني قيام اللجنة التحضيرية للمهرجان بتوزيع نسخ من كتيب بعنوان (قراءات في مهرجان هيت السنوي الاول 18 اذار 2010 تحمل صورة النواعير الشهيرة وهي تدور رافعة مياه الفرات في النهار والليل ، معتمدة على سرعة جريان الماء وليس على جهد الدواب ، كما هو متبع في نواعير وسط العراق وجنوبه . وعملياً فان عبقرية الباني تستحق الثناء والاعجاب . ولعل معاهد الهندسة الحديثة درست الية تخطيط تشييد نواعير هيت ، لانها لا تقتصر على هيكل الناعور حسب ، بل البيئة المحيطة التي ينتصف فيها . وقد اطلعت على عدد من هذه المواضع خلال جولة رافقت فيها الحاج حمدي الهيتي . وقصة علاقتي الشخصية بهذا الرجل الذي كنت قد وصفته في انطباع سابق عن احد معارضه في بغداد، بالمواطن الذي حفظ للعراق صورة من مجد الاسلاف وحياة الشعب . لقد رأيت في تلك الجولة شجاعة ابن هيت وهو يواجه تحديات الطبيعة وينتصر عليها بعبقريته التي تطوع جريان المياه السريع وعمق النهر نظير الحاجة الى توفير قوته اليومي او ما يعرف لدى الاقتصاديين المعاصرين بـ (التكامل الاقتصادي عبر بوابة الزراعة) . وهناك الكثير مما يمكن شرحه في هذا المجال لكنني اكتفي بدعوة وزارة الزراعة ومعاهد البحث العلمي في الجامعات الى الاهتمام بجانب واحد من موروثات هيت وخصوصيتها وتأملات مواطنيها . كما اكتفي بالتذكير بان المدينة ، تتميز عن مثيلاتها بقدرتها العالية على انجاب علماء واكاديميين كبار في مختلف فروع المعرفة والابداع .
امر اخر يلفت النظر في هيت ، هو ترجمتها لمفهوم التعايش وقبول الاخر. واعزو ذلك الى انها من مدن عراقية نادرة تمتلك استعداداً لللانفتاح الثقافي وقدم معرفتها بالمدرسة (الحكومية) . فقد شيدت فيها اول مدرسة عام 1924 . ومازال الهيتاويين يعتزون بمبنى هذه المدرسة ويحافظون عليها كارث ثقافي يباهون به . اذ فيما كانت الامية الابجدية تنتشر في عموم العراق ، كان نور مدرسة النضال الهيتية يشع ويرفد التربية والتعليم بالمعلمين واساتذة الجامعات . ويحتل المعلم في نفوس الهيتيين منزلة سامية ، وسمعت المفكر حسن العلوي الذي كان في عقد الخمسينات من القرن العشرين معلماً في هيت ، ان طلبته وابناءهم واحفادهم من بعدهم ما زالوا يتذكرونه بكل خير ويزورونه في المناسبات . كما اطلعت خلال جولتي السريعة بجناح مديرية تربية هيت المشارك بالمهرجان ، على واجهة كاملة تحمل رسومات شخصية لمعظم رموز التربية ومشاعل العلم في المدينة ، منذ عهد الكتاتيب . ومن الجميل ان فليما وثائقيا عرض في الافتتاح كشف عن صورة للاسرة التعليمية بمدرسة هيت يظهر فيها الرئيس الاسبق احمد حسن البكر قبل انخراطه في الكلية العسكرية منتصف الاربعينات من القرن الماضي . ورأيت عمق اعتزازهم بالمدرسة التي اخالها شبيهة بالمدرسة المستنصرية على عهد الخليفة المستنصر العباسي ببغداد ، وقد تجسدت في بعض اثارها في معروضات اجنحة المهرجان الذي شارك في حضور فعالياته ادباء وصحفيون واكاديميون وناشطون بلغ عددهم نحو 60 شخصاً قدموا من بغداد وبقية المحافظات . وقد اقلتهم حافلتان في ساعة مبكرة من صباح افتتاح المهرجان واوصلتهم الى المدينة قبل دقائق من افتتاحه . ووصف هؤلاء رحلتهم بانها لن تنسى . وعند نزولهم كانت باستقبالهم صفوف من شباب المدارس وهي ترفع الاعلام العراقية او يتوشح افرادها بها ، مرحبين بالقادمين الى مدينتهم وسط كلمات حفاوة واشادة من اعضاء اللجنة التحضيرية يتقدمهم رئيسها الاستاذ قحطان محمد صالح وبقية مسؤولي قضاء هيت ، القائممقام مهند زبار ورئيس المجلس المحلي للقضاء محمد مهند المحمدي ومدير قسم التربية علي عبد المنعم المحمدي . ولم يكتف رئيس المجلس، وهو شاب واجه بشجاعة نادرة عملية غادرة لتنظيم داعش استهدفته في منزله ، بفتح ذراعه مرحباً بالضيوف حسب , بل وقدم ضيافة كريمة لجميع المشاركين في المهرجان عندما تحول مضيف العشيرة العامر الى مأدبة غداء كبرى ، رأى بعض الضيوف انه بالغ في تحضيرها .وناجيت في نفسي ان هذا الرائي لا يعرف شيئاً عن كرم اهالي هيت الذين ضيفوا في منازلهم ومضافاتهم خلال حرب احتلال العراق ، الاف الوافدين الى المدينة من بغداد ومدن الوسط . كانوا مثالا معبرا عن كرم الضيافة الاصيلة ومثالا يحتذى للوطنية العراقية التي تتقاسم الموقف والمصير . وكنت مع عائلتي احد هؤلاء الوافدين الذين ملأوا شوارع هيت وازقتها وبيوتها وضفاف نهرها ومزارعها . وما زلت احفظ جميل عائلة زميلنا الدكتور طه جزاع ، ممثلة بنسيبه عبد الصمد وعائلة الهيتي الشهم ابو عمر رحمه الله ، اللذين فتحا الابواب وشرعا القلوب لرسم صورة التاخي والمؤازرة بين اهالي هيت وضيوفهم.
رد الجميل
ووجدت في نهاية اقامتنا في هيت ، ايامها، ان ابادر من جهتي برد الجميل (اللفظي) لاهالي هيت فقصدت دكان خطاط فيها وطلبت اليه خط لافتة بطول خمسة امتار تحمل عبارات العرفان والامتنان لهم على تحمل ثقل هذه الضيافة الطارئة ، التي لم تحسب المدينة لها حسابا فاضطرت الى تقاسم رغيف الخبز معنا وضمنا الى منازلهم وقبول مشاركتنا حياتهم المفعمة بالطيبة والتسامح .
وجرت العادة ان المدن تقيم المهرجانات وتستقبل الضيوف في فنادق عامة او اماكن تابعة للدولة ، لكن هيت احتضنت ضيوفها في المهرجان داخل حدقات العيون بكل ما لهذه الكلمة من معنى . فقد تولى كل مرفق اجتماعي فيها تقديم خدمة ما او الاضطلاع بمسؤولية ما لانجاح المهرجان . وكان من الواضح ان تضافر جهود الاهالي والادارة الشعبية للمدينة وراء فتح بيوت عدد من شيوخ القبائل والمثقفين لاستقبال الضيوف وتوفير الاقامة اللازمة لهم . ولعله من الصعوبة جداً ان تتحقق هذه المهمة اذا لم تتم عن طيب خاطر موروث وسلوك اجتماعي راسخ . ولهذا لم يتردد عدد كثير من ضيوف المهرجان الذي استغرق ثلاثة ايام ، في قبول نزولهم في مضافات اهالي هيت . وعلمت ان اللجنة التحضيرية للمهرجان اضطرت الى الغاء معظم فقرات البرنامج الفنية تعبيراً عن التضامن مع ضحايا عبارة الموصل. وكان هذا الحدث قد هيمن على حفل الافتتاح بحيث لم تخل مداخلة من مداخلاته من الاشارة الى نكبة الموصل ، كما تضمن نشيد الافتتاح وهو قصيدة رائعة بعنوان (بلد الحضارات) اشارة الى الجرح النازف لهذه الحادثة . وسجل رئيس اللجنة التحضيرية الامتنان لجامعة الانبار التي قدم كورس من طلبتها نشيد الافتتاح، واشار الى انهم طلبة ينتمون الى مدن وسط وجنوب العراق فضلا عن الانبار . وهو اختيار ذكي جداً وينطوي على دلالة وطنية معبرة عن طي صفحة جرائم داعش ولكل اشكال الايحاء بالفوارق الطائفية والمجتمعية بين الاطياف العراقية. وعلى ذكر هذه الحقيقة فان صديقي الدكتور طه جزاع ، الذي استعرضت معه خلال رحلة الطريق الى هيت ، محطات حرجة وقاسية عشناها سوية منذ عقد الثمانينات ، ابلغني ان عوائل من اصول كردية اقامت منذ عقود طويلة في المدينة وتعايشت وتصاهرت وباتت تنتسب بفخر الى هيت . وقد تعرفت حقا على استاذين من اصول هذه العوائل الكريمة شاركت في المهرجان بحماسة شديدة وتصرفت بمعزل عن جميع الامتدادات وحرصت على اظهار هيت بالمدينة الثقافية والحضارية والزراعية التي تتوافر على مقومات المدن المتعايشة الكبرى . واني اعزو نجاح هيت واهلها في تحدي ممارسات داعش الانتقامية الى قدرتها على صهر الاختلافات في بوتقة المواطنة العراقية وقبول العيش المشترك وتبادل الاحترام من منطلقات مفتوحة على قيم انسانية وروحية قوامها شمولية الدين وليس ضيق افق المتدينين .. الدين المبني على الاقتصاد والتنمية والتعليم والتطوير والحداثة وبناء الانسان . وهي العناصر التي راها باني نهضة ماليزيا مهاتير محمد اساس اي حديث عن الاسلام .
ورأيت مؤشرا من مؤشرات هذه الفلسفة ترتفع في سماء هيت عبر مئذنة جامع الفاروق واثار القلعة القديمة التي ما زالت اطلالها شاخصة وتحتفظ باسماء اطياف اخرى بينها عائلة الحاج نجاح ساسون الذي يعد من ابرز وجهاء هيت . وقد احتفظ متحف الحاج حمدي الهيتي بصورة لوالده بوصفه من ابرز الوجهاء . والحاج نجاح ساسون من الشخصيات المحبوبة والملتزمة باداء الفروض الاسلامية . وهو من المهتمين بالحفاظ على تراث مدينة هيت , وله كتابات منشورة في هذا المجال , كما انه ناشط في جمعية تعنى بالتراث الهيتي . ان مدينة بهذا العمق الانساني والتاريخي جديرة بان تعيش بكرامة وسلام ، وربما لهذا السبب لم تعتد هيت على التملق لحكومة او قوة سياسية ، وظلت تعتمد على مساهمات ابنائها وابداعاتهم في اقامة فعالياتها المختلفة وتبني مشروعاتها الثقافية والتنموية ، لكن ذلك لا يعني ان الحكومات المركزية تظل تتغافل عن دعم هيت واهمال واقعها وبناها التحتية ، والاكتفاء بالتفرج على احتياجاتها في التعليم والصحة والزراعة والامن الناجز . ورأيت نوعاً بطيئاً من التطور اصاب عمران هيت خلال السنوات القليلة الماضية ، تطور بطيء اطالب بكل قوة ان يتسارع ويكلل هام المدينة بانجازات جديدة مستحقة . وفاتني ان اذكر ان جامعة الانبار ستفتتح في الثامن من الشهر الجاري جناحا في مكتبتها بقسم الاعلام يضم مكتبة استاذنا الراحل الدكتور هادي نعمان الهيتي , اهدتها عائلة الراحل لتأكيد رغبتها بالافادة من تراثه في الدراسات الاعلامية التي سيتولاها جيل الباحثين الشباب . ولاحظت حضورا متميزا للمرأة في فعاليات المهرجان المختلفة , بدءا من عريفة الحفل التدريسية بجامعة الانبار وانتهاء بالشابة التشكيلية التي عرضت رسوماتها في جناح الفنون التشكيلية وقد استوحت احدها من لوحة مشهورة للفنان التشكيلي والطبيب اللامع علاء بشير يظهر غرابا ينقر عيني شخص تم عصبها دلالة على نذير شؤم في ما وضعت الشابة حمامة بيضاء بديلا للغراب وقد فسرت هذه الرؤية بانها ثقة بالمستقبل دالة على التفاؤل.
مدينة عصرية
ان هيت التي عرفتها وخبرت اهلها تستحق ان تكون مدينة عصرية بامتياز تتوافر على جميع الخدمات وتشيد فيها منشات تليق بفعالياتها كالقاعات والمدارس وخطوط المواصلات والفنادق الكبرى . ومع ذلك فان اهالي هيت كانوا سعداء لان صندوق اعادة اعمار المدن المحررة ، الذي يتولى رئاسته الدكتور الصيدلاني مصطفى الهيتي ، اعاد الحياة الى عدد من معالم حياتها بعد التدمير الذي الحقته بها عصابات داعش . فقد تمت اعادة تأهيل قاعة مركز الشباب التي تم فيها المهرجان ، كما اعيد اعمار جسر المدينة الحيوي الذي يربط جانبي هيت فضلا عن عدد من المدارس والمنشات المحترقة والمهملة . واجمل الهيتي تكاليف هذه العملية ، التي بدأت مع طرد التنظيم من المدينة بمليارات الدنانير . واكد ان (عمل الصندوق مستمر في مهماته التي اوكلت اليه وتوضحت في اهدافه وسيشهد مزيداً من الاعمال والانجازات بما يعوض المدن المشمولة بالمشاريع عن سنوات الحرمان والجور التي تعرضت لها).
{ { {
في اليوم الثاني انتقل برنامج المهرجان الى ناحية البغدادي التي شهدت جلسات شعرية ولقاءات ادبية ظلت اصداؤها محفورة في ذاكرة الضيوف القادمين من المحافظات . وقد تولى شيخ عشيرة العبيد معدي كرب السمرمد ضيافتهم . واتمنى ان يتولى احد المشاركين اضاءة وقائع ماتم في البغدادي لاستكمال توثيق نشاطات المهرجان في ايامه التي غبت عنها.





















