بالعمل الدؤوب
الحصول على الحقوق
بالهدوء، وبالحجة التي لا تدحض، وبالعمل الدؤوب، وبالحقائق، وبإقناع من حولك بصدقية مطلبك، تتحقق لك نتائج ما تريد. لا بالصراخ، وبالعويل، وبالتهديد، والجعجعة التي لن يكسب أحد منها شيئا، وتحشيد الناس، الجاهل منهم، والمغرض، لإثارة الرأي العام، وتأجيجه، دون أن تحصل على مردود مفيد. لا أطرح هنا، وفِي أي مرفق كان، حقائق أمتلكها، لا أستطيع توضيفها لصالحي، ولا أغفل،إدعاءات لدى الآخر، تمكن من تكريسها، بشيطنته، او بإعتماده نصيحة الشياطين، فحققت له ما أراد.
أطرح هنا، تجربة فريدة، عراقية الذكاء، كنت جزءاً منها، وعايشتها منذ بدايتها، حتى النهاية. تقدمت الكويت الى لجنة الامم المتحدة للتعويضات التابعة لمجلس الأمن في الامم المتحدة، بمطالبة للتعويض عن الأضرار البيئية التي أصابت الكويت، والخليج العربي، وأراضٍ آخرى، وللحقيقة لم تكن الكويت لوحدها، بل كانت دول اخرى تشاركها. كانت قيمة المطالبة تبلغ أكثر من (50) خمسين مليار دولار من دولارات الولايات المتحدة الامريكية، وجندت الكويت وهذه الدول كل ما تملك من قدرات فنية، وقانونية، ومالية، لا يستهان بها، من أجل كسب هذه المطالبة، بما فيها الخبرات القانونية، والفنية، العالمية، وعلى الأخص مكاتب الخبرة الأمريكية. ولا تخلو تلك المطالبة، من كل ما يخطر بالبال، من وسائل المكر، والخداع، والتمسكن، وألقت الكويت، وحليفاتها، بجميع الحجج التي توفر جمعها، كحقيقة، أو خلافها، على ما اصاب البيئة في المنطقة، موضوع الإدعاء، والخليج العربي، من أضرار جراء، ما سمي في حينه، بحرب الخليج الاولى، وعلى وجه الخصوص، الأضرار البيئية، الناجمة عن إشتعال آبار النفط الكويتية.
كان العراق عندما بدأت تتقاطر عليه مطالبات التعويض، إبتداء، من المطالبات الفردية، الى مطالبات اخرى على شكل فئات، آخرها، هي فئة الأضرار البيئية، موضوع المثل الذي نسوقه، قد شكل هيئة للتعويضات، وقسم للتعويضات في الدائرة القانونية في وزارة الخارجية، ومنها إنبثقت لجنة للخبراء القانونيين، مشكلة من خيرة الخبراء، وأساتذة القانون، بأغلب تفرعاته، ذات الصلة، واستعانت هذه اللجنة بما يتوفر من اختصاصات، تساعد في إسناد، وتقوية، موقف العراق في الدفاع عن حقوقه، أمام تلك الهجمة الشرسة، من إستباحة أمواله، بحجج شتى، وصلت من السخف، والإنحطاط، ما لا يمكن طاقته.
ماذا عمل العراق من خلال تلك اللجنة، وهو بلد شُح عليه المال، وهذه مطالبة لا يستهان بها، كبيرة بكل المقاييس. وهنا أستحضر العقل، والكفاءة، والمقدرة. إن أول عمل قام به العراق، هو الحصول على المال. فقد تقدم الى الامم المتحدة للحصول على مبلغ من المال من صندوق الامم المتحدة للتعويضات، الذي كان يستقطع 5 بالمئة من إيرادات النفط والمشتقات النفطية العراقية، لصالح تعويضات الكويت. وبعد صراع مرير مع خبراء الامم المتحدة القانونيين، أستطاع توفير المبلغ لصالح مكتب قد إختاره العراق للدفاع عنه في تلك المطالبة، هو مكتب لاليف للإستشارات القانونية السويسري، الذي طلب مبلغ (10) عشرة ملايين دولار أمريكي، كأتعاب محاماة له، وهو من أفضل مكاتب الخبرة العالمية، المشهودة، له خبراء قانونيين، وفنيين، من مختلف أرجاء العالم. وجند العراق من الداخل، خيرة الخبراء العراقيين، في مجال القانون، والبيئة، والزراعة، والنفط، والنباتات الطبيعية، والبرية، ومختصين في مجال البحار، ومياه الخليج العربي من جامعة البصرة، كل يعمل كخلية نحل في مجال إختصاصه، بإجور تكاد تكون معدومة، ولمدة قاربت الثلاث سنوات. وفِي جلسة إستماع تأريخية في احدى قاعات الامم المتحدة في جنيف، في نهاية عام 2004، كان الوفد العراقي يرد الحجة بأحسن منها، ويقابل الإدعاء بالحقيقة، ويسخف القول الذي لا يستند الى أصل، وقدم خرائط لواقع البيئة تسند موقفه، وأذهل الجلسة عندما قدم حقيقة دامغة بأن الخليج العربي يغسل نفسه كل ثلاث سنوات، وإن الغطاء النباتي البري بأحسن حال، وغيرها من الحقائق، بكل هدوء، وبمهنية عالية، وبحرفية يحسد عليها. وشاهد الوفد العراقي، حسرة الوفود الاخرى، وتلعثمها، امام الأداء العراقي المذهل .. ماذا كانت النتيجة؟ أن أوصت لجنة الامم المتحدة للتعويضات عن مبلغ (50) الخمسين مليار دولار أمريكي، بمبلغ (250) مئتان وخمسون مليون دولار أمريكي، تأمل المبلغين جيداً.
خلاصة القول، عندما تريد أن تطالب بحق من حقوقك، إعمل العقل، وهيء لك من أمرك رشدا ووفر كل الوسائل التي تساعدك في إحقاق الحق. وليس في دق طبول الحرب، وتحميل البلد ما لا طاقة له به، وكفى هدراً لدماء العراقيين دون مبرر، فالحقوق لا تسقط بالتقادم، وما مطلوب من العراق، هو العمل الدؤوب، والعمل الجاد الرصين في إيجاد الحجج، وإيجاد الداعمين له، وهم كثر، إن أحسن الإختيار، لإستحصال حقوقه، اليوم، أو غداً، سواء مع الكويت، أو مع غيرها.
مقداد العرادي – بغداد


















