حميد سعيد وشحنات المكان في الإبداع الشعري
البيئة الحلية توجّه رموز القصيدة
نجاح هادي كبة
سيرته
هو حميد بن سعيد بن أمين الزوبعي، ولد في الحلة محلة الوردية
سنة 1941م دخل مدارسها، وأكمل الدراسة الثانوية فيها، تخرج في الدورة التربوية، وعمل في التعليم في الفترة (1963-1964م) أصدر مع مجموعة من الأدباء جريدة الطلائع الأسبوعية في مدينته الحلة. درس في الجامعة المستنصرية وتخرج فيها العام 1968م، عمل في الصحافة فأصبح في تلك السنة نائباً لرئيس جريدة الثورة وأصبح فيما بعد مديراً للنشر والترجمة والتأليف في وزارة الثقافة والإعلام، وقد شغل مناصب عدة مهمة في الدولة فكان سنة 1972م ملحقاً ثقافياً في أسبانيا ثم في المغرب وعاد إلى العراق وشغل منصب المدير العام للإذاعة والتلفزيون وانتخب العام 1986م أمينا عاما لاتحاد الأدباء والكتاب
العرب (عوض، 2008م، ص : (26 يذكر الدكتور صباح نوري المرزوك : (انه عاش في طفولة هادئة وصبا مستقر وشباب عاصف اذ انغمر مبكراً في العمل السياسي فتح له أفقاً معرفياً ما كان ليتوافر له في البيت أو المحيط الاجتماعي وكانت حياته أقرب إلى اليسر منها إلى العسر، لم يكن طالباً متميزاً ولم يتلكأ في دراسته وقد عمل في التعليم الابتدائي ثم أكمل دراسته الجامعية في الأدب العربي في الجامعة المستنصرية(المرزوك، 2012م، ص : (329 .
لم يكتفِ بالشهادة بل امتد نشاطه الأدبي إلى أن يكون سكرتيرا لمجلة الكلمة ومجلة الأجيال ومجلة شعر العام 69 ومجلة الأقلام والموسوعة الصغيرة ومجلة الأديب المعاصر ومجلة الكاتب العربي وشغل منصب الوكيل الأقدم لوزير الثقافة والإعلام، ومنصب الوكيل الأقدم لوزير الإعلام نهاية التسعينيات. ورئيس مجلس أمناء بيت الحكمة حتى (9/4/2003م). (الحداد، 2012م، ص: (69 .
أصدر أول مجموعة شعرية العام 1968م.
من مجاميعه الشعرية
لغة الأبراج الطينية، قراءة ثامنة، ديوان الأغاني الغجرية، حدائق الحضور، طفولة الماء، مملكة عبد الله، شواطئ لم تعرف الدفء، بستان عبد الله، باتجاه أفق أوسع، فوضى في غير أوانها، من الحدائق التسع، مشهد مختلف. وقد طبع له ديوان “ديوان حميد سعيد” 1989م ضم أكثر قصائده المنشورة سابقاً.
ومن أعماله الكتابية
ذاكرة لا، الكشف عن أسرار القصيدة، المكان في تضاريس الذاكرة، التراث والثورة، أوراق الحرب، عن الشعر.
لقد ترجمت دواوينه إلى لغات عدة منها : مجموعة شعرية باللغة
الفرنسية ترجمة د. مدام كوتيه، ومجموعتان شعريتان إلى اللغة الإنكليزية ترجمة د. سلمان الواسطي ود. زاهر بشاي ومجموعة أخرى إلى الأسبانية ترجمة ديالغو وأخرى إلى اللغة الصربية الكرواتية ترجمة سلافكو بافيجيفج ومجموعة ترجمها حسن المنيفي إلى اللغة الفرنسية وغيرها (المرزوك، 2012م، ص : (330.
ألفت عنه الكثير من الكتب منها : حرائق الشعر-حسن الغرافي، الإبحار إلى شواطئ حميد سعيد-
مؤيد عبد القادر، اللغة الشعرية-محمد كنوتي، الثورة في شعر حميد سعيد- محمود جابر عباس، القصيدة التشكيلية في شعر حميد سعيد- حمدي مخلف الحديثي، إيقاع بابلي-عزيز السيد جاسم.
شحنات المكان في إبداعه الشعري : يتوحد الشاعر صوفياً بذكرياته القديمة والحديثة مع المكان بما فيه من رموز تاريخية وجغرافية وأنطولوجية والحلة الفيحاء تقفز إلى ذاكرة الشاعر وهي محاصرة بين كرّ وفرّ بين يسر وعسر بين تاريخها المشرق والمؤلم لكن الليل البطيء لم يلازمك تخومك -ايتها الحلة- لأن فيك من الغضب المر والضحك المر ما يفرح القلب وفوق ذلك فان الله معك فأنت الثورة المستمرة المقيمة في الوجد ومنك تعلمنا الحكمة فأنا لا ابتعد عنك لكني أبعد عنك الخطيئة وأدفع عنك الغواية لاستقبل الكون من طريقك، قال :
في أعالي الشجر
في أعالي المنازل…في
مهرجان الصور
موسم القمر
بين كرّ وفرّ تمادى بلعبته
ثم أوهم عشاقه
ان ليلاً بطيئاً أمر
ان يلازم تلك التخوم ويبعد
عنها الخضر
في أعالي الشجر
في أعالي المنازل…في
مهرجان الصور
أيتها الحلوة المستبدة
ماذا وراءك؟
فيك من الغضب المر…
والضحك المر
ما يفرح القلب
فيك من الله
ما يفرح القلب
اني لأفتح عيني عليك
وافتح قلبي وذاكرتي
مسافرة بين أيامنا والذي
سيكون
وما كنت إلاّ المقيمة في الوجد…
كنا نعلمك الثورة المستمرة…
ثم كبرنا
فصرت تبيعننا حكمة…
نحن أولى بها
إذ نرد بها غضبا
ونرد بهم شططا
ونعلم أصحابنا ان خير الكلام
القليل
وان الهوى سيد
لا أقول لك ابتعدي عن حدودي
ولا ادعي حكمة
لي وراء الممالك مملكة…
استبد بها…
وأنام على عشبها ملء جفني
أبعد عنها الخطيئة…
أدفع عنها الغواية…
استقبل الكون فيها
قال عزيز السيد جاسم : (لشعر حميد سعيد زمالة خاصة مع (الصوفية) تضرب جذورها في نفسه المرهفة، التي صمت في أعماقها ملامح تجربة روحية جماعية لمدينة (الحلة) فمن الطقوس الجماعية الدينية، وإنشاداتها الشعرية، ومن عالم التراتيل التي صنعت (الحلة) من كلماته وطينه، هبت روح التصوف، فاختزنها قلب الشاعر في ذاكرته وفي لا وعيه) (جاسم، 1990م، ص : (67.
لقد استقبل حميد سعيد الكون من طريق الحلة التي علمته فضائل التاريخ العربي الإسلامي التي ارتبطت بأرض الحلة ورجالها عبر قرون التي تعلّم منها حميد سعيد أبواب الحياة الواسعة كما قال في قصيدته – المذكورة آنفاً – (فصرت تبيعنا حكمة) لان شعره زاخر بشوامخ الرجال المضحين الذين لهم صدى كبير في بيئته وفي العالم (الإمام الحسين /عمار بن ياسر/إبراهيم/أهل الكهف/نوح/أيوب/يوسف/المسيح/أبو ذر الغفاري/ان وراء كل اسم من هذه الرموز المؤمنة تاريخ مشرق للإسلام وللعرب، لقد حوَّل حميد سعيد بريشته وبلغته الأنيقة المترفة هذه الشخوص إلى سمفونيات شعرية تعكس الألم والأمل وتحوَّل التاريخ من سرد قصصي إلى رموز مكثفة يكشف كل رمز منها في شعره عن واقع الإنسان العربي والمسلم بل واقع الحياة المعاصرة، قال :
عسى أضياف إبراهيم تأتيها
ستنحر ليلَ همٍّ جائع
ولسوف تقري بالعيون…ومن مآقيها
ستطعمهم، ومن خلجات شمسٍ في لياليها
تطلُّ… تطلُّ والحيتان تخفيها
ولم يأت
فلو أسرته ريح صرصر لفدته
بالشوق الذي يبكي
ولاستلبته من شفة الدمار
برعشة النسك
ولكن الذي لم يأت… لن يأتي
سيبقى تائهاً في حومة الصمت
لن يأتي… لن يأتي
فأين الماضي من حاضرنا- نحن العرب والمسلمين- فهو سيبقى تائهاً في حومة الصمت ولن يأتي… لن يأتي، لكن (لن) كما تقول النحاة لا تفيد التأبيد، (وعسى أضياف إبراهيم تأتيها) وعسى للترجي وهو ممكن الوقوع عكس التمني، لكن السبب المعرقل لمسيرتنا الحيتان حيتان المال الحرام الذين يأكلونه أكلاً لماً.
يستمر الشاعر بهذا النشيج والنشيد الصوفي ومع الأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، فيخاطب يونس:
يا يونس الراقد في جوف حوت
يأيها المبحر في المستحيل
سمّارك الأموات من أي جيل
وجوههم زرقاء من لعنة
أم من عويل طويل
ما حدثت أبوابهم مرة
الا بهمس بخيل
وتركنا الشاعر في حيرة الفهم، من هم سمّار (يونس) الذين قصدهم؟ كائنات البحر؟ أم أهل نينوى؟ من هم أولئك الذين يتحدث عنهم الشاعر، وأية مرحلة تلك التي كان فيها (يونس) يعاين سمّاره؟ مرحلة دفنه في الظلمات الثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة الحوت؟ أم مرحلة العودة إلى قومه؟ بعض الشعر لا يعطيك فكرة واضحة، ومعنى محددا وحتى الشاعر نفسه. قد تنطلسم عليه المعاني، بعد ان يصبح قارئاً لقصيدته، لا خالقا لها.
ويرى الرمزيون، ان هذا من أجمل الشعر؟ (جاسم، 1990م، ص : (71.
لقد حمل حميد سعيد هموم وطنه وصوّره في شعره بأدق تصوير وهو في هذا صاحب منهج ملتزم بين الذات والموضوع ، فلم يكن شعر حميد سعيد منفصلاً عن واقع أمته ووطنه رغم انه من جيل الستينيات هذا الجيل الذي عرف بتمرده عن الواقع الشعري.
(يبدأ “حميد سعيد” بعوامل ومقدمات تجمع بين الواقع وبين الفن، تجمع الترابط بين الواقع وخصوصية العمل الأدبي مبتدأ بالحديث عن خصوصية لا يستطيع إغفالها، هي المدينة التي ولد فيها الشاعر وعاش صباه، ومرحلة مهمة من شبابه انها الحلة أو بابل والإسمان يدلان على مسمى واحد، قوي الشهرة (حسن، 2013 ص : (9 ولعل الفرات هذا النهر الخالد أول من يطالعه من مدينته الحلة، قال:
-1-
عبرت شوق الماء… والفرات
كان أبي وهبني سمتي ولون العين
الشعر والرقة والحلم…
سقاني ذوب اسمه…الحنين
-2-
على الجراف السُّمر كان وجهي
نشيدها…غامرت سابحاً إلى الأعالي
تعطلت يداي…لم أصَلِّ
ولم أمرر بسمتي في الجُرح
أنا الفرات وثيابي الملح
الملح والفرات…حق جدتي الزهراء
من بعلها علي
فالفرات جزء من شخصية الشاعر التكوينية والدينية فمنه تعلم الشاعر الشعر والرقة والحلم من طريق والده بل سقى الفرات الشاعر ذوب اسمه…الحنين يمتزج في هذا المقطع الوجداني بمقطع ديني آخر معروف يدل على البساطة في التقاليد الاجتماعية فالإمام علي تزوج الزهراء بحق هو الماء والملح فكيف ينسى الشاعر حميد سعيد هذا التراث الثر؟ فقد ربطه بواقعنا وحبنا للفرات وملحه من طريق هذه المأثرة الاجتماعية-الدينية المتداولة الاستعمال والتوظيف في مدينة بابل وغيرها من المدن العراقية. الوطنية والقومية في شعره :
في شعر حميد سعيد يعلو صوت الوطنية والقومية، قال :
في قصيدة “فاطمة برناوي” ، صوت من كربلاء :
في كربلاء عانقت يد الحسين جبهة أسيرهْ
لغو الرصاص في دمائها حكاية أثيرهْ
***********
صلاتك الخضراء يا فاطمة العينين عن مواسم المحال
تأتي مع الريح تشد كل معصم يحس بالحياة بالدم…
شوقاً إلى الأغلال!!
يا فاطمة العينين عن مواسم المحال
وتزرعين الشوك والصبار –اذ يمتقع السياف-
في اليقين
ما اعتذرت دمشق عن ندائك المجرِّح
تهافتت أسماؤهم وصوتك
الجريح مرّ خلف
مهمة التعثر
ان الوطنية والقومية في شعر حميد سعيد هي امتداد للمحلية في شعره فللبيئة أكثر من أثر في توجيه الشاعر وكانت بيئة الحلة بما فيها من رموز وطنية كالشعراء والمجاهدين والمفكرين وما فيها من ذخائر نفيسة للتراث العربي الإسلامي حتى البابلي في عصوره السحيقة فلها أثرها في صقل موهبة الشاعر حميد سعيد وتوجيهه الوجهة الوطنية والقومية والإسلامية لذلك تميز شعر حميد سعيد بثلاثة (مستويات متراتبة في شعره يحكمها نسق واحد المستوى التاريخي الذي هو من معطيات الماضي الثوري الزاهر للعرب وفيه وحدة الشرطين القومي والإسلامي وهو المستوى الأول، أما المستوى الثاني فهو الشكل التأسيسي
لمدينة الحلة والمتمثل بالبيئة العربية الصريحة لعشائر عربية معروفة بإسلامها…المستوى الثالث نفسية الشاعر نفسه التي احتضنت الرموز العربية الإسلامية احتضاناً واعياً
وأصيلاً (جاسم، 1990 ص : (28. يبقى هاجس الشاعر البحث عن المنقذ وسط تياره الشعري الجارف لكل الظلمات،
قال :
وقال محدثنا القادم الأسمر المستحيل
كبرتم. خذوا وردة من سماء الفرات
اعبروا النهر
ان الحقيقة في الضفة الثانية
لكن لهذا المنقذ شروطه إذ يتأمل استجابة من حواليه وإلاّ فلا يستطيع ان يؤدي أثره، قال: مغلقة
قلت هذا دمي
قال علوان ان الطريق إلى
القدس
دائرة ختمت
قلت دونكم قُرط أختي وما
خبأته
لسبع سنين عجاف
مد علوان إصبعه وأشار
فهمت الإشارة…ان اللبيب،
وكفى
لكن الأمل مفتاح لغد مشرق في شعر حميد سعيد فلا يعرف اليأس والقنوط.
المصادر
– الحداد، سعد (2012م)، ديوان الحلة، أنطولوجيا الشعر البابلي المعاصر، مهرجان بابل للثقافة والفنون، منشورات بابل .
– حسن، رزاق إبراهيم (2013م) ، إيقاع بابلي متميز في النشأة والثقافة والشعر، جريدة الزمان، ع : 4440 من آذار .
– السيد جاسم، عزيز (1990م) ، إيقاع بابلي، قراءة في شعر حميد سعيد دار الشروق، ط1 .
– عوض، عبد الرضا (2008م)، أدباء وكتاب بابل المعاصرون، ج2
دار الفرات الإعلامية في المسيب.
– المرزوك، صباح نوري (2012م) ، شعراء الحلة أو تكملة البابليات، ، ج1? ط2? ج1 دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة.
ملاحظة :- الموضوع مستل من كتاب دراسات عن اعلام من الحلة الفيحاء في الثقافة والادب والفكر






















