مرحى لوئام الأرض والسماء لمحراث خط الأمان

مرحى لوئام الأرض والسماء لمحراث خط الأمان

صبري يوسف

التفَّ إخضرارُ النَّاردينِ

وعبّادُ الشَّمسِ

     حولَ مرافئِ البحرِ

رقصةُ الموجِ تنمو في شغافِ البَدَنِ

تهرعُ مجامرُ الحرفِ

     نحوَ خصوبةِ الحُلُمِ

حلمٌ فسيحٌ على مدى اللَّيلِ!

بخارٌ يتصاعدُ مِنْ ثغرِ الأرضِ

غطَّى معالمَ الأرجوانِ

بسمةُ طفلٍ تستقبلُ صَباحَ العيدِ

رقصَ البحرُ على ايقاعِ القصيدِ!

عبرَتْ أفعى معالمَ الغاباتِ

توارَتِ الحشراتُ الصَّغيرة

بعيداً عَنْ شراهةِ الالتهامِ!

يحنُّ الثَّلجُ إلى ابتسامةِ البحرِ

     إلى هرجِ الأطفالِ

     إلى خفقةِ الطَّيرِ

يتهاطلُ فوقَ عطشِ الأشجارِ

تفرُّ الأيامُ مِنْ بَرْزَخِ العمرِ

بعيداً عَنْ ظلالِ الأماني

عمرنا رحيقُ وردةٍ غافيةٍ

     على صدرِ اللَّيلِ

تنتعشُ الكائناتُ استقبالاً لدفءِ الشَّمسِ

خرَّ الماءُ مِنْ ثغورِ الجِّبالِ

يسقي مآقي أرضٍ مجبولةٍ بالخزامى

     بولعِ الانتظارِ

بسمةٌ تعلو فوقَ هلالاتِ الشَّفقِ

مدقَّاتُ الورودِ تُرْهِفُ السَّمعَ

لأسرارِ النَّسيمِ المندّى بوداعةِ الغيمِ

نامَتِ الجِّبالُ فوقَ آبارِ الهوانِ!

تمايلَتْ غيمةٌ تائهةٌ

     فوقَ أرضٍ عطشى

لزهوةِ الشِّعرِ

لأزاهيرَ التُّفاحِ

تناثرَ خيرُها فوقَ عجينِ الزَّمانِ!

تكلَّلَ مطرٌ فوقَ جباهِ الفلاحين

قشعريرةٌ منعشةٌ تغلغلَتْ إلى شفاهِ الأرضِ

مرحى لوئامِ الأرضِ والسَّماءِ

     لمحراثِ خطِّ الأمانِ!

خرَّتْ نجمةٌ في فضاءِ اللَّيلِ

السَّماءُ غضبى مِنْ شوائبِ الأرضِ

     مِنْ وشوشاتِ الحربِ

     مِنْ شموعِ البكاءِ

فرَّتْ فراخُ البطِّ إلى أعماقِ الأدغالِ

وحدُهَا القصيدةُ تمتصُّ ألقها

          مِنْ أريجِ الفلِّ

تسلِّطُ حبرَها فوقَ شفيرِ الجّنونِ

جنونُ الحربِ مِنْ أعتى الجُّنونِ!

ارتعدَتِ الأشجارُ مِنْ جذورِهَا

غيومٌ ملبَّدةٌ ببقايا الأنينِ

تبدَّدَ ضياءُ البدرِ

طفلةٌ حالمةٌ في ألقِ الأزاهيرِ

غافيةٌ بينَ خيوطِ الضُّحى

تنتظرُ دفءَ النَّهارِ!

ارتطمَتْ أمواجُ البحرِ بأجنحةِ فراخِ البطِّ

ولّتِ الفراخُ بعيداً

متواريةً بينَ جفونِ الغاباتِ

السَّماءُ مصفاةٌ فسيحةٌ

مبلسمةٌ بندى الحياةِ

تمتصُّ رعونةَ الشَّظايا

تمحقُ نارَ الأرضِ!

نطَّ جرادٌ فوقَ براعمِ الخزامِ

تعلَّقَ قرنُهُ الأيسرِ بحُبيباتِ الطَّلعِ

فرحٌ في وداعةِ النَّهارِ!

خرجَتْ أصغرُ الكائناتِ مِنْ شقوقِ الأرضِ

تنعمُ باشراقةِ الشَّمسِ

دفءُ الحياةِ يغمرُ وجنةَ الأرضِ!

حلَّقَتْ أسرابُ الحمائمِ

     فوقَ مدائنِ الحزنِ

تبشِّرُ بغديرِ الخيرِ

ازدانَتْ براري القمحِ بأزهارِ القنديلِ

     بأسرابِ العصافيرِ

تشنّجَتْ مِنْ دبيبِ الأرضِ

حبّاتُ الحنطةِ هديّةٌ مرصّعةٌ

بأزاهيرَ الآسِ

بوهجِ الخيرِ لكلِّ الكائناتِ

رنّمَ أطفالُ الحيِّ ترنيمةَ العيدِ

عابرينَ الأبوابَ بانشراحٍ

سكاكرٌ وبسماتٌ

تنشرحُ خدودُ الطُّفولةِ فرحاً

مرحى لترتيلةِ العيدِ

أينعتْ براعمُ اللَّوزِ

تمايَلَتْ فوقَ طراوةِ اللَّيلِ

رحلةُ الحرفِ رهيفةٌ

     كأزهارِ عصافيرَ الجَّنةِ

تنسابُ عميقاً في بهاءِ المروجِ

عاشقان منتعشانِ ببهجةِ العناقِ

     تحتَ ظلالِ البيلسانِ

رحَّبتِ السَّماءُ بأريجِ الزِّيزفونِ

تألَّقَتْ خدودُها مِنْ روعةِ الوئامِ

عشقٌ على مدى هبوبِ النَّسيمِ

عشقٌ يحلّقُ عالياً كأجنحةِ اليمامِ!

مرَّ طفلٌ عند أسوارِ زهورِ الأحلامِ

يحلمُ أنْ يخبِّئ ألعابَهُ بينَ أجنحةِ الرِّيحِ

نامَ بينَ جفونِ اللَّيلِ فوقَ ندى الاقحوانِ

قمرٌ ساطعٌ في فيافي الحلمِ

رقصةُ الموجِ تؤنسُ زنابقَ الوادي

ترتسمُ فوقَ شراعِ الأماني

تمحقُ قيثارةُ الحبِّ شدقَ الحربِ

تزرعُ في قلبِ الضُّحى بوحَ المزاميرِ

     هدهداتِ الأغاني

هاجتِ الرِّيحُ مثلَ حنينِ بحرٍ

     مثلَ أشواقِ عاشقةٍ

هائمةٍ في اقتلاعِ شوكٍ

تنامى في طريقِ الهيامِ

جرفتِ الرِّيحُ رمالَ الصَّحارى

هدوءٌ يناغي إغفاءةَ اللَّيلِ!

قوَّةُ العشقِ تنمو مثلَ عذوبةِ النَّفلِ

     مثلَ اهتياجِ الرِّيحِ

قوَّةٌ معرّشةٌ في حبقِ السَّوسنِ

متألِّقةٌ في جفونِ السَّماءِ!

هجمَتِ الدَّبابيرُ على أقراصِ العسلِ

جنَّ جنونُ النَّحلِ مِنْ بحبوحةِ الأريجِ

طارَتِ الملكاتُ إلى أعماقِ البراري

تبحثُ عَنْ خلاصٍ مِنْ رعونةِ الدَّبابيرِ

حطَّ مالكُ الحزينِ

     فوقَ روعَةِ الشَّاطئِ

غاصَتْ ساقاهُ في نعومةِ الرِّمالِ

تقافزَتِ الضَّفادعُ جذلى

فراخُ البطِّ تداعِبُ وجنةَ الموجةِ

تلملمَتِ الحساسينُ حولَ دروعِ السَّلاحفِ

تسمعُ شخيرَ فُقمةٍ غافيةٍ

     تحتَ دفءِ الشَّمسِ!

ركبتْ أميرةُ الغاباتِ هودَجَاً

     مزيَّناً بأزاهيرِ الرُّمّانِ

حطَّ باشقٌ فوقَ بيرقِ الهودَجِ

بهجةٌ في شغافِ الرُّوحِ تنمو

رقصَتِ الأزاهيرُ رقصةَ فَرَحٍ

حلّقتِ البلابلُ فوقَ روعةِ العبورِ

مغردِّةً على إيقاعِ الغمامِ

عَبَرَتِ الأميرةُ حنينَ البراري

تهادى الهودجُ

كأنّهُ يسيرُ فوقَ انسيابِ الموجِ

سارَتْ فوقَ طراوةِ العشبِ

قلبٌ مفعمٌ بأزهى الأماني!

طارَتْ أسرابُ الزَّرازيرِ

     فوقَ اخضرارِ السَّنابلِ

السَّماءُ تموجُ بأريجِ الزَّيزفونِ

طفلٌ يهفو إلى قُبلةِ العيدِ

وداعةُ الصَّباحِ تلوِّنُ وجنةَ الطُّفولةِ

     بندى الخميلِ!

عاشقةٌ مكلَّلةٌ بالخشخاشِ المنثورِ

تحلمُ باغفاءةٍ متوَّجةٍ بالعناقِ

     فوقَ أعشابِ المحبّةِ

تنعشُ الفؤادَ تحتَ ظلالِ القرنفلِ!

حُلَلٌ سندسيّة مضمّخة بنضارةِ النّدى

تنضحُ مِنْ مباسمها طلَّةً أخَّاذةً

فصوصٌ مهفهفةٌ كبياضِ الثَّلجِ

اصفرارٌ فاتحٌ على أطرافِ بتلاتٍ

كأنّهُ لهيبُ شمعةٍ يداعبُهُ نسيمُ الصَّباحِ

تحنُّ موجاتُ البحرِ إلى تناثرِ النَّارنجِ

     فوقَ رذاذاتِ الموجِ

يهرب مرجانُ البحرِ مِنْ سرطانِ الماءِ

هاجتِ الرِّيحُ مِنْ لظى النّيرانِ

اغبرَّتْ قيافةُ السَّماءِ

أريجُ النّرجسِ امتزجَ

     معَ عبقِ الزَّنبقِ

تناثرَتْ رذاذاتُ الفرحِ

     فوقَ حنينِ الأرضِ … !

{ أديب وتشكيلي سوري مقيم في ستوكهولم