الزمان والمكان في الحدث الروائي
وصف لوني على أمل أن نعيش
عذراء التميمي
يحتل الزمن بأهميته في حياة الشعوب مكانة ممازة في الرواية من أول سطر فيها ،آذن قرع الجرس بأهمية الزمن وطبيعة الخريف ، والتحديدات التاريخية لسني الاحداث اختُصِرَت، والمشاعر التي أراد الراوي لنا أن نستشعرها في إجواء بغداد العلمية بعد سقوطها المدوّي ؛ فكان الحوار الجامعي في قاعة المحاضرة خير دخول لطرح المتغير الجديد في سلوكيات الناس والنقد العشوائي والمفاهيم الاجتماعية الجديدة حول الجرأة المسماة ثقة بالنفس والعبث الشبابي طالب التعليم لا العلم .
في الرواية ثنائيات لطيفة موزعة بشكل غير مستشعر عند مبتدئي القراءة مثل الخريف في أول الفصل ثم الاعداد المنبئة بسني عمر الشخوص الرئيسين فيها ، وغموض الرجل الميال للتحفظ ووضوح الشابة هوازن على لسانها في وصف نفسيهما، والامل واليأس وغيرها كثير في فصول الرواية قسمها المؤلف بصمت وبساطة غير مدركة .
أفضل ما في الرواية سلاسة الحوار الذي فسح للشخصيات التعبير عن نفسها وآرائها في الحدث السياسي والاجتماعي وفي الحياة وضبابية المستقبل .
في عبارة الاستاذ ” لا هذه منطقة محايدة، تنتمي الى حركة عدم الانحياز” عنوان الفصل نفسه؛ رغبة صادقة وامنية كبيرة في أن تكون الاوساط الثقافية الجامعية منطقة محايدة تماما كما وفرت للانثى والذكر هوازن ومازن ؛ أصحاب الحوار المباشر غير الضبابي، الذي نقل القاريء الى الاجواء الجامعية وان تجردنا من أيّة معرفة سابقة بخلفية المؤلف أو الراوي ، وليس هذا فحسب بل نجد آراء المثقفين في الاعلام بعد 2003 وهي من دون شك آراء المؤلف في الاعلام والشعر الشعبي ، وهي دعوة من باب آخر لاحياء الفصحى وتجريف كم الزيف الهائل من الاعلام المفبرك غير المدروس والممنهج.
حضور الزمن
في معرض الحديث عن حضور الزمن اللافت في الرواية نجد التشاؤم وعتمة الواقع حاضرين بقوة في كل فصولها في وصف الموت وطبيعة الخوف من القتل البشع والمستقبل المجهول للحياة في كل زوايا بغداد، حتى على ألسنة شخوصها مثل قول أحد الطلبة”ـ أستاذ الله يخليك، عن أي مستقبل تتكلم؟ ألم تقل لنا يوما إن المستقبل صنيعة الحاضر، وأنت تعرف حاضرنا جيدا، فماذا ننتظر؟”
عرض المؤلف حقائق حدثت وتحدث في الحياة العراقية عامّة والبغدادية خاصة في حواره مع سائق التكسي ، ولا أدري لم أصرّ أن يذكرنا بحركة التعريب في تسمية التكسي سيارة الاجرة واستعارة العربية لكلمات كثيرة ليس محرّما، ولم يتوان عن استعمال كلمة (كلك ،ومفردات رسالة الفتاة المملؤة تعابير عاميّة) وهو شائع بشكل ملموس في أحاديث العراقيين وغيرهم ؛لكنه يؤشر دقة الاهداف التي رسمها المؤلف الراوي لحوارات الشخصيات وطبيعة الاوصاف التي ساق بها موضوعا متكررا عند كثير من الصحفيين واصحاب الاعمدة اليومية والاسبوعية ؛ فأفلت من عقال التكرار ، ولم ينس الاشارة من بعيد لانصاف المتعلمين ومدعي العلم ممن لم يتم تعليمه ويباهي بعلاقات اجتماعية وسياسية أثبتت السنوات سرعة انتفائها من الحياة السياسية والعامة مطلقا.
.في لغة الحوار قدرة على التاليف الفكه ونسج الحوار القصصي الهزلي ، بل على أيّة حال نجد الحوار اقرب لروح السيناريو مع عناية برسم المشاهد للغرض نفسه ؛ وهي طريقة تفرد بها من بين مؤلفي العرب توفيق الحكيم ثم محفوظ وكلا الرجلين من أصحاب العبارة المخططة باحكام لتتمكن من العرض الحواري المصور(السيمي).
في الرواية تناقض بين تاريخ مازن في اليمن ثم حديثه عن ذكرياته وزملائه الاساتذة في ليبيا وشفع له في ذلك حقيقة تطاول الهجرة العلمية العراقية منذ أوائل التسعينيات ، ومن المفارقات الأخرى اختيار المؤلف لعشيرتي تميم وديلم للحديث عن الامتزاج والتزاوج بين العشائر بمذاهبها وهروب الفرد العراقي من اسمه وقبيلته وطائفته ربما لانهما أكثرالعشائر تسامحا في هذا المضمار وتقبل الآخر، من وجهة نظر المؤلف.
في فصل 7 كان الحديث المنساب بين شاب وشابة مستعدين لخوض الحب الذي تقطعه السياسة الجدية بحد سيف ماض قاض لايمكن التغلب على طرحه إلاّ بالحديث الغزل الساخر المتظارف المشوب بالعامية العراقية الصميمة ، مع تسهيلها بالجمل الغنائية المعروفة اليوم المنسية بعد خمسين عاما ، وهذا هو الاعتراض الوحيد على استعمال العاميّات الناجحة جدا في امضاء الرواية بين ابناء اليوم .
دليل قولي الفصل8 (جامع خديجة) إذ عرض الراوي بطريقة استطرادية هدف روايته أفضل عرض استقرائي للاهداف والمنافع المادية المسمومة لافراد وشخصيات مشوهة ومهزوزة، وبطريقة هيمنة السرد الاستذكاري الارتدادي مع جمل حوارية مقتضبة جدا، وبايجاز غير ممل ولا مخل.
حوارات عميقة لغة مباشرة وصريحة وصفت بعلو همّة واقعا جديدا قديما زادته الاحداث بعد2003 بشاعة وحدّة على بشاعته وشناعته ، لكنه حقيقة لا مفر منها ولاداع لانكارها وعندي يقين أن (حوارات وجامع خديجة وصباح كئيب) رشح الرواية للترجمة والنشر خارج العراق في دار أجنبية.
في الفصول القاصة لحكاية الشابين ازدواجية غير خجلة في الشخصية العراقية يستحق عرضها على ذلك النحو بين العلن والسر وتزاوج الموقف الذكوري وحيل الانثى ،الاحترام كله في لغته وحركته الدرامية الموحية.
المرات الاولى كثيرة في وصف علاقة الصداقة التي تحولت الى حب ، وكذلك المناظر الدموية البشعة باوصافها ظهرت على انها المرة الاولى أكثر من مرّة ؛ بقصد اضفاء المسالمة على الشعب العراقي وأفراد المجتمع البغدادي المائل للسكينة والترف والمتعة ، وهذا أيضا جاء منساب اللغة في على أمل أن نعيش مع أنها الرواية الاولى لصاحبها.
على ضفاف الجيجان عرض الراوي عرضا ولا أجمل لغة ورمزا تحكم الطالع وقارئيه بمصائر البشر ، وهو أمر استطاع العلم في مكان آخر الترويج له وتحويله الى سلعة طبية رائجة واعلامية أكثر رواجا؛ واجمل ما ورد الحوارات الريفية والامثال العاميّة التي بها حاجة للترويج الروائي، كما فعل الراوي.
في اغتيال عميد ثنائية رائعة للموت والحياة للخوف والشجاعة للأمان والطموح ، للشك واليقين ؛ تدفع أيا كان للتفكير ألف مرّة قبل تأدية العزاء حيث يلحق بصاحب العزاء.
فكرة الانقلاب لطيفة في عرض لغة الشخوص واعتقادهم بضرورة انقلاب المفاهيم الطائفية والتشظي المذهبي بين أبناء المجتمع الواحد والثقافة الموحدة والاصول المشتركة لاهل البلد.
الجينز والتيشرت يبدوان علامة التزي الجديد بثوب يشير الى الاحتلال الذي قدم أفراد المجتمع العراقي له مراسم القبول ببروتوكولاته الجديدة لحياتهم لاسيّما حياة الاستاذ الجامعي ، وغيره من منتسبي الجامعة إذ هو اليوم زي الذكور والاناث فيها وخارجها بل هو زي الجيل اليافع الجديد الذي يرتديه ويعيش مفاهيم القبيلة التي تحيطه من كل جانب.
وصف لوني
سبق و قدمنا أن الوصف اللوني لتفاصيل الرواية ولبغداد والعيش فيها كان محدودا ، ونجد أحيانا غيابا للحركة الدرامية التي يجب الاّ يغيب وصفها عن روائي محترف مستقبلا باذن الله مثل وصف وقوف مازن لنفسه امام ام محبوبته.
ثنائية الداخل والخارج لم تغب عن تكنيك السرد ؛ إذ تشي بتآلف العراقيين في الخارج واختلافهم داخل البلد بشكل غير منطقي وإن أرادوا التوافق والاتفاق لسبب بسيط صرحت به الحوارات في المقهى وفي الخطبة(السياسة) وهذا تصميم اعلامي جديد لعرض الطائفية السياسية المبتدعة ، به حاجة لتقنيات أصعب وأكثر جرأة مما فعل الراوي وإن نجح في ايصالها لنا من دون تقريرية رتيبة اللغة.
أفضل ما في الرواية الثنائية المشتركة بين مسئولية السياسة والقبلية المقيتة عن انشطار الدين انشطارا أخل بمنظومة السلام الاجتماعي في لغة حوارية لاهثة الانفاس متسارعة السطور غير مطيلة ولا مملة على المستطلعين والمتصفحين ثم على القارئين ؛ واكثر ما يُستغرب العبارات الخمس التي تلت الاهداء بعد الآية الكريمة، لانها تخلق مقارنة بين لغتها ولغة الراوي واقتباساته التي لم يدخرها داخل الرواية . في الرواية طرفة حديث جاءت بلغة تبدو لغير الخبير ساذجة لكنها حملت بعدا فكريا ، إذ دعتني للتأمل في حقيقة علمية مفادها أن الكلب أكثر المخلوقات قوة في الحاسة الشمية وأنه يتعرف رائحة المخدرات ولا يتأثر بها لقوة الحاسّة لديه ؛ بل يعرف بعض أنواعه أنواعها ، فكيف لايستطيع تعرّف رائحة الافراد الذين يمرون من أبواب ما؟ وإن صدق ظني فهي غمزة لطيفة تماما كغمزة الجرأة النسائية في الالفية الثالثة التي لم تفلح في تحقيق غايتها باصطياد حب شبابي أكاديمي ، مثلما لم تفلح تلك الارملة المجهولة في عرض الشرعية في باب المعظم .
عقل الراوي عقل لم تغب عنه الملحوظة الدقيقة لظواهر مجتمعه ، واختار الجوال وسيلة عرض جرأة أخرى بين الجنسين مسموعة، أثرت في حواس البطل بقصدية لغتها شفافة ومن رحم مجتمع اليوم .
بقي لنا أن نقول أن الحلقة التي أرادها الراوي لثيمته جاءت شبه محكمة في تفوق المجتمع الذكوري على أيّة قوة أنثوية أو جرأة شبابية في خلطة عجيبة مدروسة من الخارج فاقدة الملامح لمن يعيشها.الرواية بداية جيدة جدا لصاحبها بها حاجة لتكنيك المشاهد التي أختارها المؤلف لعرض أحداثها.
إذ كان البطل سيد الحوار والمفكر الوحيد والرئيس فيها ، نأمل أن نرى روايات قادمة فيها كثير من الشخوص بكثير من الطباع والافكار والاوصاف الدقيقة.






















