وجهة نظر نقدية بكتاب إضاءات في السرد العربي
ظاهرة نادرة وتجارب مضافة
خضر عواد الخزاعي
يعتبر كتاب “إضاءات في السرد العربي” للدكتور باسم الياسري الصادر عن دار ضفاف للطباعة والنشر 2015 من الكتب النقدية المهمة في الادب السردي العربي الحديث والمعاصر لعدة أسباب منها:
1- تنوع النصوص السردية لأكثر من قطر عربي، وهي ظاهرة نادرة في النقد العربي المعاصر، فهناك نصوص متنوعة من العراق وتونس واليمن والجزائر وقطر والامارات ومصر والسودان.
2- تناول الدراسات النقدية لنصوص بأقلام نسائية وغير معروفة على مستوى الوطن العربي، مثل الكاتبة الجزائرية كريمة الابراهيمي والقاصة المغربية ربيعة ريحان بالاضافة الى تجارب أخرى لكتاب عرب غير معروفين، مثل الكاتب اليمني محمد عبدالولي.
3- تنوع النصوص السردية بين القصة القصيرة والرواية، وهي تجربة تبدو أيضا جديدة في النقد العربي، حيث تناول الدكتور الياسري تجارب قصاصين من قطر حسن رشيد، وتونس علي الطرابلسي، والجزائر كريمة الابراهيمي، والمغرب ربيعة ريحان.
هذه التجارب الأدبية المتنوعة، لمجموعة من الكتاب والكاتبات العرب وفي تجارب سردية، جمعت بين القصة والرواية، أتاحت للباحث الدكتور باسم الياسري ملامسته وتعمقه للنصوص السردية، التي عالجت مختلف القضايا التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية، سواء على المستوى الثقافي، أو التعليمي، أو الاقتصادي. أو السياسي، أو الاجتماعي، وخصوصا بعد التغييرات الكبيرة التي مرت بها تلك المجتمعات، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ولقد حرص الباحث الدكتور الياسري أن يجعل من تلك المعالجات النقدية على مستويين. الاول: هو الانتقالة التي فرضتها طبيعة التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في العالم العربي، والتي عاشها كتاب روائيون عرب مثل السوداني أمير تاج السر. ودونها في روايته “مهر الصياح” والتي جمعت بين السحري والواقعي. وتجربة الروائي اليمني محمد عبدالولي في روايته”صنعاء مدينة مفتوحة” والتي جعل منها رؤية اجتماعية مقارنة بين ماعاشه في تجاربه الشخصية في الغرب وبين ما يتلمسه ويعيشه في اليمن. أما المستوى الثاني: فهو الطفرة الاقتصادية، وخصوصاً في المجتمعات الخليجية بعد اكتشاف النفط، تلك الاكتشافات التي أحدثت انتقالات خطيرة في العلاقات الاجتماعية وفي بنية المجتمعات العربية الخليجية، وإحداث حالة من الجفاء والانقطاع بين الاجيال المتعاقبة، وهو ما خلق حالة من الاغتراب والقطيعة بين الواقع القديم، الذي مازال يتمسك به البعض من الجيل القديم، والجديد الذي يبدو أنه يسير بخطوات واثقة، متجاوزاً كل تفاصيل وحيثيات الأرث القديم، كما في رواية الكاتب الاماراتي علي ابو الريش “السيف والزهرة” والقاص القطري حسن رشيد في مجموعته القصصية”الحضن البارد”.
والباحث الدكتور باسم الياسري معروف بسعة اطلاعه على المنجز السردي العربي، كونه يمتلك احدى دور النشر العربية المهمة، التي قدمت للثقافة العربية الكثير من الكتب والنصوص القيَّمة، وفي معظم المجالات المعرفية، في السياسة والاقتصاد والسرد والشعر والنثر والترجمة وكتب الرحلات. وهي “دار ضفاف للطباعة والنشر”. ولقد أتاحت له تجربته الواسعة في مجال الكتابة والقراءة، أن يتمتع بذائقة نقدية اكاديمية فذة ونلاحظ ذلك من خلال الطريقة المنهجية التي تناول فيها تلك النصوص المتنوعة، وبحرفية نقدية خالصة، فلقد حرص الاستاذ الياسري على تناول نصوصه، من أكثر من زواية وأخضعها لأكثر من منهج نقدي وتجريبي، حسب توجهات الكاتب ونصه السردي، إبتدأ بتعريف الرواية كجنس أدبي حديث قبل الخوض في النصوص الروائية”يقول ارنست بيكر في تعريفه للرواية:بأنها تفسير للحياة الانسانية من خلال سرد قصصي نثري ومن أجل ذلك فإن الروائي يخلق شخصياته ويجعلها تتصارع وينقل لنا ردود أفعالها وبمصائر الشخصيات ص110″بعد ذلك، يقدم للقارىء تعريفا موجزاً للقصة القصيرة، كنوع من أنواع السرد”القصة القصيرة هي لحظات تكثيف ينقلها القاص الى القارىء، شرط أن يكون فيها ما يستحق الوقوف عنده ونقله الى القارىء” وهذه الاستحقاقات تتنوع بين الهم اليومي والشخصي، ومايفرزه الواقع الاجتماعي لبيئة معينة، وما يعكسه في شخوص النص القصصي، ثم يعرج الباحث على الاسباب التي أدت الى نشوء الرواية كجنس أدبي مستقل”فاذا كان لوكاش يعتقد أنّ ظهور الرواية جنساً ادبياً ارتبط بصعود البرجوازية في المجتمع الغربي وما صاحبها من قيم تقوم على عبادة المال وما يلحق به من يلوك مشين فإن الفرد لم يعد أمامه إلا البحث عن قيم أصيلة يعوّض بها القيم السائدة التي تستمد قيمتها من سلطة المال بما يفتت المجتمع ويقطع أوصاله” ثم يحاول الباحث بعد ذلك أن يضع المسافة الفاصلة في الكتابة السردية، ما بين الرواية والقصة، ليمنح كِلا النوعين حالة من الخصوصية، تميزهما عن بعضهما”غالبا ما ينظر الى الرواية على انها قصة طويلة ، بينما للقصة ثوابتها وشروطها مثلما للرواية قوانينها وشروطها الخاصة بها”.
وللتفريق بين جنسي القصة والرواية، يقدم الباحث تعريفا بالأدوات التي يجب توفرها عند كاتب القصة، ليميّز بها عمله عن تعقيدات العمل الروائي”يتيح الشكل القصصي للقاص بالتنوع وعرض التجارب من خلال قصصه غير أن ذلك يبقى محدودا حين يقارن بالرواية التي تمتلك مديات أوسع، ولهذا يمكن لكاتب القصة القصيرة أن يركز على تخطيط الشخصيات فيرسم خطوطها ويحدد ملامحها ويعرض شريحة من حياتها.ص139″. بهذه الاستهلالات المنهجية يلج الباحث الياسري متون نصوصه السردية، باحثاً ومنقباً بين طيات النص ملماً بمهمة الكاتب الأدبية والانسانية، وهو يسطر نصه السردي”لايجدر بالروائي أن يتحول الى واعظ أو خطيب في طرح افكاره وآرائه وإلا خرج من دائرة الفن الروائي الذي ننتظره منه، وإنما يجب أن تنساب تلك الافكار بين ثنايا النص ضمن سياق السرد دون اقحام.ص37″.بينما نراه في مكان آخر من البحث يكون أكثر تحديداً لمهمة الكاتب والتي يعتبرها جليلة”مهمة الروائي مهمة جليلة فهو ينقل لنا حيوات أناس ربما غير موجودين أصلا، لكنه بقدرته الفذة يجعلهم يتحركون ويفكرون ويتخاصمون ويموتون أيضاً.ص87″فالباحث هنا يؤكد على الخصوصية التي يتمتع بها الروائي، بالاضافة الى امتلاكه لأدواته السردية، التي تساعده في كتابة النص، وهذه الخصوصية تتركز”إن كتابة أيّة رواية لاتعني انعكاسا للواقع بقدر ماهي خلق واقع روائي يشابه الواقع في تفاصيله.ص115″.وهذه الخصوصية التي يجب أن يتمتع بها كاتب النص، هي التي تمنح النص المكتوب وظيفته الرسالية التثقيفية لدى القارىء”إن وظيفة العمل الأدبي ليست وظيفة تعليمية أو تربوية، وإنما تستمد مشروعيتها من خلال سعيها الحثيث على جعل المتلقي أكثر ادراكاً ووعياً من خلال ما يطرحه المبدع في عمله من تساؤل حول مجمل النشاط الانساني تتجسد على شكل حيوات شخصيات العمل.ص101″.أما في سؤاله عن من هو الروائي أو الشخص الذي يستحق ان نقول عنه انه روائيا ناجحا ومتميزا أو”مجيداً” كما يسميه الباحث، فإنه يشير هنا الى أن “الروائي المجيد هو الذي يتمتع بقدر أكبر على الامساك بلحظة الابداع وتطويعها لحاجته الفنية.ص108″.كذلك يشير الباحث الى ماهية مكونات النص السردي التي تساهم في اثراء مواضيعه وصنع حبكاته، وهي تختلف من كاتب الى اخر، حسب طبيعة النص السردي”تعتمد الرواية على عدة عناصر لعل أهمها الوصف وهو مايبرع به الروائي حين يصور لنا ابطاله فيصف ملامحهم وتفاصيل المكان الذي يعيشون فيه ثم ينتقل الى استطرادات وان تشعبت لكنها تغني الشخصية وتثريها وعن تحولات المكان عبر الزمان.ص54”.
تأخذ الشخصية السردية الروائية والقصصية، مساحة مهمة من الكتاب، ومن تفكير الباحث، لما تمثله من افكار ورؤى مقاربة لفكر الكاتب، حيث تقوم تلك الشخصيات غالبا وعن طريق قيامها بمهمة السارد العليم للحكاية، بالتعبير عن كل مايريد الكاتب أن يبثه في نصه السردي، وهي تختلف باختلاف الكتاب، حيث نجدها عند الروائي العراقي الراحل سلمان رشيد سلمان في روايته”شظايا الذاكرة” ترتكز على الناحية الوصفية “يقوم بناء الشخصية على وصف الشخصية من الخارج والداخل ومن خلال الحوار نتلمس مشاعر شخصيات العمل التي يتلبسها الخوف ويملأ قلوبها الرعب.ص60″.بينما نرى الشخصية الروائية عند الروائي السوداني أمير تاج السر في روايته”مهر الصياح” تعتمد على الجوانب السايكولوجية والروحية”في بنائه لشخصياته يعمد أمير تاج السر الى البناء الداخلي النفسي للشخصية أكثر من اهتمامه بالبناء الخارجي الشكلي، فنحن نتعامل مع مشاعر وأحاسيس أكثر من تعاملنا مع أبعاد هندسية للشخصية.ص79″.بينما نجدها عند القاص التونسي علي الطرابلسي شخصيات مجتمعية هامشية مسحوقة تحت فاقة الفقر”لاتمتلك من حياتها غير أحلامها.124″. وهذه مسؤولية اخلاقية يشير اليها الباحث بتبني القاص الطرابلسي هذه الشريحة البسيطة من المجتمع ك”انتماء وجداني” كما يسميه الباحث الياسري، وليس انتماء طبقيا، فيما يشير في معرض تقديمه للشخصية السردية الى شخصية”البطل الإشكالي”في مجتمعاتنا العربية، والذي هو نتاج سلوكيات منحرفة لبيئات سلطوية منغلقة على انه “تعبير عن الخيبة التي يشعر بها الانسان حين ان نماذجه مأزومة ومهزومة معاً.ص125”.
وفي موضوع تقانة السرد والاسلوب، يخصص الباحث الياسري، مساحة كبيرة أيضاً، لما لهذا الأدوات النقدية من حضور في بنية النص السردي، من ذلك استخدام “التجريب” في تشكيل النصوص السردية كما عند الروائي العراقي جابر خليفة جابر في روايته”مخيم المواركة”حيث الاستفادة القصوى من وسائل الاتصال التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة، فيما تأخذ اللغة بفرعيها النثري والشعري اهتماما كبيراً من لدن الباحث الياسري، وهو يتصفح نصوصه كما في اشارته الى نص الروائية العراقية حنان المسعودي”خمس نساء”:”تتميز الدكتورة حنان المسعودي بقدرتها على التعامل مع اللغة بطريقة مدهشة، فهي تمددها ان ارادت وتكثفها حين يحتاج الامر الى ذلك”.ويعرج الى استخدامات التقنيات السينمائية في الكتابات السردية، كتقانة مستحدثة من خلال التقطيع والاستذكارFlash Back في بناء النص السردي وادارة الحوار، كما في استخدام الروائية حنان المسعودي لهذه التقنية في أكثر من موضع، كذلك نجد هذا الاستخدام عند القاصة الجزائرية كريمة الابراهيمي في “وقتلك البحر”يبدو ان القاصة عاشقة للسينما ففي اكثر من مكان تجد نفسك امام سيناريو فهناك توفيق في رسم اللقطة دون ان تفقد حرارتها الشعرية”.
لايسعنا بعد هذا العرض المتواضع إلا ان نحيي الجهد الكبير الذي بذله الدكتور باسم الياسري، في تتبعه لهذه المجموعة من النصوص السردية العربية وإخضاعها، للنقد المنهجي والاكاديمي، وهي تجربة متميّزة يجب أن تكون فاتحة لتجارب نقدية جديدة، في دراسة ومتابعة المنجز السردي العربي نقدياً.






















