كرم سردي لمزيد من الأحداث والشخصيات

إمرأة من ضباب  في عصر الضباب

كرم سردي لمزيد من الأحداث والشخصيات

محمد سليم سواري

رواية  إمرأة من ضباب  للروائي المبدع نزار البامرني تغطي فترة زمنية فعلية تمتد من عام  1961 حيث بداية الثورة الكردية بقيادة المناضل المرحوم الملا مصطفى البارزاني والتي عرفت ومازالت بثورة أيلول وتستمر الأحداث إلى النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي ، كما أن هناك إشارة في مقدمة الرواية لتمتد نظرياً فترة أحداث الرواية إلى سنة ( 1917 ) عند توقيع معاهدة لوزان السيئة الصيت التي قسمت كردستان وقصمت آمال الكرد في الحرية الحقيقية والإستقلال الناجز وتقسيمها بين دول أربع في المنطقة .

لقد إختار الروائي البامرني السمة التأريخية لتوظيف تلك الأحداث من أجل بناء الرواية وسرد أحداثها ، وهذا ليس بالعمل السهل والآمن لكي تلاقي الرواية القبول الحسن والإستحسان لدى القارئ، بل هذا الإختيار ولمثل هذه الفترة التأريخية المشحونة بالكثير من الأحداث ووجهات النظر سلباً أو إيجاباً ، صعوداً أو نزولاً هو إختيار صعب ومحفوف بالكثير من المخاطر في ركوب هذه الأمواج ، ولكن مما دفعه لذلك هو إيمانه المطلق بقضية شعبه ومعاناته على طول المسير وإلى حيث يكون المصير .

إن أي روائي يختار مثل هذا الموضوع معادلاً لروايته يجب أن يكون متمكناً من أدواته ومتمرساً في تقنياته من سرد وبناء ووصف وحبكة وحوار ليقوم بالمهمة الملقاة على عاتقه من خلق بؤر التشويق لشد القارئ وإستدراجه بما يضمن الهدف الطموح من كتابة الرواية ، وهنا يتحمل الروائي مسؤولية أخرى وهي أن يكون على بينة بأن مهمته هنا ليست كمهمة المؤرخ في توثيق الأحداث التأريخية بكل مفرداتها ولمعظم تفاصيلها وأن لا يحيد عن ذلك وإلا نُعت بأنه مؤرخ غير صادق ، المؤرخ الحقيقي مقيد بالأحداث وبنشاطات أبطاله سواء كانت تتجه نحو اليمين أو إلى اليسار، كما يرغب أو لا يرغب  .. ولكن ليس على الروائي المبدع أن يلتزم بالأحداث التأريخية في كل الجوانب والوقائع والآفاق .. على الروائي المتمكن أن يختار من الأحداث التأريخية وشخوصها ما يطور به السرد من البداية وإلى النهاية وعليه أن يترك من بعض تلك الأحداث التأريخية ما يثقل به كاهل روايته ويضغط عليها من جعلها متهلهلاً ومتهرئاً ، بل على الروائي أن يدفع أبطال روايته وشخصياتها إلى العمل وخلق الأحداث التي تخدم هدفه ، أي عليه أن يلوي عنق الأحداث التأريخية ليصنع منها أحداثاً روائية تحفل به الرواية .. لأن مهمة الروائي تختلف عن مهمة المؤرخ حيث الأول يخلق عالماً حديثاً ومتطوراً بكل أبعاده وآفاقه وفي شخوصه وأحداثه ، أما المؤرخ فإنه ينقل وملتزم بهذا النقل مئة في المئة ليكون أميناً ، الأول يخلق ويبتكر والثاني ينقل ويوثق!!

في هذه الرواية التأريخية ( إمرأة من ضباب ) حاول الروائي أن يكون كريماً في نقل ما إستطاع من أحداث وشخصيات تأريخية وتوظيفها في روايته وكأن لسان حاله يقول.. هذه هي معاناة شعبي وآلامه.. هذا هو نضال أُمتي ورصيدها.. هؤلاء هم أبطالها وقد هندسوا خارطة مسيرتهم بالدماء والدموع والآهات ، ولم تطاوعه نفسه بالبخل في نقلها ما تَمكن منه يراعه وبهذا شذب من سمات الرواية كفن إبداعي في بعض المواقع وعلى حساب نقل كل الحقائق وكأنه يستسلم ليقول للقارئ .. هذه هي الحقائق ؟؟ وكل أدواتي الإبداعية من السرد والحوار والحبكة قاصرة لأن ترتقي إلى مستوى هذه الصور الحقيقية من سفر آلام ونضال وآهات شعب كردستان فلماذا لا تكون الحقائق كما هي وحيثما تجسدت واقعاً ملموساً ؟؟

أبطال الرواية ولدوا وفطموا وترعرعوا مع معاناة وطنهم وشعبهم التي لم تنتهي سواء من كردستان الشمالية أو الجنوبية أو الشرقية أو الغربية ، على أن الكاتب وبحكم وجوده في كردستان الجنوبية فإنه سلط الضوء مركزاً عليها حيث البطل المحوري للرواية ( هرمان ) الذي يشهد بدايات الثورة الكردية عام  1961 عندما تتعرض القرى الكردية للقصف بالطائرات والمدفعية ليضطر الأهالى اللجوء إلى الجبال والكهوف وكان حظ هرمان النزوح مع عائلته والآلاف من العوائل الأخرى إلى مدينة الموصل ليتعلم في مدارسها ولكنه لا ينسى واجب الوطن عليه فينتمي إلى التنظيمات السياسية مع رفاقه وزملائه الطلبة فيضطر إلى الإلتحاق بالثورة الكردية بعد تأزم العلاقات بين حكومة بغداد والقيادة الكردية عام ( 1974 ).. وفي أرض الثورة المحررة ، يوماً بعد يوم ينمو ويتطور الشعور القومي طردياً بإزدياد المؤامرات على الشعب الكردي ، وفي الأرض المحررة يخفق قلبه للحب مع إنسانة أحبها في ظروف عصيبة وهي ( آلاء ) ولكن بعد تلكؤ الثورة يتلكأ حبه الكبير ويكبو عشقه القرير، ولكنه عندما يفقد أثمن وأغلى شيئين في حياته الثورة والعشيقة لا يفقد الأمل بل يواصل النضال مع الجموع الغفيرة من أبناء شعبه ليكون مصيره المحاكم الصورية والسجن في زنزانات ( أبوغريب ) وليكون مصير حبيبته الزواج بعد أن يأست من الظفر بهرمان القابع وراء القضبان الحديدة وسلطة الحزب الواحد ، ولكن الحظ يبتسم له ليشمل بعفو عام ويخرج من السجن ويقرر الهجرة إلى خارج الوطن بعد نشوب الحرب المدمرة بين العراق وإيران وعدم إيمانه بجدوى هذه الحرب .

وهناك بطل آخر من أبطال هذه الرواية وهو( تيمور ) أو ما يسمى بطفل الأنفال الذي يتعرض مع عائلته وعشرات الآلاف من العوائل الإخرى إلى حملات الأنفال والإبادة الجماعية وهو لم يبلغ من العمر إلا عشر سنوات ليتم أخذهم إلى جنوب العراق ليدفنوا في خنادق وقبور جماعية وفي صدفة غريبة وحكمة إلهية كريمة عندما تدفع آلة الشفل الجثث إلى الخنادق يبقى جثة الطفل المجروح تيمور جانباً حيث كان الوقت ليلاً وبعد الهدوء وإنسحاب القتلة من مسرح الجريمة ومع الخوف والترقب ونزيف الدم يغادر الطفل المكان وبعد أن أتعبه المشي والعطش والجوع يدفعه حظه وبصيص نور من خيمة إلى كنف عائلة عربية أصيلة وكريمة كانت ترعى الحلال ليكونوا له نعم العائلة وليخفوه عن عيون الرقباء وليدعوا أخيراً بأنه أحد أقربائهم من مدينة الموصل بعد أن أستشهد والده في القادسية وليس له معين وقد تكفلوا برعايته حالياً ، هذه العائلة العربية العريقة تقوم بواجبها الإنساني قبل الوطني وذلك بتسليم هذا الطفل بعد مرور الوقت إلى عمومته في السليمانية ليكون الشاهد على جرائم أُقترفت ودماء أُريقت للكرد يندى له جبين البشرية ، ومن السليمانية يغادر الوطن إلى أمريكا ليكون له هناك قصة أخرى ، وكذلك بالنسبة إلى ( آزاد ) الذي يترك الوطن إلى هناك أيضاً.

وبطلة من بطلات الرواية وهي ( ليلى ) من كردستان الشمالية وكيف يُقتل والدها على أيدى الجندرمة الأتراك وأمام أعينهم فتحمل ليلى السلاح ضمن تنظيمات حزب العمال الكردستاني للثأر لوالدها ووطنها ولتلقن الأعداء دورساً بليغة في الدفاع عن المظلومين ونيل الحقوق ولكنها بسبب جروحها والمرض تضطر إلى المغادرة واللجوء إلى هولندا ، وكذلك بالنسبة إلى ( شرين ) التي تترك الوطن ليستقر بها المقام في هولندا .

أبطال الرواية حُرموا من كل متع الحياة وما هو عزيز عليهم وعاشوا الويلات عندما كانوا في الوطن وبعد ترك الوطن والتوطين في المنافي وبلاد الغربة لم تكن الحياة والعيش لهم بهذه السهولة حيث العادات والتقاليد الغريبة وهي قيود بالنسبة للإنسان القادم من الشرق ويلاقي الكثير من الصعوبات لكي ينسجم مع هذا الجديد الضبابي الذي يرفضه في أعماقه وعليه تقبله في ظاهره ليكون الصراع قاسياً بين هذين النموذجين المختلفين ليكون نتيجة هذا الصراع ضياع حياة ومستقبل آزاد بعد أن أضطر إلى قتل زوجته ليُحكم عليه ويقضي حياته بين السجن والتشرد والجنون .. أما هرمان فلم تكن معاناة غربته أقل من زميله آزاد بعد أن كان كل أمله أن يحظى بحب شرين التي تدفع بمركب عواطفها إلى ضفاف مشاكسات ( وائل التيجري ) وسلوكه الشاذ لتدفع الثمن غالياً وعزيزاً .. وبعد أن يأس هرمان من خفقان قلب شرين له ومن منطلق التحدي وتجاوز عقدة الشعور بالنقص يبنى علاقة حب معوقة وكسيحة مع ( أليسا ) الفتاة الهولندية التي تنتهي بولد في رعاية زوجته وطلاق تزلزل كيانه .

بعد ذلك وبعد أن أخذ نصيبه مما في الغربة من مباهج زائلة وملذات كاذبة يضطر للعودة إلى الوطن بعد أن يقتنع بتوظيف رأسماله في بعض المشاريع التنموية حيث يلتقي مع شرين في مدينة أربيل لتتأرجح عواطفه وقلبه بين شرين التي كانت وما تزال رضاها منتهى غايته والفتاة البرجوازية (شهناز) .. وأخيراً تقتنع شرين بالزواج منه بشرط ترك كردستان والتنقل إلى هولندا وهي في قرارة نفسها تريد الإنتقام من وائل .

من خلال هذا العرض لمجمل أحداث الرواية يسجل للروائي هذا الجهد الكبير لنقل المعاناة الحقيقة لأبناء شعبه ومن خلال معاناة أبطال الرواية .. وكم كان صادقاً في نقل تلك المعاناة لتكون مادة دسمة وناضجة لمشروع فيلم سينمائي يجسد ويوثق مرحلة مهمة بل ومتميزة من تأريخ ومعاناة وإرهاصات شعبنا الكردي .

وهناك مسألة مهمة يجب ألا نغفلها مما ذهب إليه الروائي في نقاشه مع صديقه آزاد وهم يمخرون عباب البحر على سفينة وهو يدور حول الوضع السياسي والإقتصادي في كردستان والتلكؤ الحاصل في بعض مفردات عمل السلطة والإدارة هناك مع القتال الدموي بين الحزبين الرئيسين آنذاك البارتي والإتحاد الوطني وتسرب بعض الإنتهازين والمفسدين إلى الحزب والحكومة ليكون الأداء ليس بالمستوى المطلوب ويعزيان سبب ذلك للعامل الإقتصادي ويعتقدان بإن عودة الكرد المغتربين إلى كردستان وتوظيف رؤوس أموالهم وكفاءاتهم وتجاربهم كفيلة بالتخلص تدريجياً من هذه الإشكالات لتكون الحياة في الوطن بالمستوى المطلوب .

ولا ننسى بأن الروائي في أكثر من موضع يكرر حدثاُ معيناً ويؤكد بأن هذا الحدث قد مر على القارئ لينبهه ويؤكد عليه ، وأنا أعتقد أن سبب ذلك يعود إلى أن الروائي وهو يمارس مهنة التدريس منذ فترة ليست بالقصيرة يتعاطف مع القراء كأنهم طلابه وعليه التأكيد على إيصال المعلومة لهم ، وأنا أرى بأن الروائي يجب أن ينظر إلى القاريء بأنه ذكي وأن لا يقلل أو يستهين من إدراكه ووعيه في الأخذ والعطاء أو حتى التحليل !

أما فيما يخص أسماء أبطال الرواية فلقد إختارها الروائي بوعي وحس مرهف ليضيف لهم بُعداً رمزياً يُجسد حركتهم مع الأحداث وما يضمه بين جوانحه ولا يرغب البوح به بصورة مباشرة لكي تكون للرواية مضامين وأبعاد إيحائية .. فهرمان يعني في اللغة الكردية البقاء أو الخلود وهذا البطل يمثل الشعب الكردي بصورة عامة والقيادات الكردية بصورة خاصة التي لا تقتنص الفرص ولا تستفيد من دروس وعبر الماضي القريب ولا البعيد .. وهكذا ومع كل الأحداث يبقى إلى نهاية المطاف واقفاً على قدميه ولم يلين عزمه ولا عظمه بالرغم من أن قراراته كانت في معظم الأحيان سريعة وفورية وخاصة في علاقاته مع المرأة كان متردداً وإلى حد ما مزاجياً أمام إنسان يعالج الخطأ بخطأ آخر ، أما إسم آزاد أي الحر والحرية فهو رمز لإسم على مسمى لأن الحرية في أوطاننا تتعرض للكثير من التزيف والمعاناة كما هو حال آزاد البطل من عدم الإستقرار والتهور والسجن ثم الجنون ، كأن لسان الحال يقول بأن دعاة الحرية في أوطاننا بصورة خاصة وفي العالم بصورة عامة مصيرهم دائماً على كف عفريت ؟؟

أما ليلى التي حملت السلاح في الوطن بوجه الجندرمة وخارج الوطن عملت في تنظيمات معروفة وخططت لكل تنتقم وتثأر للعزيزة شرين ، ليلى هنا رمز لأبناء الشعب الكردي وطليعته كريلا حيث المستقبل الزاهر للوطن على أيديهن؟

أما الشخصية المحورية للمرأة في الرواية شرين فأنا أشبهها ب كردستان الوطن حيث مصيرها بيد الأقدار بعد أن يحوم عليها الكثيرون ويريد الأعداء التقليل من وجودها بل ووصمها بالعار ولكن بهمة أبنائها من أمثال هرمان وتيمور وليلى تقف على قدميها لتنال الخلود والشموخ ، علماً بانني لا أوافق الروائي في نهاية روايته حيث الإنتقام والثأر؟

أما فيما يخص عنوان الرواية ( إمرأة من ضباب ) فكنت أتوقع بأن ما جاء في هذا السفر الخالد من تضحيات ودموع وآهات أكبر من أن تُجير وتسجل بإسم فتاة هولندية تزوجها هرمان ولم تحافظ على الوعد والعهد معه ، أما إذا كان هذا الإختيار جاء تيمناً للصحفية الهولندية ( ليزا ) التي أُستشهدت في كردستان فهذا العنوان يكون موضع الحب وكل التقدير .

وختاماً أنا واثق بأن ما طرحته هنا مجرد عرض لقسم من أحداث هذه الرواية الكبيرة ( إمرأة من ضباب ) وقد لا يرتقى طرحي إلى مستوى النقد الطموح آملين أن يأخذ المعنيون بالفن الروائي والنقد فرصتهم ليدلوا بدلوهم حول هذه الرواية التي تستوجب الكثير من الكتابات والمتابعة وهي بحق جديرة بذلك.. مع تمنياتي للعزيز نزار البامرني بالمزيد من الإبداع والتقدم ولأقول له لقد كنتَ وفياً ومخلصاً لشعبك وصادقاً مع قرائك وبارك الله فيكم .