حب ينهض في زمن الخوف
ثامر مراد
حاول أن يقنعها بأنه يستطيع سكب الماء بنفسه ولكنها قالت بأصرار” لماذا أنت هكذا دائماً تحاول أن تضع بيننا حواجز.. نحن أهلك .. وأنا شقيقتك…..نحن هنا في الريف نتسابق لخدمة الضيف ولو أنك لم تعد ضيفاً.. طالما أن أمجد طلب منك أن تكون شقيقنا..أذاً أنت شقيقنا في السراء والضراء.. مد يدك ولاتحاول معي ..أن تمثل دور المصاب بالحياء..” . كانت تسكب الماء بهدوءٍ تام وهو يحاول أن يزيل عن كاهله كل معاناة الزمن المر. شاهدتهُ يصر على أسنانه من شدة ألألم…كانت ذراعه اليسرى تؤلمه كثيراً.قالت بصوتٍ هامس ” لاتخف ستكون ذراعك سليمة بمرور الزمن..لقد نزفت كثيرأ ..حينما شاهدتك ممدداً قرب الباب الخارجي كدتُ أموت من الخوف..تذكرتُ إبن عمي حينما أطلق النار على صدره دون أن يدري..كانت لحظات مرعبة بالنسبةِ لي ..كان يحبني وواعدني على الزواج ..ولكن القدر أخذهُ مني في لحظة من الزمن.. كان في كلية الهندسه..كم كان وسيماً .. حاولت أن أقتل نفسي بعد وفاته..في كل عيد أذهب إلى المقبره ,ابكي هناك حتى تجف دموعي.. لن أتزوج بعده أبداً ..لقد قال لي يوماً ما ” حينما أموت لاتتزوجي ..لأنني لأ أستطيع أن أتصور أن رجلاً يكون بديلاً عني…إنظر كل واحد منا لديه مصيبه…..” راحت تبكي بهدوء. لم يقل أي شيء. كان ينظر إليها وهو يفرك يديه بهدوء لم تكن هناك أي لغه سوى لغة الدموع بينهما. كان يرى وجه شقيقته – ميسون- في وجه هذه الفتاة التي لايعرف عنها أي شيء سوى معلوماتٍ قليلة. كانت ميسون تتفانى في خدمته حينما يعود من كلية الهندسة قبل نشوب الحرب المدمرة. حينما خرجت – سارة– أطلق لدموعه العنان وهو يستذكر كل لحظة جميلة عاشها مع شقيقته على مدى سنوات عمره . لا يستطيع أن يتصور أنها فارقته إلى ألأبد. أحياناً حينما كان يزعجها عن قصد أو دون ذلك كانت تصرخ في وجههِ وتقول ” لاتجعلني أتمنى اليوم الذي أتزوج فيه وأتركك وحيداً هنا في هذا البيت…” كان يضحك من كلامها ويشعر بالأنتصار لأنه جعلها تفقد أعصابها. كان يحبها بشكل جنوني. أحياناً كان يقول لها ” هل تعرفين أن أجمل صداقة هي صداقة ألأخ لأخته …حب لايعرف الخداع والرذيلة ..كم هو حب مقدس” كانت تنظر اليه وهي تقول ” كم أتمنى أن أتعرف على شخص يحبني بقدر حبك لي ولكن أين أجد هذا الشخص وأنا لا شيء سوى فتاة فقيرة لا أحد ينظر إلي أبدأً…من يدري قد أموت يوماً ما دون أن أجد الشخص الذي أكوّن معه أسرة كباقي البنات…لايهم طالما أنك لن تتركني حينما تتزوج ..سأعيش معك وأربي أطفالك.. سأعيش من أجلك ومن أجل أطفالك”.
دخلت – سعاد – دون أن تطرق الباب وكأنها إعتادت عليه. كانت تحمل – صينية – كبيرة تحتوي على أشياء متنوعة من فطور شهي. تبعتها سارة وهي تحمل إبريق الشاي . جلست سعاد قريباً منه بينما ظلت سارة واقفة تنتظر فيما إذا كانت هناك أشياء أخرى ينبغي عليها إحضارها قبل عملية الشروع في تناول الفطور الصباحي. طلبت منها سعاد الجلوس. راحت سعاد تسكب الشاي في قدحٍ كبير حينما ناولته القدح قالت بهدؤء ” طارق..أرجوك أن تأكل قدر إستطاعتك كي تتماثل للشفاء سريعاً ..نحنُ في حاجةٍ إليك في الوقت الحاضر ..ستكون هناك أمامك مهمات كثيرة هنا في ألأرض..طالما أنت أصبحت احد أفراد العائلة ..سنكلفك بأشياء كثيرة هنا في هذه ألأرض..شقيقي أمجد ليس لديه وقت ..يقضي أغلب أوقاته في المستشفى ..ستكون أنت رجل البيت حينما يكون هو في العمل هناك..لا أريد أن اهبط معنوياتك ولكن أريدك أن تستعيد صحتك بأسرع وقت..أعرف أنك تحتاج إلى شهر على ألأقل لتشفى تماماً ولكن إذا بقيت تذرف الدموع على الذي ضاع …هذا سيؤثر على حالتك النفسية ويؤخر عملية الشفاء. جميع شقيقاتي ذهبن للحقل للعمل الصباحي بقيتُ أنا كي أشرف على عملية علاج ذراعك سأغيب عن الحقل لحين شفاء ذراعك…سارة ستكون مسؤولة عن أعمال البيت وإعداد الطعام. أطلب منك أن تتعاون معي قدر المستطاع. لاأريد أن ارى دموعك بعد ألآن..لا أريدك أن تذرف دمعة واحدة أمام البنات…حينما تنام في الليل وتبقى وحيداً أذرف ما شئت من الدموع ولكن ليس أمامي..أريدك قوياً رجلاً بكل معنى الكلمة هل فهمت.؟ أنا لا أقرأ ولا أكتب ولكن مدرسة الحياة علمتني الكثير ..العمل في الحقل ساعاتٍ طويلة أعطاني قوة جبارة أستطيع من خلالها مواجهة كل مآسي الحياة..لن أكرر هذا الكلام مرة أخرة . إذا وجدتك على غير ما اريده منك أن تكون ..سأزعل وأترك ناهدة أو خالدة أو أي واحدة أخرى من شقيقاتي تقوم برعايتك وأعود إلى الحقل. أنا إمرأة عملية وأنظر إلى ألأمور من جوانب الربح والخسارة. أنا أرملة ولن أتزوج بعد ألأن وليس لدي أطفال ولكن لدي طموحات لاتنتهي في هذه الحياة ..هل إستوعبت كلامي؟”. كانت سارة ترتجف من كلام شقيقتها. كانت تعرف مدى جديتها في الحديث وحينما تريد شيئاً معيناً تحققه مهما كان الثمن. كانت جميع الفتيات يحترمنها بشكل لايصدق – ويتجنبن غضبها – . نظر إليها الفتى المهموم بجدية مطلقة..شعر أن شيئاً ما داخله يحذره من هذه المخلوقة ألأنثوية. وجد في شخصيتها قوة لايمكن دحرها. دون تردد قال ” لكِ ماتريدين ياشقيقتي العزيزة..أنا تحت خدمتك منذ هذه اللحظة”. وراح يتناول طعامة بشهية كبيرة. كلما كان يرفع نظراته يجد أن ساره تحدق في وجههِ وتبتسم. كان وجهها متقدأ كقطعة من ورد الجوري في صباح يومٍ ربيعي ندي. كانوا يصمتون ثم يعودون للحديث بين فترةٍ وأخرى. عادت سعاد للحديث قائلة ” اليوم قررت سعاد أن تطبخ لنا بامية مع دجاج..منذ الصباح الباكر ذهبت إلى الحقل المجاور للبيت وقطفت كمية كبيرة من البامية قالت سأجعل طارق ينذهل من طعامي..حقاً أن طبخها رائع..حتى أنني لا أستطيع مجاراتها في طبخ الرز لا أدري كيف تعلمت هذا النوع من الطبخ؟ ” . كان طارق ينظر إليها بين الحين وآلآخر ويقول بطريقة عفوية ” عفية..أنتِ حقاً فتاة رائعة”. كانت تتقد من الحياء ..تنظر إلى ألأسفل وتبتسم .
بعد ألأنتهاء من تناول الفطور قالت سعاد ” سأعود بعد قليل لتضميد ذراعك..ستساعدني سارة في ذلك”. أستلقى على فراشه فقد كان يشعر بأرهاق شديد. ظل يفكر بكلام سعاد. ” حسناً سأحاول أن أكون شخصاً آخر..سأترك الذكريات ألأليمة لوقتٍ آخر..” قال ذلك وهو يمسح آخر دمعة سقطت من عينيه. دخلت سعاد تلحق بها سارة. كانت تحمل أدوات تضميد كثيرة. جلست على ألأرض وهي تقول ” سعاد..أزيلي أكمام قميصه..إرفعيها إلى ألأعلى ..لا..لا..إنزع قميصك كي تكون عملية التضميد أسهل” . ساعدته سارة في نزع قميصه. كان ينظر إلى الجهة ألأخرى . همست سارة بصوتٍ ضعيف ” هل أنت خائف من رؤية الجرح؟ اليوم سأجعلك تتألم ..لا بل سأجعلك تبكي من ألألم..من ينقذك مني اليوم؟” صاحت سعاد ” سارة..كوني عاقلة..الولد ليس لديه مزاج للمزاح”. بدأت سعاد تزيل الضماد القديم بحذر شديد . كان يصر على أسنانه كلما أزالت قطعة من الضماد. كانت سارة تنظر إليه بشفقة . حينما أصدر صوتاً مكتوماً من شدة ألألم صاحت سارة ” سعاد ..بالله عليك كوني رقيقة..الولد يتألم..أرجوكِ من أجلي كوني رقيقة”. لم تهتم سعاد لكلام شقيقتها وظلت تنظف الجرح بكل عناية. قالت ” حقاً أنت محظوظ..لو كانت الطلقة قد نفذت إلى داخل العظم لكانت حالتك صعبة ولكن الحمد لله ..الطلقة إخترقت اللحم فقط. هل تعرف أن كل بنات القرية يطلقون عليّ بالدكتورة..لقد علمني أمجد كيف أزرق ألأبرة وكيف أعالج كافة الجروح. لدينا في البيت أغلب أنواع ألأدوية الخاصة بالأسعافات ألأولية. كل يوم يجلب لنا أمجد أشياء من المستشفى ويقول هذه للطوارئ. نحن نعيش في الريف والطريق إلى المستشفى طويل لذلك أخذ أمجد كافة ألأحتياطات. تعرف أن أمجد رجل رائع ..لا أعرف لو لم يكن معنا ماذا كنا نفعل؟ يجلب لنا أي شيء نحتاجه. زوجته تذهب معه كل يوم إلى العمل ويعودان معاً. مع ألاسف هي لاتنجب ألأطفال. طلبت منه عدة مرات أن يتزوج إمرأة من القرية كي تنجب له ألأطفال ولكنه صرخ بها أن لاتعيد هذا ألأمر أمامه مره أخرى. أخبرها بأنه مقتنع بنصيبه وهذا هو أمر الله . هو يحبها بشكل لايصدق. لقد صرف أموال طائلة كي يحصل عليها. زينب من طائفة أخرى . في البداية رفض أخوها أن يزوجها من أمجد لأنه لاينتمي إلى نفس الطائفة . زينب إمراة عظيمة . هددت أخوها بأنها ستهرب مع أمجد وتجلب له العار إن رفض تزويجها له. طلب شقيقها مهراً عالياً جداً من أمجد. إضطر والدي أن يبيع ” اللوري وماكنة الحراثة والسيارة الوحيدة التي يملكها أمجد” . باعت شقيقاتي كل الذهب الذي كان بحوزتهن كي نجمع المهر. كانت ناهدة تبكي كل الليل لأنها فقدت الذهب الكثير الذي جمعته طيلة سنوات من عملها الشاق في الحقل. قالت لي مرة ” أصبحت يداي خشنه كأنها يدا رجل من كثرة إستخدام المسحاة وفي النهاية أقدمة لأمرأة لاتلد..كيف سأجمع ذهب مرة أخرى؟ أشعر أنني أذبح نفسي بيدي ..ولكن لايهم طالما أن الذهب سيجلب السعادة لأمجد ” . سكتت وراحت تمسح دموعها. لم يصدق طارق أن هذه المرأة الحديدية تعرف البكاء. قال مازحاً ” سارة إنظري …هناك بعض الناس ينصحون ألأخرين بعدم البكاء وهم يبكون..حقاً إنهم منافقون” . ضحكت ساره وهي تقول مازحه” بعض الناس قساة جداً ولكن لهم قلباً شفافاً أنعم من قطرات الندى المتجمعة فوق الورد عند الصباح…أه..لو أستطيع أن أعوض بعض الناس بشيء من الحب الصافي..كم أتمنى أن أقدم لبعض الناس جزءاً من قلبي على طبقٍ من ذهب ولكن ..ليـــــــس لدي أي شيء فأنا لا أعمل في الحقل ولا أستطيع أن أجمع النقود” .
لم تهتز سعــــــاد لكلام أي واحدٍ منهما وظلت تنظف الجرح وتمـــسح دموعها بين الحين وألآخر.
بعد شهر كامل وعند الفجر خرج طارق من غرفته وراح يصلي في حديقة الدار على الرغم من برودة الطقس. كان جالساً على سجادتهِ في وسط الحديقة الخضراء رفع يده إلى السماء وهو يقول ” اللهم ربي ساعدني على خدمة هذه العائلة الرائعة..أعطني القوة كي أعيد لهم أضعاف ماقدموه لي ..اللهم ربي أرحم موتانا جميعاً وأجعلني أرى أمي مرةً أخرى..أعرف أنهم قتلوها هناك.. ولكن أنت قادر على كل شيء.. أنت تحي العظام وهي رميم ..” راح يبكي بصوتٍ مسموع. كانت ساره تنظر إليه من نافذة غرفتها القريبة من الحديقة وتبكي بصوتٍ مكتوم. ظل جالساً فوق الكرسي القريب من شجرة النخيل القريبة من السياج الخارجي . كان ينظر إلى السماء . قبل بزوغ الشمس بلحظات جاءت ساره وهي تقول ” لماذا أنت جالس هنا في هذا الجو البارد؟” . نظر اليها وهو يقول ” أهلاً ساره..لماذا أنتِ مستيقظة مبكرة؟ ” قالت بسرعة ” أنا الذي يجب علي أن أطرح عليك هذا السؤال. بالنسبة لنا نستيقظ كل يوم قبل الفجر.. توجد لدينا أعمال كثيرة. ” نظر إلى ألأفق البعيد وهو يقول ” إنظري كم أن الصباح الباكر جميل..عندما كنت أعيش مع عائلتي كنت أفتقد هذه اللحظات الجميلة. كانت شقيقتي بالكاد توقظني كل يوم في الساعة السابعة والنصف كي اذهب إلى الجامعة..كانت دائماً تقول لي قم أيها الكسول.. كم أفتقدها ..كانت كل شيء في حياتي..لا أعرف كيف سأعيش بعدها؟ ” ….نهاية الحلقة الاولى ..






















