النحات خالد المبارك :
لم أحظ بفرصة لتنفيذ مشروعي الكبير – فنون – عزيز البزوني
خالد محمد المبارك فنان تشكيلي تجربته تمتد قرابة أربعة عقود من البحث والتقصي في مجال الأسطورة والحكاية الشعبية, وله دراسة بحثية في مجال العمارة والتراث الشعبي وبحوث أخرى تتعلق بتنمية التعبير الفني لدى تلامذة المرحلة الابتدائية وانجز دراسة وأطروحة – عن تجربته في مضمار الفن التشكيلي ولا تقتصر التجربة في مجال معين فقط بل تتنوع وحسب مقتضيات العمل والفرصة المتاحة,التقينا به فكان هذا الحوار معه:
{ حدثنا عن تجربتك في فن النحت كيف بدا المشوار؟
– تجربتي في مضمار النحت تمتد ومنذ سن مبكّر عندما كنت أداعب الطين في حديقة المنزل وإنا صغير واصنع منه أشكالا ودمى لشخصيات تارة أحبها وتارة أبغضها وهي وسيلتي الأولى للتعبير الفني , ومن ثم تنامت الموهبة وبرعاية أبوية حينها جلب لي والدي مادة الطين الصناعي وبدأت مشاركتي المميزة في اغلب الأنشطة المدرسية ضمن النشاط التربوي حينها حصلت على أول تكريم وهي جائزة النحت في عام 1972 وتوالت المشاركات وحصد الجوائز والميداليات وبدا المشوار في صقل الموهبة واقترانها بالدراسة الأكاديمية عند دخولي الى معهد الفنون الجميلة في منتصف السبعينات من القرن الماضي والذي شكل عندي شيئا مهما وهو الاطلاع والبحث واستلهام ما هو مثمر وبناء لإضافة الخبرة الفنية وصقلها بالدراسة المعرفية والفنية فكان معرضي الأول في عام 1978 بداية لتشكيل الخطوة الأولى نحو سلم الفن والدخول الى عالمه الواسع والشائك , توالت المعارض ونمت التجربة وبخطوات واثقة يرافقها البحث والتقصي في مجال خزن المعرفة الفنية والثقافية وصقلها في بودقة شخصيتي الفنية وضمن مخطط مدروس ,أول عمل نحتي كان في عام 1978عملت فيه تمثال للسيدة مريم العذراء في إحدى الكنائس المهمة والعريقة في مدينة البصرة وتوالت الإعمال النحتية ومنها تمثال من البرونز لأحد الشهداء وبحجم مترين ونصف المتر في عام 1988 , أول نصب نفذته وبحجم كبير كان في مدينة عالية عنوانه (كلكامش يرقد بين الإعشاب ) وهي إعادة لصياغة للملحمة الشهيرة وفي مدينة وموقع له علاقة بثيمة الملحمة وبقرب غابات الأرز وكان من مادة الرخام الأبيض الايطالي والكرانيت الاسود ويرى المشاهد فيه تناغم وانسجام ما بين الفكرة والخامة ولي قصديه كونه قريباً من المسلات في سفر وادي الرافدين ضم العديد من النصب والتماثيل لمجموعة منتخبة من نحاتين العالم , وفي العام 2008 كان لي فرصة مميزة بتكليفي في تصميم تنفيذ نصب البصرة عاصمة الثقافة العربية وتوالت الإعمال النحتية سواء كانت على شكل إعمال صغيرة وبحجم كبير.
بعين سمكة
{ هل لديك منجز نحتي خلال مسيرتك في عالم النحت وما هو؟
– الحقيقة هو نصب الأحرار والذي ينتظر مرحلة التنفيذ وهو حبيس الرفوف والمشغل وهو يترقب وينتظر ان تتبناه جهة راعية تقدر قيمته كعمل يحوي كل مواصفات العمل الفني وفيه مزايا العمل الإبداعي, ومن الإعمال التي اعتز بها هو نصب (جلجامش يرقد بين الإعشاب), والذي يذكرني بفترة من أجمل الفترات في مسيرتي الفنية ..واذا ما قورن العمل بالعديد من الإعمال التي تناولت ملحمة جلجامش نراه عملا متفردا وبكل المعاير وهي شهادة من العديد من النقاد والباحثين …
{ حدثنا عن معرضك الشخصي طائر بعين سمكة مالذي جاء به ليكون منجزاً ابداعياً ورسالة تود إيصالها؟
– معرضي (طائر بعين سمكة ) وهو ضمن مشروع عكفت على تأسيسه منذ زمن وسلسلة من معارضي المتنقلة والمتحولة والتي بدأتها في مدينة البصرة ومن ثم ذي قار وبعدها انتقلت به إلى الجزائر فالسليمانية والملفت للنظر إن المتحول في الإعمال أنها تتغير في كل مدينة جديدة يقام فيها المعرض …بل تنفذ في المدينة ذاتها وهو مشروع أردت من خلاله توصيل رسالة إنسانية وثقافية مفادها هو ان الإنسان هو محور الصراع والسعي لخلق عالم يسوده الأمن والأمان بعيداً عن الفوضى والقهر والقسوة والعنف وهي سمة العصر بتحولاته المفروضة ضمن عالم تسوده لغة الغاب وهدفه هو قهر الإنسان واستلاب إرادته , طائر بعين سمكة كان عنواناً لمعرض أقيم على قاعة كالري أزاد شوقي والذي حمل في طياته الشيء الكثير …علاقتي الحميمة بالطائر والسمكة علاقة صداقة حميمة بل رفقة طيبة وعبر زمن وهي كائناتي الجميلة التي ارتكز عليها في مجمل إعمالي ترى الطائر هو رمز من رموز المهمة فهو عبر العصور يعطي دلالا ت للتحليق وتارة رمز للحرية والسلام فعند السومريين شيء مهم وعند الاشورين رمز للتحليق والسمو إلى الأعلى كما هو الحال بالرموز التي ادخلها الفنان الأشوري في الثيران المجنحة وهي رمز من رموز قوى الطبيعة وعند الفراعنة وعند الحضارات القديمة , السمكة كذلك استخدمها الفنان القديم والحديث لمدلولات كثيرة فهي رمز للخير وما اعنيه هو الشيء الكثير.يحل طلاسمه المشاهد والمتلقي في جانب التأويل وفكر الرموز , .إذن هي رسالة إنسانية وأخلاقية بامتياز.
{ كيف ترى واقع فن النحت في العراق وكيف يمكن تطوير مستوى النحت ؟
– الحركة التشكيلية العراقية مزدهرة وذات جذور عريقة وعميقة الصلة بتاريخ وحضارة موغلة بالقدم وتحديدآ فن النحت الذي يأخذ مساحة مهمة وكبيرة في التاريخ القديم والمعاصر وهو متربع على عرش المنطقة وله الحضور المحلي والدولي .والدليل الكم من الإعمال النصبية والنحتية والتي يشار لها بالبنان وفيها الشواهد الكثيرة وكذلك هو انتشار الفنان العراقي بكل بقاع الأرض وله الحضور الفاعل والمؤثر …ونلمس هذا الشيء بمشاركاته المميزة ..وإذا ما قيمنا الإعمال المنجزة والمتحققة نرى أنها أصابها الشلل والتريث ولحد فترة 2003 وما تلتها لم تقم إعمال نصبية ونحتية كبيرة الا ما ندر هنا وهناك اذا ما قورنت بسابقتها ولسنين مضت …والسبب هو عدم وجود الدعم والاهتمام الجادين بإقامة ورعاية النحت والنحاتين …وهنالك فرص توفرت لوفرة الأموال والتي كان من الأجدر توظيفها لإقامة هكذا مشاريع جادة وتتوفر فيها معاير الجودة والفن الأصيل بل بالعكس وضفت بغير محلها ونفذت إعمال لا تمت بالنحت والفن بصلة وهو جزء من الفساد الكبير الذي حل بالبـــلد..!
{ مالذي يحدد نجاح وإبراز بصمة للنحات العراقي ومشاركته بشكل فعال ؟
– هو جانب الصدق والجانب الإبداعي والذي يجب أن يتوفر وفق معيار الجودة للعمل المقدم من قبل الفنان وبالأخص النحات ومستوى الدعم ومن الجهة الرعاية التي تحتضن الفنان من اجل تنفيذ عمله ومشروعة النحتي وبالذات النصب والتماثيل التي تحتاج إلى التمويل حالها حال المشاريع الكبيرة وهذا ما نفتقر إليه .
فرصة مشروع
{ الفنان صاحب إحساس مرهف فكثير من المواقف تولد لديه فكرة نحت شيء معين كيف توظف اللون والرموز ؟
– النحت المعاصر لم يعد يقتصر على استخدام الخامات المعتاد عليه بل تعدى إلى استخدام خامات متنوعة وبديلة تجاوز المألوف والمعتاد واخذ الفنان يلون العمل واخد بعداً أخر ,من مجموعة من إعمالي النحـــــتية الملونة أخذت نفس المنــــحى ,في إحدى معارضي الشخصية في عام 2012… والذي كــــان يحمـــــــــل عنوان وجوه وأقنعة …
{ ماذا يمثل فن النحت بالنسبة لحياة خالد المبارك وهل حظيت بفرصة تحقيق ما تطمح إليه؟
– أرى أني لم أحظى بفرصة لتنفيذ مشروعي النحتي الكبير , بل هناك العشرات من المشاريع المؤجلة ,هي حبيسة الرفوف , بل تحتاج الى عشرات السنين الى تنفيذها …أنا غزير الإنتاج وانتقل بأفكاري مابين النحت والرسم والكرافيك وحسب متطلبات العمل والظـــــــروف المتوفرة ,إذا ما توفرت فرصة للدعم وتبني هذه المشاريع, أرى أن البلد استرد عافيته وأصبح ينحو منحى الدول المتقدمة والمتطورة …وارى هذا نوع من الحلم البعيد المنال ….إزاء وضع سيّء يسود البلد وتحكمه فئة فاسدة …ضحيتها المواطن الشريف المستلب والمبدع, وكل ما هو متحقق من منجز لا يوازي الكثير من الأفكار والمشاريع المؤجلة ….وعندما أقارن الأشياء وما متوفر للفنان الأوربي وحتى بعض الدول المجاورة أرى الفرق شاسعاً ….والمعيب والمخزي ان السلوك الذي يسلكه المسؤولين عن الثقافة والدوائر ذات العلاقة بالمشاريع الفنية يدعمون الفنانين السيئين والتي نتيجتها إعمال مضحكة وسخيفة ولا تمت للفن والذائقة بصلة بل تشوه الأمكنة والمدن وهي انعكاس لفساد المسؤولين …
{ كلمة أخيــرة قبل إسدال الستار
– ان رسالتي بالفن والحياة ان يعم السلام والخير والرخاء ربوع بلادي من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه .























