أغنيات معزوفة على ربابة البياض – اضواء – رحيمة بلقاس

غوص في عوالم الشاعر زياد الطيب

أغنيات معزوفة على ربابة البياض – اضواء – رحيمة بلقاس

الشعر باب من أبواب الأدب، لن ندخل في تعريفاته التي لا تعد ولا تحصى، ولكننا سننطلق من تعريفين، الأول لبول فاليري إذ يقول (الشعر فن اللغة)، والثاني لجان كوهين (الشعر لغة داخل اللغة)، هذين التعريفين ينمّ عنهما أن الشاعر حين تتداوله المفردات، ينصهر في بوتقتها، انصهارا يطفو به لتنساب لغته في قالب جديد له سماته تتناسب وتجربته الانفعالية، ومن هنا فالشاعر يذيب اللغة الاعتيادية ليعيد تشكيلها بملامح جمالية أسمى، إن قاموس الألفاظ وما يشكله من ضغط وإلحاح ينتزعان الشاعر من ركام الاعتباط، ليحمل معه وشائج ارتباطه الوثيق بوجدانه، مما يخلق القدرة على استيعاب القيمة الشعورية وتحويلها إلى قيمة تعبيرية، فاللفظة مجرد لبنة في يد الشاعر، تخول له تحويل لغته بطاقته السحرية هاته إلى لغة شعرية. هذه الطاقة التي تصقلها الموهبة والتجربة لتصير قدرة على تنمية ملكات الخيال والإحساس، قد يبهرنا بها البعض عند أول مصافحة لإصداراتهم، إذ تأتي شحنة من إلهام يرسو بنا على ضفاف التأويل والتحليق في عوالم الشاعر وتجلياته المتقوقعة في صومعته… التي هي محراب خلوته مع الذات. هكذا جذبتني لوحة غلاف المجموعة الشعرية “ويبرز القمر” للشاعر زياد الطيب، وقفت مأخوذة بتوهج الأخضر والفسيفساء. تزدحم الرؤى… تتوامض الانطباعات… ترتبك الانفعالات… فتندلق الأسئلة بمسارب الدماغ تثير الإشارات… الغموض الوضوح… الحاضر الماضي… الحب الحنين… العقل الجنون… المرئي اللامرئي… الحضور الغياب…

وما يميّز هذا المنجز هو تبويبه لثيمات معنونة بطريقة مثيرة، توحي أن موسيقاها متناسقة الايقاعات… تعزف على ربابة البياض أغاني صاخبة… تعتمل بوجدان ذات الحالة: “أغاني الأسى” “أغاني الغربة” “أغاني الأرض المحتلة” أنين… تشظي… واحتراق… يتفجر المشهد… ينفرج على شاعرية دفاقة… عن مشاعر رقراقة… عن إحساسات… عن حالة وعي بالحياة، بالإنسان، بالوجود، بالعالم، بالمحيط، بالذات المتداعية، تتجاذبها الأقطاب… تتفاعل… تنفعل… وتعيد نفسها في تجربة شعرية تفسح المجال للذاكرة، للتأمل، من خلال توالي الصور والمشاهد والجراح. أشرطة مموسقة في أغنيات الوجع، الوحدة والبعد، الفقد والجور والاغتصاب والعدوان…

حركية بغليان براكين… خامدة تتحين الانفجار… متربصة لتنفت غضبها… شجونها… أوزارها… برمزية الايحاءات تتوهج في صور بلاغية مضيئة، تنم عن إشراقة شاعرية تختزن طاقة محنكة. طاقة تبحث في خبياها عن:

“شيء ما” (ص15)

شيء أبغيه

أتعذب…

أعدو كي أدركه

عبر صحاري التيه

شيء أحمق

يتفجر شوقا..

يتمزّق

شيء كاللافا يتدفق

تهامسنا الحروف، ينتابنا شعور بالمرارة، شيء ما اعترى طعم الحياة… لتخلو من البهجة… من الاستقرار… شيء كاللافا يتدفق… يجعل ذات الحالة يعتصرها التمزق… التشظي…

شيء

لا لون له..

لا طعم له..

لا ريح

شيء كالريح

شيء مجروح

مجروح القلب ومحزون

شيء مجنون

مجنون لكني أبغيه

أبغيه وأعدو كي أدركه عبر صحاري التيه

عبر مسالك هذا الكون..

وفيافيه

شيء أعشقه أتغزل فيه

رمزية بليغة

في تشكيل استعاري بديع يقدم صوره الشعرية، برمزية بليغة يوظف الخيال لوصف الواقع، معتمدا عنصري التشخيص والتجسيد، يتحدث عن جماد (شيء ما) يأنسنه… هذا الشيء له قلب/ قلب مجروح ومحزون، هذا الشيء مجنون/ لكني أبغيه ــ هذا التشكيل نتاج تقاطع بين مستويات ثلاث (اللغة، الإيقاع، والصورة) تتفاعل فيما بينها، لتبرز المعنى الخفي، الذي هو في بطن الذات الشاعرة، ليتجاوز المتلقي المعنى إلى معنى المعنى، الذي هو ربما سيندهش له المبدع حين الوقوف عليه، أو بعبارة أخرى سيكتشف في ذاته ما كان في اللاشعوره لحظة المخاض، ليولد النص مرات متعددة، الولادة الأولى حين إبداعه، وتتجدد في كل قراءة وعلى يد كل متلق جديد ــ لنعود مع الشاعر للبحث عن كنه هذا الشيء الذي يبغيه، هذا الشيء لا لون له/ لا طعم/ لا ريح / لكنه كالريح/ نلاحظ هنا استعماله للجناس التام ( ريح وريح) هذا الريح (النسيم) و(العطر) يبحث عنه عبر مسارب كل الكون وفيافيه/ شيء أعشقه أتغزل فيه) فهل أدركتموه؟ أكيد ليس إلا الأمان والسلام الذي يفتقده كون الشاعر المتبعثر، المستنزَف بكل أشكال الظلم، من أسى وغربة وأرض محتلة، الاطمئنان والعدل والعدالة والأمان، هي أحلام كل ذات تشعر بالإجحاف بالدمار وبالانشطار والتأفف من كل ما يجري من حولها.

وكلما توغلت في خيوط اللحظات، أحاول الإمساك برؤوسها، تمسكني من ذؤابة رأسي تمظهرات الصور الشعرية، لأعيد القراءة وأعيدها، تنشأ بيني والنصوص حميمية، نذوب منصهرين، نتماهى في بوتقة القلق معا، لحظة العدم الزمنية الثابتة المعلنة توقف العجلات، ولحظة الحيرة الزمنية المتحركة في جريان وتدفق الدموع والأشواق والأسئلة:

الطفل والموت (ص13)

أهون ألف مرة عليّ أن أموت

أن أنزع الشعاع من ذؤابة الشجر

أهون ألف مرة أن يسقط القمر

أن يخفت اللحن..

ويدرك المغني السكوت

من أن أرى الدموع في عينيك كالمطر

من أن أرى السؤال في عينيك

أين راح؟

فإن كان الموت مر علقم، حرقة وملح مدامع رغما عنا، فهو أهون وأقل من أن نشعر بالذنب، باللوم في عيون الأعزة… لم تستطع الموت أن تهزم ذات الحالة، فهي حتمية وقدر، ما لم يتحمله هو سؤال ذاك العزيز بصمت الشفاه وحديث العيون، باستعارات بديعة ومجازات رمزية بالغة التأثير تخترقنا مشاعره المعبر عنها، تصلنا إحساساته لتخترق جدار الوجدان وتنثال بنا الشجون… قد نجح في السفر بنا في الزمنكان، لنتفاعل وننفعل بكل ما نملك من إنسانية الإنسان… (أين راح؟)

سؤال قاس… جوابه أقسى وقعا وأشد:

من أن أراك يا صديق نسأل الصباح

عن ولد سد عليه قبره..

بالشوك والحجر

وتتفاقم البلوى حين الحسرة تدمر ذات الحالة وهو يرى في عيون هذا الحبيب لونا وعتابا للغائب

… المسافر في غير ما أوبة… فكأن برحيله… بفقده… فقد كل شيء… فقد الدفء… من حوله انفض المكان… فخلا الزمان… وابتلعته الوحشة.

ويعود بنا النص الذي أراه توثيقا لهذه اللحظة المقيتة… للحظة اختفاء هذا القمر… خلف الضباب … فتعلو الصرخة… ضجيج البحث والسؤال… سؤال تلو السؤال… ويبتلع النهر الجواب… ويبقى الأمل… سوف يبرز القمر… استخدامه للكناية تؤجج في الدلالات حيوية اللحظات… القمر وحيد لا ثان له ولا شبيه… ما مصير الليل دونه يا ترى؟

إن البوح موضوع فلسفي، يختزل طباعنا ومعاناتنا، همومنا وأحلامنا، لتنساب في لغة تصارع ذاتها… تتحدى عوالمها… تتجاوز الثابت وتنصب عبر المتحول… مشكلة جسدا يليق بالتعبير عن هذا البوح… لتكون وعاء يتحمل هذا الانسياب الشاعري بمقومات جمالية وايقاعية موسيقية تأسر المتلقي… إذ لا يملك أمامها إلا الانحناء والإعجاب لما سطرته مشاعر الإبداع:

سوف يبرز القمر (ص35)

ويختفي القمر

فيغرق الصبي في سباته العميق

وينطوي أمامنا وخلفنا الطريق

ويهطل المطر

هذه اللحظة الحرجة تشق الحيرة حيز المكان، تستيقظ أمام المفردات لغة المحسوسات… فتأخذنا إلى تداخل الدلالات وهنيهة إمتاع حين الإمساك بخيوطها ليكتمل الجمال وتتضح ملامح الصورة “ويختفي القمر” فهل هذا وصف لليلة حالكة، عمَّ فيه الضباب وأظلم المكان… المأساة أكبر من أن تكون مجرد وصف لطبيعة… لحالة اعتيادية… لصيرورة الكون في تعاقبات الظواهر وخبايا الأقمار والكواكب… هذا الاختفاء… وهذا القمر ليس إلا حبيبا… والقرائن الواردة في البيت التالي تؤكد ذلك “ويغرق الصبي في سباته العميق” ويغرق القمر… وتنطفئ العيون… تنفطر القلوب… فتنطوي المسافات من حولهم… أنسنة الطريق بحذف المشبه به، هذه الاستعارة تنقلنا من التجريد إلى المحسوس… يصير للطريق جسم فينطوي من أمامهم ومن خلفهم… تتلاشي المسافات… تندحر… ويهطل المطر/ الدموع… ليغرق كل شيء في اليأس والقنوط

ويختفي القمر

فتصرخ الفتاة رغم الحزن

أين راح؟

يتدحرج السؤال… منفطرا يكرر المأساة… يتجمد المشهد على شاشة الشفاه… وبمرايا المقل يموت الأمل… ويطفو الأيمان… على سطح الأفئدة بحزن تردد:

شيء يقول الصبر يا عباد الله

الصبر.. سوف يبرز القمر

لكن البشر ضعيف أمام القدر… حين الأبواب ترتج بفواجع الغيب الغير منتظر… يفاجئها النوى… يدقها الجوى… والحنين ينخر الصدى… ويخونه الشارع… يبتلع الأحبة بلا رحمة… ليمضي القطار يصم الآذان على سكة الاستمرار بلا عودة… إنها الحياة:

الفتاة والشارع (ص19)

وهمّت تقطع الشارع

فتاة في أوائل عامها السابع

فدوّت صرخة مني،

قفي فالسيل لا يرحم

قفي فالنهر لا يفهم

إشارات المرور وكل ما في القلب من أحزان

قفي لا تتركي النسيان

يغلف كل ما كان

أغاني هاربة

جرح غائر، بلا صوت يشق صدر ذات الحالة، يؤرق مضجعها، يقض نومها، أنى ولى وجهه، تلاحقه الغيوم السوداء، تحاصره الشجون، تتقافز من حوله الأرواح، وتتابع الكوابيس مصرة على الأذى، على تقليبه فوق مجامر الأسى، حقا إنها أغاني الأسى، وأغاني الغربة، وأغاني الأرض المغتصبة تعزفه على أوتار اللظى بلا رحمة ولا عزاء، من هذه الفتاة ولم تتجاوز بعد السابعة تترجل من القطار، مولية ظهرها له، لم تعره أدنى انتباه، لم تستجب لندائه، لرجائه… دوت صرخاته لكن ما سمعتها، انزياح اللغة أضفى جمالا براقا على الصورة، الصرخة تسمع نفسها.

وتبقى ذات الحالة وحيدا… بعيدا… عن الوطن… عن الأحباب… عن الذات… اغتراب وغربة… غربة فرضتها ظروف السفر من وطنه الحبيب:

رسالة (ص43)

إليك أسرتي الحبية

أكتب من بعيد

عن نفسي الحائرة الغريبة

عن جرحي الجديد

بالأمس حينما ودعتكم في آخر النهار

وأمطر الرحيل في عيوننا

وصفر القطار

يشتغل بحنكة ومهارة على انزياح اللغة، فتغلغل صوره الشعرية بدلالات مشاركته المتلقى معاناته

وأمطر الرحيل في عيوننا

إنها لحظات الوداع، وما أقساها، شقاء يغلف الجفون، تتندى المدامع حارقة، تشرب من كؤوس الفراق، تودع الأم والأب والإخوة وكأنك في رحلة اللاعودة، أو كأنك في عودة منتظرا ستجده. .