كتاب لكل الإعلاميين
الحرية والفوضى والثورات – اضواء – زيد الحلي
الكتب التي تناولت الإعلام وتأثيراته كثيرة ، وهي بازدياد على مر الايام ، بل انها في ضوء اتساع رقعة الاعلام ووسائل الاتصال المختلفة ، باتت اكثر الكتب عددا ومقبولية عند القراء ..ومن الكتب التي انتهيت من قراءتها مؤخرا ، كتاب د. ياس خضير البياتي الصادر عن هيئة الفجيرة للثقافة والاعلام بـ 520 صفحة من القطع الكبير .. وحين اهداني الصديق البياتي كتابه ، فرحتُ ، وحزنتُ في آن واحد .. فرحتُ بالجهد الكبير المبذول في تأليفه ، وحزنتُ لضيق الوقت في قراءته … فأنت امام كتاب في 13 فصلاً و103 عناوين مختلفة الاتجاهات الإعلامية ، لكنها تصب مجتمعة في اصل عنوان الكتاب وهو ( الإعلام الجديد / الحرية والفوضى والثورات ) وهو عنوان ربما يفي بما اراد المؤلف قوله ، لكن لدي رأي فيه ، سأعرج عليه في سياق المقال .
موضوعات سمتها البحث العلمي ، والممارسة الشخصية كصحفي مهني واكاديمي متمرس ، توزعت بين مفاهيم عصر المجتمعات الرقمية ومفاهيم دولة الاعلام “الجديد ” منها : الاتصال من الاشارات الى عصر الاختراعات الرقمية ، مجتمع المعلومات وصناعة المعرفة ، بيئة المجتمعات الرقمية ، الصحافة الالكترونية والحبر الرقمي ، التسويق الالكتروني وحروب المال ، الاشتباك في عصر المعلومات ، ومقاربات التعايش والنظريات والتأثير ، الشبكات الاجتماعية وتغريدات الفيسبوك والتويتر ، اعلام الهاتف المحمول ونجم المستقبل ، تسونامي الربيع العربي وجمهورية الفيسبوك والثورة الرقمية في خدمة شعوبها ، وتقليص فجوة التقنية ، والمشاركة في صناعة المعلومة ، وتعميق الديمقراطية في الحياة ، وتطوير التعليم وتفعيله ، ومصارحة الذات ونقدها ، وتوعية الشباب وتبصيرهم بأهمية العلم .
وهي موضوعات ، يستحق الواحد منها ، كتابا مستقلاً…
جهد استثنائي
للأمانة اقول ان المؤلف ، بذل جهدا استثنائيا في كتابه ، يستحق عليه الثناء .. فقد بين بالرقم والصورة والمعلومة ، ان الاعلام كائن مبدع وجميل ، ومعطاء ، يمكنه ان يطرز الحياة بألوان الطيف والبهاء والوعي ، ويجعلها هنية وسوية ، وهو يمثل منظومة ثرة في جوهرها على مدى الدهور ، وهذه المنظومة هي التي تجعلنا نجس المستقبل، الاعلام يهيج الوعي الراكد ويمد بعض الوعي والادراك إلى كآبتنا الجاثمة فوق عقولنا ، وإذا تأملنا تاريخ الاعلام ، سندرك جيداً أنه استطاع أن يتخلخل تجذرات عديدة في بنى الوعي، ومكن العقل الانساني من تجاوز العديد من الانساق الفكرية البالية وأبعده عن الرطانات والزخرفات …
من الصحيح ، ان لا يستطيع أي شخص تكوين موقف معين أو تبني فكرة معينة، إلا من خلال المعلومات والبيانات التي يتم توفيرها، أي لا بد من معلومات سابقة في الدماغ لأجل إحداث عملية تفكير سليمة، وبما أن الإعلام يساهم بشكل مباشر في إعطاء المعلومات التي يسوِّق لها بالكيفية التي يحددها وفقاً لصياغة الأخبار بطريقة معينة، وبمؤثرات بصرية معينة، فكان وما زال لديه القدرة على إحداث تغيير في المفاهيم والسلوك.. وهنا تكم خطورة الاعلام في سالف الزمان ولاحقه …لقد كان الإعلام بمختلف وسائله لغة كل االعصور، والناس بمختلف فئاتهم استخدموه ، وهو تجربة انسانية طويلة ، متنوعة الالوان ومن العسير على اي انسان ان يبلغ حقيقتها او شطراً منها ، او يبلغ مدياتها او شطرا منها ، عن طريق سعيه الوحيد ، ولابد ان تصالب الجهود ، وتتآزر الهمم في سبيل الكشف شيئاً بعد شئ ، وبحركة متطورة متقدمة دوماً عن كيفية نشوء الاعلام ، واهدافه على مر السنين ..ان الاعلامي المبدع ، هو النسغ الذي يبقي شجرة المجتمع يانعة ، وبدونه تجف وتصبح حطباً ، هو الذي يعطي الطراوة والنضارة والحياة لشجر الناس … هو الثقافة المجتمعية التي تضيء ، وتخلق المناعة والحصانة .. والصحافة هي التي تبقينا حراساً للحلم والثوابت والحقوق التاريخية ، هي التي تميزنا عن باقي المخلوقات ، وهي الذاكرة والفعل ، ومحرك الفعل !لقد تجول د. البياتي في ازقة الاعلام، ودروبه، وعلم قارئه النفاذ الى عمق الاشياء ، واكتشاف معانيها الخفية .
معنى الإعلام الجديد!!
من جهتي ، ورأيي الشخصي ، فان عنوان الكتاب لم يرق لي ، فكلمة ( الإعلام الجديد) التي عنون بها د. ياس خضير البياتي مؤلفه الجديد ، جعلتني افكر كثيرا : هل هناك اعلام قديم ، حتى نأتي بتسمية اخرى هي الاعلام الجديد ؟ فنحن منذ ان ادركنا هذه الحرفة او المهنة قبل نصف قرن ، وما قرأناه ، وما درسناه ، نعرف تعريفا واحدا لمهام الإعلام ، لكن المتغير هي الظروف وتطورات الحياة فقط ، غير ان الإعلام بقى يؤدي مهامه .. شأنه شأن مهنة المحاماة والطب والطيران والهندسة وكل الفروع الانسانية والصرفة ، واذا كانت هناك خطوات تطويرية فيه ، فهي بالجانب القني الذي شمل كل مناحي الحياة ، وهذا لا يمس جوهر التعريف والمهام ، بل هي من المحسنات التي تضيف النكهات!
فمنذ بدء الخليقة ، مرت البشرية بمراحل تطور بالغة الأهمية ، تغيرت خلالها لغة الاتصال بين البشر ، من عصر الرموز والعلامات والإشارات ، إلى عصر اللغة المنطوقة والتخاطب ، ثم وصلت لعصر الكتابة اليدوية البدائية ، قبل أن يعرف العالم الطباعة ويدخل منها إلى عصر الاتصال الجماهيري بدئا بالصحافة الورقية ، ثم الصحافة المسموعة والمرئية التي عرفت في بدايات القرن العشرين ، مع اكتشاف السينما ، وأجهزة الاتصال السلكية واللاسلكية ، تمهيدا للوصول بالعالم إلى مرحلة الاتصال التفاعلي ، من خلال الانترنت ، والصحافة الاليكترونية .. لكن ( الإعلام ) بقى على ذات مهامه ، فهو في اللغة ( مصدر من أعلم يعلم وأخبر يخبر أي أخبر بخبر معين ) اذن ، فتداول الناس للأخبار والأحداث اليومية فيما بينهم يندرج تحت هذا المفهوم اللغوي لكلمة الإعلام ، فتناقلهم للأخبار يسمى إعلاما في اصطلاحات اللغة العربية.وفي تعريف اساتذة الاعلام البارزين ، نجد ان زيدان عبد الباقى يعرّفه بالقول أنه تزويد الجماهير بأكبر قدر من المعلومات الصحيحة او الحقائق الثابتة والواضحة وهو “نشر المعلومات بعد جمعها وانتقائها ” وهو “الإقناع عن طريق المعلومات والحقائق والأرقام وهو التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير وميولها واتجاهاتها في نفس الوقت وهو ليس تعبيراً ذاتيا من جانب الإعلام” ويتفق محمد سيد وعبد اللطيف حمزه مع الألماني “اوتوجروت” بأن تعريف الإعلام هو : “التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير ولروحها وميولها فى نفس الوقت”وباختصار اقول ، ان كلمة الإعلام اتسع مدلولها الى درجة أصبح من الصعب تعريفها ، لكن ليس من بينها ( اعلام قديم واعلام جديد ) فالإعلام واحد ، هو الاتصال بين المرسل (إعلامي) والمستقبل (الجمهور) عن طريق وسيلة إعلامية تنقل بواسطتها الرسالة الإعلامية من طرف لآخر.. سواء في الراديو او وكالة انباء او التلفاز او الفيس بوك او تويتر وما شابه ذلك ..
لكن يبدو من خلال مطالعتي المسهبة لكتاب د. خضير البياتي ، وهو كما ذكرتُ ، اعلامي اكاديمي، ومهني زاول الصحافة مدة طويلة ، اراد في مؤلفه الفخم ( 520 ) صفحة من القطع الكبير ، ان يوصل رسالة اعلامية لمفهوم عبارة ( الاعلام الجديد ) بالقول ( ان الاعلام الجديد والذي يُطلق عليه البعض تسمية ” ديمقراطية المهمشين ” سنشهد صعوده بوتائر متسارعة في ما هو قادم من الايام ، اعلام فيه لاعبون ومشاهدون ، بل الكل فيه لاعبون سواء كانوا محترفين ام هواة من الصفوة او المهمشين .. إعلام يقوم بكل الادوار المتوقعة ، لا موانع تحده أو سقف يحول دون صعوده مثلما يتطلب اموالاً كثيرة او تقنية عالية .. وبدون شك فإن المشهد العام لهذا الاعصار الجديد ينبئ بمتغيرات خطيرة ، ايجابية وسلبية ، لأن الإعلام الجديد اسس له دولة افتراضية جديدة بلغت بلايين البشر يختفون وراء الشبكات الاجتماعية )
اذاً ، ما علاقة مفهوم ( الاعلام ) بهذه الثورة التكنولوجية التي يمارسها بلايين البشر .. فهذا منجز علمي لا علاقة له بأسس الاعلام المعروفة ، والحالة شبيهة بملعب كرة قدم ، او حلبة ملاكمة دون مواصفات اولمبية او معايير متفق عليها !
تعريف واحد ..الإعلام هو تصوير المُستقبل بما يخدم توجهات الجهة المتبنية لوسيلة الإعلام حيث يتم تصوير المستقبل استناداً إلى أمور غير واقعية… فغض الطرف عما يحدث في الواقع وتجاهل بعض الأحداث والشخصيات بهدف إلغاء آثارها.. إعلام ! وتكذيب خبر صحيح وتجميع القرائن ضده لكونه لا يتناسب وتوجهات الجهة المتبنية لوسيلة الإعلام .. إعلام كذلك ..ومحاولة تغيير واقع موجود وفرض واقع جديد من خلال الضغط الإعلامي المكثف المؤيد لوجود الواقع المفتعل ..إعلام ايضا..في كل ما تقدم ، ان الإعلام ، هو اعلام … حتى في وطننا العربي لم يتغير هذا المفهوم .. ولعل دارس مناهج الإعلام في جامعة القاهرة منذ ان فتحت أبوابها لعلوم الإعلام والاتصال ما بين 1939-1940 حيث افتتح أول معهد عربي للتدريس الأكاديمي للإعلام والصحافة تابع لكلية الأدب وكان تحت اسم معهد التحرير والترجمة والصحافة وكانت الدراسة فيه سنتين ، ولغاية انشاء قسم الصحافة في ذات الكلية عام 1954 ومدة الدراسة فيه اربع سنوات، وحتى تحوله في نهاية سنة 1975 إلى كلية الإعلام …
ان الإعلام مفهوم عصري ينطبق خاصة على عملية الاتصال التي تستعمل الوسائل العصرية من الإذاعة والصحافة والتلفزيون ، فالإعلام هو تزويد الناس بالأخبار والمعلومات والحقائق ، ويعرف فيرناندو ثيو بأنه نشر الوقائع والآراء في صيغة مناسبة بواسطة الألفاظ أو الأصوات وبصفة عامة جميع الإشارات التي يفهمها الجمهور المتلقي ويعرف الإعلام أيضا بأنه تلك العملية التي تبدأ بمعرفة المخبر الصحفي لمعلومات ذات أهمية أي معلومات جدير بنشر ثم تتوالى صيغها من جمع المعلومات من مصادرها الى مرحلة التعاطي معها وتحليلها ثم نشرها ، أي إطلاقها أو إرسالها بصحيفة أو وسيلة من وسائل الإعلام إلى طرف معني بها ومهتم بوقائعها.. مفهوم استمر على مدى الدهور .. ليس فيه مكانا لكلمة ( الجديد) إلا بمفهوم التطور التكنلوجي ، وهذا امر شمل كل مناحي الحياة ، فالفاكهة التي نتناولها هي ذاتها بغض النظر عن طريقة زراعتها او تطور ري سقيها او انباتها ، فلا يمكن ان نقول : التفاحة الجديدة او البرتقالة الجديدة .. وعذرا للتشبيهات !! جهد كبير وشاسع المدى ومشكور للدكتور ياس خضير البياتي ، الذي اتحف المكتبة العربية بهذا الكتاب الشيق والجديد في محتواه .. وما قامت به هيئة الفجيرة للثقافة والاعلام من جهد لنشر الكتاب بالشكل الجميل الذي رأيناه ، دلالة على نضج ثقافي وإعلامي وفهم لمفهوم جدلية الإعلام التي باتت اليوم احدى ابرز مثابات التقدم في العالم المعاصر .
























