في الغد يوم آخر – نصوص – علي حسن
طواهم البحر في ما طوى وغابوا فيه وعندها ترآى للمراكب أن تعود بعد أن اتعبها البحث إلا ان بعضها أبى ان يعود رغم اعتكار الليل وهمهمات البحر وظلت فوق مائه تنظرهنا وهناك وفي الصباح كانت في المرفأ . التصقت عيونهم بهم وتابعت خطواتهم وهم ينزلون منها . كانوا صامتين . لم يقولوا شيئا أو يومئوا الى شيء . عندئذ عرفوا هم أنهم لم يجدوا أحدا . فبكى منهم من بكى ، وصمت من صمت إلا هي . فقد انتابها قلق خفي عليه . ربما يكون في مكان آخر . قالت ذلك في نفسها وكانت تحاول طمأنتها غير أن القلق ظل يساورها . ولحظتها كانت تقف على حافة الماء . وغير بعيد عنها انتشرت الجثث التي نال منها البحر فقذفها الى الساحل وجثث اخرى جاءت بها المراكب .
كانت الجثث في العراء وريح الخريف الباردة تمرعليها . فثبتت نظرها فيها لكنه لم يكن بينها . وعندذاك أدارت وجهها اليه أأخذته ؟ سألت . لا. لم آخذه . هو جاء إلي . قال البحر . أعده لي . قالت هي . صمت البحر وصخب قليلا ثم سكن . فأبعدت وجهها عنه وصمتت هي الأخرى . كانت تعرف أن البحر يبلع ما هو كائن فوقه. رجالا أو نساء . مراكب أو جثثا متعفنة . صناديق فارغة أو سمكا ميتا . لم يكن يفرق بين الأشياء أبدا فكل ما فوقه هو له . لكنه لم يدرأنه قد أحزنها وأبكاها ولم يبق لها إلا أن تسير فوق ضبابه لا فوق أشجار السنديان والبلوط .
وأعادها إلى نفسها صوت خشن دار في الهواء فالتفتت خلفها ورأته . كان يشير إليها وإلى بعض من كان يقف قريبا منها . فاقتربت منه . أنت وحدك ؟ سأل . لا . كان معي زوجي . صمت الرجل وأشار اليها أن تقف قرب القارب المطاط ذي اللون الأزرق . كان التعب يدغدغ ساقيها فجلست على رمل الساحل وكان باردا . ورغم برودته بقيت في مكانها ومدت يدها الى الرمل وقبضت على حفنة منه ورفعتها أمام عينيها ونظرت وإذ بموجة الحلم تأخذها منها وتغيبها في تلافيفها فغابت عن الحاضر الى الماضي – كان علي ألا آتي – هكذا قالت لنفسها – لكنني لم أفعل . كنت أحبه . وكان قريبا من قلبي ، رغم انه كان غريبا عني . وغريبا عن بلدتي . ولهجته لا تماثل لهجتي . لكنني علقته . فأحس هو بما في فانتبه لي . كنت أريده فكان لي ، لكنه هو أخذه مني وأبقاني أنا . آااه لو أخذني معه – وضغطت على حفنة الرمل فلم تجدها في يدها . كانت قد سالت على الرمل والتصقت به . وعند ذاك طفرت الدموع من عينيها .
وحين فتحتهما لم تجد ما كان ماثلا أمامها بل ابتعد عنهما واختبأ خلف ستارة سوداء فشعرت أنها وحدها وأن الظلام كان في عينيها أسود مثل الكحل . ما أتى به إلي ؟ قالت . لم يجبها أحد لا من داخل نفسها ولا من خارجها وما سمعته إنما كان صوت البحر ، وكان صوتا خافتا ناعما مثل قبلات يتناوبها عاشقان . فصاحت أين أنتم ؟ . لم تسمع أحدا منهم يرد عليها فقد كانوا في حالة أخرى عدا امرأة كانت قريبة منها طلبت منها أن تكف عن الصياح وتسكت . فما بهم يكفيهم . وأحزنها كثيرا ما قالته المرأة فغطت وجهها بيديها وبكت بكاء لم تبك مثله فقد أحست بالتيه يقذفها من جانب الى آخر لكنها حينما رفعتهما عنه أدهشها أن الأشياء عادت اليها وانطبعت في بؤبؤيهما صافية مثل البللور . أفرحها ذلك كثيرا رغم ما في قلبها من غم . أتأتين ؟ سألت المرأة . فالتفت إليها نعم . ما يمنعني عن ذلك ؟ . قالت هي . كانوا صامتين وحائرين بأنفسهم فلم تلح لهم الطريق وأدركوا أن عليهم ألا يتوانوا في مشيهم وألا يفكروا بالتعب بل عليهم الوصول اليه . فهو ينتظرهم . هكذا قالوا لهم . وقد لاحظها الرجل وهي تتعثر في مشيها فقال لم يبق الا القليل . ونكون فيه . فهزت رأسها أجل . لا وقت للتواني . وكان الطريق يدور بهم . ويدورون به . وكان رطبا من ندى البحر بينما كانت تحيط به أشجار كثيفة تفتقت عنها خضرة داكنة . تلك اشجار السنديان . قال الرجل . فنظرت إليها وابتسمت نعم . غيرأن السنديان عندنا أجمل . فضحك الرجل دعك من هذا . فكري في الوصول . وفي مكان دافئ تنامين فيه .
ارتفعت اصواتهم عندما رأوه من بعيد . كانوا فرحين بما رأوا . كان القطار واقفا وأشياء لم يتبينوها جيدا قريبة منه لكن عيونهم لم تهتم لها بل كانت ملتصقة بفراكين القطار التي فتحت أبوابها لهم كيما يدخلوا اليها وتسير بهم الى حيث لايدرون . انه المجهول . والمستور . والمخفي . عالم غريب لكنه جديد . فساروا نحوها ببطء غير معهود فيهم . ولما وصلوا اليها فوجئوا بها ، فجمدت عيونهم عليها .
كانت ثمة جثث أمامهم . وكانت تنتظر من يحملها . وعندما دنوا منها كثيرا منعهم حراسها . عندها بكى بعضهم ، بينما وجم بعضهم الآخر وبكت هي
مع من بكى . ورأته بينهم . كانت عيناه مغمضتين . وقميصه الأزرق الفاتح يظهر جزءا من بدنه . كانت هي قد اشترته له قبل أن يأتيا الى هنا . قالت له خذه . انه لك . فابتسم لي أنا ؟ فقالت لا أحد هنا غيرك . انه جميل . فقالت وهو بلون البحر. بحران معا . وضحكت . كانت الأشياء التي تذكرتها تدق في اذنيها مثل أجراس الكنائس الصغيرة . فأوجعها ذلك كثيرا . واقتربت منه إلا انهم منعوها . فقالت لهم انه زوجها لكن الرجل الذي كان معها قال لها دعيه . الموت يلاحقنا وأمسك بمعصمها فقالت بشراسة دعني . إن بقيت فلن تصلي . فقالت إذن أبقى معه . لن يسمحوا لك بهذا . لم تستطع ان تلم ما في ذهنها لتقرر ما تفعل لكنها بلا وعي منها سارت بها قدماها معهم نحوه حينما رأتهم يدلفون اليه واحدا واحدا رغم انه كان ضيقا وسمعت صوت المرأة التي سارت معها يصيح ان الفركون لايكاد يسعهم فرد رجل بغضب ليكن ضيقا لكنه أفضل من سعة البحر . فران الصمت عليهم وتذكروا ما كانوا فيه وما هم فيه اليوم فدمعت عيون بعضهم بينما طال النحيب بعضهم الاخر. لم يبق أحد خارجه سواها فتقدمت نحوه ورفعت نفسها اليه لكنها لم تستطع فضحكت وعند ذاك اقترب الرجل من حافة الفركون ومد يده اليها وحين أمسكت بها زعق القطار فجأة فجفلت فأفلتت يدها من يد الرجل ودارت في الهواء وسقطت فأنت بألم . كانت ساقاها على قضبان السكة الحديد وحاولت أن تسحبهما عنها إلا انها لم تفلح فخنقها الرعب وشل جهازها العصبي فلم تتحرك أبدا وظلت في مكانها بينما كانت عجلات القطار تدور على سكتها دورات متتالية دون أن تدرك ما كان تحتها بينما كان من فيها يتوق الى رؤية شمس الخريف الدافئة في يوم آخر .
























