حياوي – نصوص – هادي عباس حسين
انه يسقط وبخطاه المتعثرة ومن بدلته الرصاصية اللون يعرفه الجميع انه الأستاذ حياوي صاحب أجهر صوت في مدرسة الحي .ومن لم يعرفه بحبه وإخلاصه في عمله فقد تدرج من معلم بسيط للغة العربية ليستقر به المطاف قبل إحالته الى التقاعد أن يكون مديرا للمدرسة وكثيرا ما تم ترشيحه ان يشغل منصب المفتش التربوي لكنه لم يكن راغبا فيها وكلما سألوه عن الأسباب كان جوابه
_لقد خربت عملية التدريس ولا يحتاج لها رقابة ومفتشين…
كلما استقر نظري على شكله وهيأته ازددت آلما ومرارة لاردد مع نفسي
_سبحان الله مغير الأحوال. .
لكن حاله كان جيدا لولا سوء تصرفاته مع نفسه ليعلن و بقول
_أريدك أيتها الروح أن تذيقين المرارة…
فقد كان يبقى أياماً وليالي بلا طعام وشراب كي يعذب نفسه التي أوصلته إلى هذا المنعطف المخيف.كل من يعرفه يخشى عليه من واقع أصعب من هذا وأكثر سوء وا منهم من يبقى ساكنا بلا كلام ومنهم من يقول له
_ أعانك الله وحفظك…
وأنا لعلي أعارض كل الأقاويل التي اسمعها لتستقر في مخيلتي صور لنهايات مجهولة تتجمع في كلمات ارددها
_اللهم خذ أجله. ..
لم تعد فيه فائدة على الإطلاق. فقد بات ينسى .توقفت بجواره لأقول له
_كيف صحتك أستاذ حياوي..؟
تعمق نظرا في وجهي مجيبا و متسائلا
_هل البطيخ أطيب أم الموز…
وإني متأكد انه لا يذوق أي منهما لكن لابد من وجود حلقة مفقودة تكمل ما يدور في ذهني.لم تهدا عيني وفيها تصورات ونظرات أفضل من التي تختزلها ذاكرتي له يوميا. أجده سقط ولم يستطيع النهوض فأمسكته بيدي بقوة لأساعده في أعادته إلى حالته الأولى.وجدته بدلا من الاستجابة لمساعدتي له دفعني بقوة وصاح بسخرية
_ما زلت كالأسد….
أي أسد عجوز تعبان أرهقته سنوات العمر لن استوقف بكلماته بل أجبته بالفور
_أستاذ حياوي….أنت متعب عد إلى البيت…
ظل واقفا يتأملني بهدوء وتركيز حتى انتهى به الأمر أن يسألني
_هل أنت معلم …كنت معي فوجهك لم يكن غريبا. .أنت أستاذ عواد…
أجبته بإشارة من راسي قائلا في نفس الوقت
_نعم أنا أستاذ عواد…
أنا لست هو… مما زعم بالأمر بل أردت أن أتمكن من الاستمرار حتى أقنعه بالتراجع والعودة..
قطرات المطر بللت الشارع وشعرت باضطرار لفتح مظلتي له قائلا
_هيا أحتمي بالمظلة…
حاول أن يحرك جسده الثقيل ليحمي شعيرة رأسه البيضاء من زخات المطر التي اشتدت بعض الشيء. سمعته ينبس بكلمات فهمت آخرها
_كان شعر أستاذ عواد اصفر. ..
حرك بأطراف أصابعه خصلات شعري ونطق بحزم
_كل شيء قابل للتغيير. ..
وجدته تذكر بهدوء ناطقا
_ يا رباه …أستاذ عواد قد مات…
بالفعل رحل هذا الرجل الطيب والمربي الفاضل الطيب القلب قبل عام سنوات أثر مرض عضال لم يقاوم بل استسلم له بسرعة كان رحيله قد مثل حياة الوحدة والغربة والوحشة بالنسبة لهذا الرجل فقد ظل سنوات عديدة متلازما معه لقد ترك أستاذ عواد أثارا بليغة في نفوس كل معارفه لكن كان غيابه له أثرا موجعا في حياة أستاذ حياوي ليصبح أحزن رجل في المحلة بهذا الفراق ,ألم الصور تتزاحم في رأسي كلها تنوعت لتوضح طعم المعاناة وال مرارة والعذاب. كلها تتسابق للظهور كأنه شريط سينمائي أمامي نسيت نفسي كليا وكأنني غادرت المكان الذي فيه وحكايات من عالم غريب عالم أستاذ حياوي شعرت في النهاية انه تمدد على أسفلت الشارع مغمض العينين لم أحس بأنفاسه تتصاعد بل أيقنت انه أمسى جسدا بلا روح وسيل الماء النازل من السماء كأنها تجمعت لغسل ذنوبه التي أخبرني بأنه لم يعد يتحمل إعادتها معيه دموعي تسيل على خدي وتركت مظلتي تغطي وجهه المبتسم….
























