تطريز على وسادة الوداع 2-2
في غمرة النشوة الشعرية – نصوص – نعيم عبد مهلهل
أحمر الشفاه ومفردة الآه وما صنعه الله ترابط يصنع معجزة وجودية قادرة على منح الحياة ديمومتها ، فمهما يكن ، فرؤى اللون هي وسيلة جذب وخلق مشاعر مختلفة عن وضع سابق نكون فيه ، وتتغير أفعالنا وفق نتاج المؤثر الذي يصنعهُ اللون . الزرقة للهدوء ، والاصفرار للغيرة والكره ، والاخضرار للتفاؤل القادم ، والبياض للصفاء ، والسواد للحزن ، والاحمرار للغضب. ولكن في الشفتين الحمراوين يكون هذا اللون مدعاة مودة يكتمل فيها وفاق جسدين صوب ما نعتبره عملاً للخلق والديمومة وصناعة الأشياء الجميلة وبهذا يكون الأحمر ميالاً الى صنع مودة ووفاق كباقي الألوان الفاتحة بالرغم من فورته الدائمة .ومع الشفاه والاه يتضور الجسدان محنة التلاقي والوصال وصنع الوردة والليل الذي لا ينتهي………..!
كلن هذا كل ما مدون على النشرة المدرسية ، وكنت اشاهدها ترميني بنظرة وانا اقف اعيد قراءة كلماتي فيما اعجب بعض التلاميذ بها ونقلوها في دفاترهم والاقرب اليهم اسرني انه اخذها الى فراشه معه وهناك ايقظت فيه الرغبة لتخيل انثى ما مما اضطره ليمطر وهو تحت الفراش.
الآن لحظتكَ هو العطر الأحمر القادم من فم دومنيكان وقد استوعبت كل شروحاتك عن الأحمر التي ظننتها مملة ، لكنها فاجئتك بالقول :انك تحدثت كثيرا عن الاحمر ولكنها سياحة ممتعة وانا اتدفيء بنار الكلمات وفي نفس الوقت اضع راسي على صدرك العاري واتنمى ان اكون تلك الطالبة التي سحبتك الى ورشة المرسم واعطتك ما كنت تمنيت منها لحظة سؤالها أن كان هذا الاحمر يصبغ شفتي الشاعر لحظة غياب وعيه فوق السفينة وترك للبحارة يكتبون فصل الجحيم هم.
تغيب في شفتيها كغيب المتصوفة وهم يستشرقون ومضة الشوق في بدن ما يتعشقون في متون السماء القصية . ولأنك تشعر أن ليلة اخرى مع دومنيكان تبقي فينا شيئا من شهية تلك اللحظات الخالدة التي حدثت بسرعة البرق في ورشة المرسم تبقي فخذاك متسمرة على افخاذ صليبها وتحاول ان تبتكر شيئا لا تعرفهُ هي .
لكنك تتفاجئ من انها تعرف كل وضع ، حتى ذلك الوضع الذي كان يضحككم في مشاهد نهارات الاهوار عندما يتعلق ذكر الجاموس بأنثاه من الخلف.
تقول بشيء من الغضب : لست جاموستك .أنا انوثتك؟!
ولكنك تعترف لها أن تلك المشاهد الجنسية بين حيوانين تثير في العزاب شهية خفية لامتلاك امرأة لكن ليس من بنات المعدان لأن مبادئ الشرف التربوي الذي يلتزم به المعلمون يجعل من العيب النظر طويلا في عيون النساء اللائي يمرن كل صباح ومساء وهن يقطن قطعان الجواميس الى قيلولة الماء ، لذلك عوضنا عن ذلك الاستمناء الذي يسكن اجفاننا بالنساء المرسومات صورا على اغلفة المجلات ، والبعض تكون امنيته لواحدة ليس غلاف مجلة بل اغنية لأم كلثوم يسهر معها الليل كله.
تهمس له دومنيكان : تحرك بهدوء ، لا تسرع ، لا تجعل ليلة القيصر الاخيرة مع كليوباتراه تبدأ وتنتهي بلهاث وعجالة . لقد رضيت الآن أن اكون انثى الجاموسة وأنت الذكر.
في اقليم كورسيكا ، نضع للثيران اقراطا من النحاس حتى تجذب برنتها شهية الاناث الى الذكور .
أنا الآن اصنع من همستي قرطا من الذهب وانادي عليك حتى تسمعني وتجيء لتبقى ملتصقاً بجسدي ما شاء الله لك أن تبقى .تغرز نصل الخنجر وتعض بأسنانك وتخرمش بأظافرك .
ــ المعدان هناك لايضعون اقراطا لجواميسهم لتحفيز الذكر الى انثاه بل يضربونها على مؤخراتها بعصٍاً غليظة ليوقظوا فيها الرغبة للعودة الى زرائبهم من أجل أن يسحبوا الحليب من ضرعها ومن ثم يتركونها قي لهفة ليلها لتفعل كل شيء مع انثاها وتحت ضوء النجوم .
يسكنك الأحمر وغرام الجواميس فتتذكر خواطر هذا اللون مع تلك اللحظات البعيدة يوم صبغت فم الجاموسة بالأحمر واسكنته احدى حكاياتك.
قالت دومنيكان :هل اسمعها ،لعلها تثير في شيئا مثل الذي تثيره فيك هناك.
افتح ورقة ، اضعها بين نهدي المرأة وابتسم مع الحروف التي كانت تشكل شيئا من ذكريات الغزل هناك :
في كتاب قديم لي عنوانه ( التأريخ الأسطوري لأحمر الشفاه ) وضعت التواريخ وبعض من أمكنتها في قنينة عطر وتطريز وسادة وحلم صوفي ، منذ ما قبل مدافع طروادة وحتى فيلم الوسادة الخالية وما بعده.
هذا اللون المغري والمقترن بالهمسة وحرارة الفلفل الأحمر ، بقيَّ على الدوام يضعنا في خانة الاحساس الرومانسي والمنفعل وتخييل أننا لم نكن نراه على شفاه امهاتنا أو اخواتنا او معلمات المدارس ، بل كنا نراه فقط على شفاه ممثلات السينما ، وربما العريس وحده من كان يتمتع بعطر ولزوجه هذا الأحمر وكانت النساء اللائي يعددن العروس قبل دخلتها بدقائق يمسحن شفتي العروس بهذا اللون الفاتح أو القاني لأجل أن يمنح الكائنين رغبة أن يحسمها من الليلة الاولى.
في الأهوار لم أكن أرى واسمع بهذا الاحمر ، ربما أتت به واحدة من اللائي يسمح لهن بصعود الزورق كل صباح ليأخذن بضاعتهن من القيمر الى مدينة الجبايش قد اغراها لونه حين وجدته عند العطار في سوق المدينة وهي تسأله عن الديرم والحناء والكركم ، فانتبهت الى شكله وحين سألته :ما هذا ؟
اجابها بدون اكتراث : هذا للمعلمات فقط .
فردت بذكاء وفطرة : المعلمات نسوان وانا مثلهن.
رد العطار ممازحا : لو وضعت منه على فمكِ ، فسيضربكِ عويد بتوثيته على رأسك عشرات مرات .
قالت متحدية : لنجرب والله كريم .
قال الرجل : هات ربع دينار
قالت : يالله ، هذا غال جدا بثمن صينية كبيرة من القيمر ؟
رد العطار : هذا ثمن الاحمر .
ومثل بضاعة مهربة خبئت ( ونسة ) قلم الاحمر كي لا يراه زوجها الى أن تختار مناسبة في حميمة رائقة وتجربه.
فكرة جنونية
بقيت لأيام تختار لحظة سعادة تبيح لها استعمال هذا القلم فلم تجد ، لقد كانت تتذكر ( التوثية ) التي تحدث عنها العطار وخافت أن تموت ضربا على الرأس بسبب هذا الذي تشتريه المعلمات فقط .
ذات يوم جاءتها فكرة جنونية ، حين فكرت بصبغ فم اجمل الجواميس لديهم ( بقلم الحمرة ) وكانوا يسمونها دلعا ( فواحه ) ، ما ذا سيفعل زوجها ويقول.
تسللت الى الزريبة ، وبهدوء مررت أحمر الشفاه على فم الجاموسة وكأنها تزوق عروسا في ليلة دخلتها ، ثم عادت الى البيت .
في الصباح أخذ ( عويد ) جواميسه الى قيلولاتها ولم ينتبه الى ما كان يصبغ فم فواحه ، لكنه انتبه الى سعادة مرسومة في وجه الجاموسة وهي ترد بنظرات انثوية على غزل الذكور من الجواميس .
فتساءل :ما الذي جرى ، قبل يومين تزاوجت فواحة مع ذكرها ، هل ترغب مرة اخرى .؟
وحين انتبه الى وجه جاموسته شاهد الاحمر يصبغ فمهما بلمعان مغر.
تعجب ومسحه بيديه فشعر بلذة برودته وجمال لمعانه وتخيله لو كان على فم زوجته ( ونسة ) لكانت ليلة رائعة…
تقول دومنيكان :انت تشجعني بعد
أتذكر تلك اللحظات الايروتيكية التي يكون فصل ممارستها واتمامها تحت ضوء نجمة فيذهب خيالي الى ابعد الاماكن هناك حيث تتحرك الصور وتمتد الشوارع وتتعاقب المحطات فتتمنى ان تكون كما تفعل الجواميس في لحظتها الشهية ، ثمة امرأة هناك في اقصى الامكنة عليك ان تذهب اليها حتى لو كانت حديقة واريكة وفي مدينة اوربية.آه أوربا كم كانت حقائبنا تشتاق اليك ، كم كنا نتمنى أن نصنع من لحظة التمني عريا للمثلة سينمائية تتهرب من ملاحظات المخرج ومرايا المكياج لتأتي الى قريتنا وتسأل :أين المعلم ( نعمة ) تعال امارس الغرام معك.!ها هو الغرام الذي تمارسه الآن الأن يتحقق منه ما كنت تتمناه في مشهد ذلك الود تحت كانت تمارسه كل أشياء الليل في قريتك البعيدة وتحت بريق نجوم يداهمها خجل سماوي تتخلص منه بالتدريج حيث تمتلك نشوة من يفعلوها تحت فيشد بريقها وتتمنى ان تتحول الى براكين من اللهب تحرق بعاطفتها سرير القصب الذي كان المعدان يكتبون عليه اساطير احلامهم ومودتهم الى اناثهم الذين ما ان تنتهي لحظات الود يبتعدون في النوم عن نسائهم بمترين؟
صورة كاملة
تتعجب وتقول : كان آدم يحتضن حواء بقوة حين يتوسدها وأنتم أكثر قربا اليهما لانهما هبطا في قراكم ؟
ــ يضعون هذه المسافة بينهم وبين اناثهم لأن القصب لا يستر ولا يحجب الرؤيا بصورة كاملة فيكون النوم بهذه الطريقة ( الزوج بعيد عن زوجته ) تحوطاً وليس وجوباً.
ــ عليك نبيكم ويسوعنا لا تدخلني في الفقه والتحوط .أدخلني في صدرك . وأترك الجواميس تضاجع اناثها تحت ضوء القمر . أنها تتفوق علينا الآن عندما تمارس غرامها تحت النجوم ونحن نمارسه الآن تحت السقف من الكونكريتي.
تعود اليها وتعود إليك . هي نار مشتعلة وأنت تتمنى أن لاينطفىء فيها شيء حتى تبقى تحفز فيك الرغبة لتكون هذه الليلة زادك الشهي يوم تعود الى هناك لتسجل تفاصيل عطش المكان والجلوس قرب سيدة تجاوزت عامها التسعين ولم تزل تعتقد أنك لم تزل تسكن جبهات القتال وأن عليها أن تصلي صلاة مضافة لتنجو من شظايا هذه الحرب .
وبالرغم من أن الحرب قد انتهت من سنوات لكنها بقيت تعتقد أن المنفى هو جبهة لحرب بعيدة ارغمت انت للذهاب اليها .
تجلس قرب رأسها وتقبل ما تحت أجفانها .تبكي في أحضانها فتصيبها رعشة الأم الآلهة وتصرخ بنشيج سومري عالٍ :
ــ يمه ( نعمه ) ’’ فدوه أروحلك ’’ متى عدت من الجبهة؟
فتهمي لها : جئت الآن يا أمي .
تسأل : بعدكَ جبهة بنجوين ؟
ــ كلا يا أمي نقلوني الى جبهة باريس .
ترد باستغراب : هذه الجبهة أسمع بها لأول مرة ؟!
وبصوت خافت تهمس في حضن ولدها :يا الله متى تنتهي هذه الحرب حتى يبقى ولدي ( نعمه ) معي الى الأبد .؟
أرى دموع دومنيكان تهطل على صدري .أسمع نحيبها يختلط مع تأوهها فتسكنني كمانات موزارت ، فأخجل أن تكون طقوس الغرام على بعد رمشة عين من أمي التي اعود اليها منتصرا على الفتاة الكورسيكية لتقول وانت تتلحف حضن قديستك السومرية ، الآلهة الخضراء بأعوامها التسعين التي تفيض بمودة عطر طفولتك وصباك وسنوات الحرب وايام عملك كمعلم في مدرسية ريفية في الاهوار : كم اتمنى ان ابقى نائما في احضانك الى الابد ؟
ــ ولماذا لا تبقى ، ما الذي يمنعك الولد ليبقى قرب أمه .؟
أرد : القدر الذي صنعه غلاف مجلة ، والدقائق الذي وثقت فيها مرتعشا وأنا اتحدث أمام طلاب الصف الخامس الأدبي عن شاعر أسمه رامبو.
ترد : ( نعمه ) ما هذا ( الخريط ). تحدث لي عن حالك واحوالك مع الحرب والجنود .قديما كانوا يعطوك أجازة كل شهر لتأتي إلي واشمك ، هذه المرة لم يعطوك الاجازة لأكثر من عشرين عاماً ، ماذا كنت تفعل كل هذه المدة الطويلة وأي حرب هذه التي لا تمنح الابناء الاجازات ليناموا في احضان امهاتهم اسبوعا واحدا .
ترمي جسدك كله في احضانها وتقول : هذه حرب المنفى يا أمي .
ترد : اللعنة على حرب تفعل بالأمهات كل تلك المصائب ، عشرون عاماًٍ تبعدك عني .كم قاسية ودنيئة هذه الحرب ؟!
تهمس دومنيكان : صورة الأم في حكايات العشق هي صورة الآلهة وهي ترتدي ثيابا من الدموع .
تدهشكَ هذه الصورة ( ثياب من الدموع ). وستتخيل بعد فصل الغرام هذا أشكالا مفترضة لتلك الآلهة التي تطرز رغباتها على ثياب العذارى من أناث قرى النخل والماء والطين. فتشعر أن هندامها يكتمل بأناقة أمهاتنا حين يرتدين الثياب ( الهاشمي ) المصنوعة من قماش الشيفون الأسود لحضور مآتم شهداء الحروب .
تكتمل معكَ صورة اللقاء الذي سيكون مع تلك الكاهنة أمكَ التي تريد ان تصل الى المئة من عمرها حتى يكتمل فيها قرن من الحنين والكفاح والحب منذ ولادتها في العام الذي اقدمت فيه الفتاة الروسية ليديا كونوبليوفا على اطلاق النار على فلاديمير لينين والى اليوم الذي استطاعت فيه معاول داعش ان تحطم بالمعاول رؤوس ثيران نينوى المجنحة .
لهذا لحظة لقاء أمك هي لحظة رومانسية مرتجاة وتسكن احاسيسك كلها وعليك أن تستعجل بترتيب حقيبتكَ ، وعندما تسألكَ دومنيكان :ماذا تريد أن تأخذ لأمكَ هدية ، ثوب هاشمي ، كيس حناء ، قنينة عطر ؟
ترد : أمي تعتقد أن أجمل الهدايا أن يكون وجهي قريباً منها حتى تلامسه بأصابعها . هذه الكهولة المقدسة لم يبق لها سوى طيف يسكن بصرها الضعيف أسمه ( نعمه ).
تسأل دومنيكان : النعمة هل تعني الرحمة ؟
ــ نعم وتعني الخبز والولد .
هذا الولد الذي لا يرضى أن يغادر وجه أمه الآن ، وفي نفس الوقت يقرع في اجراس ابراج المرأة التي ترخي كل شيء له الآن والتي تغريه وفي كل طقس جديد في حدائق الشفتين تغير لون قلم الحمرة ، من الأحمر القاتم الى الوردي الفاتح .لكنه يطلب منها ان تبقيَّ الأحمر القاتم ، فتضحك بنشوة وتقول : هكذا أراد رامبو من الزنجيات اللائي تعرين معه في فندق بائس في ميناء مصوع وقد دهنت كل واحدة منهن شفتيها بدم من جرح احدثه رامبو في راحة يديه ليصبغن منه الشفتين وليكون اغراء اللحظة فاتنا وبربريا وهذا ما كان يتمناه. وليبقى كل الليل يتساءل كيف يتماوج هذا الغنج الافريقي على فخذيه كما الافاعي أو فراشات سود فيحس بنشوة لا تكتمل لأنه ثمل كثيرا وحين استيقظ يكتشف ان الزنجيات اللائي صبغن شفايفهن بدم جرح راحة يديه قد غادرن وسرقن كل ما معه من نقود إلا أن البنادق التي جلبها ليتاجر بها لم تزل في الصناديق وبمقدوره بيع واحد من الصناديق بأي ثمن ليشتري البغال ويجهز القافلة ويكمل مسيرته الى أدغال افريقيا .
أنت الآن تشتري شفتيها ووجه أمك الذي هناك ، فتدور في رأسك الطواحين وتعود لتستذكر رسائل الفونس دوديه وحياة قريتك واماني صباك عندما كنت تتذوق بشغف خواطره الفرنسية ، وبدلها الآن تتذوق القيمر الفرنسي في الليل الذي تحاول فيه ان تجمع مفارقة الغرق في نهر واحدة ظمآنة لكل شيء وبين أن تستحضر طيف الأم وإعادة هاجس التفكير عند آلهتك القديمة التي كنت تصنع دماها من الطين وتحولها الى تمائم تمنحك الاصرار لتكون هنا عندما تكبر .
آلهتك القديمة التي تركتها هناك ترسم أقدار المدن والبشر ومواسم العطش وجفاف الاهوار في القرى التي جاءها ذات يوم كوديا الملك السومري متوسلا لتبيعه القصب اليابس حتى يكمل بناء أول معبد على الأرض.
بين أم وعشيقة نتخيل شكل حياتنا في نواح سريالي . هكذا تفكر دومنيكان فتحان أن تقنعها أن الآتيان بالأم في هذه اللحظة هو ما يستوجبهُ الوفاء ولتطمئن تلك الآم أنك ستفي بوعدك لرغبتها وحنينها اليك وستكون عندها بعد يومين . دمعة دومنيكان لم تختف بعد عن خديها وتقول : تذكرها هذا واجب ولكن لا تبعدني عن أحضانك ؟
يرد : أحيانا الأم والعشيقة هما المتلازمتان الأكثر في الرغبة لاكتشاف حقيقة ما .أنتِ وهي الأكثر قربا الآن من قناعة أننا نحقق نصرا مجيدا في حياتنا بعد خسارات لا تحصى لعمر مضى.
ــ أنا سعيدة عندما يكون تفكيرك محصور بي وبأمك ،بالرغم من انني هاجسك المؤقت لكني أشعر أيضا بأنني حققت انتصارا واستطعت ان انسيك ملهمتك الأولى باردو .استطعت ان اسبح في بحيرة احضانك فيما هي بقيت هناك على بعد ميلين من شفتي تداري قططا شاخت معها .
والان تعود الى طقس اليوغا فتعود هي الى اغماضتها . وبين اليوغا وتذكر الوضع الغرامي لذكر الجاموس وأنثاه يشتعل الأحمر في كل فضاء الغرفة وحتى تكون وفيا لما قدمته لك المرأة بالمجان والحنان تبعد كل ستائر النوافذ التي تسكن فضاء عينيك ، أمك ، باردو ، رامبو ، الحرب القديمة ، القرية وسكانها من المعدان .وتبدأ ثانية وبهمة جندي يشعره الليل بضرورة ان يعيش ليعود سالما معفى لصدر من يعشق ، تعود انت الى مملكتها وشهدها وانفاسها المتصاعدة لتمارس وبفن تعلمته منها كيف تجعل لسانك يلتف على لسانها كما تلتف سيقان الصفصاف على اعمدة الكهرباء ومعطف الاب على جسد العوز في شتاء بعيد كان المطر ينز من سقف غرف الطين ، وبالرغم من هذا كنا نغفو فيما يخلع الاب هذا المعطف وبصعوبة يوزعه على اجساد النائمين من اجل ان لا يشعروا بالبرد وبلل قطرات المطر. ثم تخرج لسانك ممتلأ بشهية حرارة طرف لسانها وانفاسها ولعاب فمها وتهبط الى حدائق اخرى ، عنقها وصدرها وخاصرتها ثم الى الاسفل حيث دلمون والضوء الاحمر الذي تشعله الملائكة دليلا لعينيك المغمضة فيناديك فيها صوت موسيقي ويهمس :
حط الرحال ولاتُسرع في ولوج حلمكَ .اتركه ينزلق كما قطر المطر على خدود وهدوء الفراشة .وهكذا تكون وسادة الوداع المكان الذي تطرز عليه حروف أسطورة هذا الليل .عندما تلتصق بحنو مع الجسد المخملي والمرأة صرت ثمالتها انت وليس النبيذ الأحمر ، وحتى تجعل الأمر معك ميتافيزيقيا رائعة من الغرام تصبغ خديها وشفتيها وصدرها كله بذلك الاحمر الفاتح وهي تؤمن انها تبتكر من اجلك طرق اغراء جديدة لتبقي في جسدك فحولة الحصان وشهية ان تطلب المزيد وكأنك تعيش احساس مصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة الى الشمال .
لكن هجرتك الان الى واحدة تستعيد معها القدرة الى صناعة اللهفة من جديد بعد كل فصل ماطر يتبلل فيه حتى خشب السرير وارضية الغرفة ورصيف الشاعر القريب من لهاثها الذي ربما صار يغري المارة في اخر الليل وفضلوا ان يكملوا نعاسهم وما تبقى من ثمالة الحانات الباريسية تحت نافذتها كما كان روميو يفعلها .يسكر ويعزف ثم ينام تحت نافذة جوليت.
سيقترب الفجر بعد ساعة ومعه سيقترب صوت قطار آخر . هو ذاته الذي اخذك الى الشمال الفرنسي لتزور تمثال رامبو ، ولكنه اخفق ان يوصلك الى شقة برجيت باردو ولكنه اوصلك الى شقة لبرجيت اخرى .وسوف ينحدر بك بعد ساعات صوب جنوب القصب والماء مودعا مهجرك الطويل وحالما بأن تعلم الذين كبروا من تلاميذك في مدرسة القصب دروس في العولمة التي بفضلها يستطيعون أن يتابعوا جوائز الاوسكار وحفل تنصيب ملكات الجمال ومن لا يحب هذا يستطيع ان يتابع مواكب عزاء عاشوراء على اكثر من قناة.
أنت معها ، مع شهيتها ، مع حزنها لأنك ستفارقها فتهمس لك :
اذا. اتيت. سأشرع بابا للمفاجأة واريقه في فنجان قهوتي… أتذوق فيه رحيق اللحظة موسيقي الرمش وغاية من مدن عينيك تفتح للبحر رؤى جديدة عن هاجس ان تكون المرأة هاجساً اممياً يذكرنا برغبة التصالح بين البوارج وقراصنة البحر. بين الديك ودجاجته المدللة. بين المتطرف والمسالم. بين الاغنية والمذياع القديم… بين كل شيء.. لقد اضفت عيناك في البومي طابعا وبريدا وساعيا يفتش عن عناوينك بين الكواكب…….
ترد : أحيانا. من دهشتي ببلاغة صمتكِ اريق العسل علي نهديكِ. وانتِ تريقينه علي افواه جياع اطفال العالم!…
تهمس : كن جدلا روحا لا استطيع مناقشته سوى قولي أنا لك خذ ما تريد وتشتهي ومن أي مكان .
فترد ثانية : جدلا نكون… جدلا نصعد الغيمة وتمطر فينا تساؤلاتها. جدلا نكتب لنكتشف ما تخبئه الحروف في ثيابنا. جدلا نولد ونكبر ونموت في لحظة نريد فيها فردوسا بحجم حناننا الذي نخدقهُ على شفاه الورد ،جدلا نؤمن بالله وبالكتب وبالرغيف وبالثورة وبالغرام وبالسريالية وبموسيقي باخ وبتهوفن.، جدلا نجلس عند بوابات الدمعة نحسب المارة واللائي ينتظرن حضهنَ في عربات القطار والتروماي.. جدلا.. مسكتُ تفاحتكِ واشتهيتها وقضمتها. فهبطت من سقف بيت الطين.. الي قاع نهديكِ.. فكان البركان وكان السُكرُ وكانت الصلاة.. !
ــ نعم اهبط لقاع نهديك وهناك فمي الذي يشهيك سيكون هواءك . دع. ما يدع. والبس ما تخيطه الوردة ذوقا للفراشات بعرسها.. وانزع عندما الغيمة بشهوة تفاحة تهمس فيكَ.
بدنكَ معطراً بأنوثتي. لا تتأخر وأطعن فؤادك بقبلتها.. لقد حسبتك من أهل عطارد. عندما طرقتَ الباب. وعندما فتحته. فاجاءني وجهكَ. فقد كنا مولدين معاً…. !
كبرياء قيصر
هي بهجتك من يطعمها غيري ويريق عليها الماء إن عطشت وإن سكنت دمعتكَ شفاه الحزن بكبرياء قيصر… عندها قميصي امزقهُ والبسهُ الريح ولأجلكِ اصير نورسا ومركبة فضاء وشهرزاد تصبغ جفنيها بخجل اسطورتك. واليك اتقدم وامد كفاً من الجوع والعشق والمرايا واهمس: انظر فيها يا أميري ،كم تريد هذا الصوفية ان تصنع من عينيك حدائق وابراج وسفنا غير تلك التي تاه فيها رامبو واستسلم لطغيان القراصنة وربما ملوك الحبشة أيضً ؟
الغربيات وانا منهن. هن اهرام احلامنا وجنائنا المعلقة. والسنونو الذي ترك شتاء البلطيق وجاء الي دفء نظراتكَ الساحرة.. !
ــ آه .فرنسية وتعيد اليك متعة الشرق . لقد نزل الوحي في سرير المطر… أطربتهُ غفوتكِ.. وسكنه نعاس الطريق، ولكنه تمالك يقظته. ودون تحت أجفانك هذا القول المأثور: قبل أن تلبس الغيمة قميصا وتضع كحل البرتقال علي أجفانها، وقبل أن تقبل السنبلة غرام الفلاحات، قبل ان يبتكر بيكاسو صلعته الخضراء ويغوي بها كل غجريات اسبانيا.. قبل ان يأتي لينين بقبعة البطاطا ويملأ بها بطون الروس. وقبل أن يعلن عرفات دمعة كوفيته الحمراء.. كنت أنتِ علامة فارقة مثل شامة علي خد واحدة ارادت اغواء نبي من أهل أور.. فأهداها كتابا من بريق قلبه. فكنت اجمل جملة في دعــــاء الفقير لخبزته…… !
ــ الأن اشعر بلذة التعري معك ( يا نعمه ) حين أكون دعاء فقير من أجل خبزته. فكلما القدرية تصبغ اجفانك بلحظة موعد لغرام يد بيد وشفتين بشفتين. انقاد كما عصا الأعمى الي أرصفتك البلورَ ، اتمدد عليها. واترك للمارة تغطيني بأجفانك الدافئة… !
ما أردت منك يا حبيبي وعشيقي سوي. ما أراد هذا الذي عاشرني ( أنت ) بمودته وغضب بغيرته ورماني بصدره عندما حربي معه. قبلتهُ المدفع. ورصاصة العشق.
وشظية اللهاث. انا من اول خواطر طفولتي، خاطرة تقول: حربي معكَ انني عشقتك. ونسيت حتى تلك الابتسامة التي اطبعها على عيون المسافرين لحظة اقطع تذاكر سفرهم الى مدن الاتجاهات كلها.
ها انا اذوب في سكركِ. اعطش في نهرك. ابرد في فرنكِ. ارتعشُ في حضنكِ. اتأوه في موسيقاكَ… ونهاية المطاف اموت في حياتكِ. انها سيرةٌ ذاتية لنجمةٍ كَحلتْ رمشها بالموسيقى وتقدمتْ بطلبِ وظيفة: عارضةُ ازياءْ!.. تتعرى على صدرك وافخاذك الليل والنهار.تنشطني كلماتها .اسحب لساني من فمها ، فأعيد لها اغراء كلماتها بهمسة شاعرة تقول : قد يعتقد البعض أن عبادة الحبيب اشراكٌ وكفر. لكن الأمر غير هذا. ففي لوعة الشوق لواحدة ما يجعلنا نسمي ونردد ونهمس حتي مع خيال القمر: تعالِي ايتها الملكة، أن سفينة نوح وصلت ومازلتِ بدلالكِ الاغريقي تتأملين جسدكِ امام المرآة!…
يقول المتصوفة… الآمال غاية المعذب بهواه. فهو يصنعها لتطعمه الرز مع النور. والخبز مع الشفتين والدمعة مع رعشة اليدين… هذه الغاية فيَّ محاولة جعل الآمال تصالحا مع الآتي من الزمن. وحتما ذلك الآتي سيأتي بعربة الذهب الاسطورية وانت السندريلا القادمة من حدائق لحية فكتور هيجو وعلى واحدة من ارائكها تخلعين من اجلي نصف ثيابك . مي ستضحك من هذه الحكاية. وتقول: عشقك شقيٌ ايها الولد!…
ترد في غمرة نشوتها الشعرية : من علل التفكير بالشيء الجميل.. إن الهوى في دعابة الشوق يصير غيمة. كلما تمطر. بدون حياء يخلع المطر قمصانه ويرمي سعادته علي افواه الفراشات… !
أبتسم ، التفت تحت سحب الضوء الاحمر المنتشرة فوق السرير ، أفتش عن قميصي الذي لا اعرف اين نزعته ومتى؟
قالت : خبئته، ولن ترتديه إلا بعد الجولة الرابعة التي اريدها فجرا……….!
























