الليالي التي لا أراك فيها أحمر شفاه – نصوص – نعيم عبد مهلهل

تطريز على وسادة الوداع    1-2

الليالي التي لا أراك فيها أحمر شفاه – نصوص – نعيم عبد مهلهل

  شاعر ياباني مجهول

قال لي أبي مرة في مروياته القديمة : عندما لا أجد في الليل شيئاً يغريني ، أذهب الى عطر أمك.

أنا هنا في ثاني ليلة غرام مع برجيت دومنيكان واعترف أن كل الاشياء في هذا الليل تغريني من أجل أن اثبت لنفسي اني وفي لبرجيت الاولى من خلال تلك اللحظات الحميمية الحمر مع امرأة تحمل تفاصيل سحر أتت بصدفة من تذكرة قطار . التذكرة التي كانت تسكن في رعشة كائن من الحديد أسمه قطار أور حيث عرباته القديمة وصدى مواويل الجنود الذاهبين الى حروب السبعينيات ونعاس العجائز النازلات في محطة الحلة ومنها يصعدن سيارات الدوج الخشبية للوصول الى المدن المقدسة.

امرأة ثانية أتت بالصدفة والمشترك بين الحلم القديم وهذه التمارين الروحية والجسدية المعطرة بقبلات الفم الطويلة على ستن الوسادة الحمراء ، المشترك هو مفردة (برجيت) .

فالمرأة عندما تشعر أن في كل بوصة من جسدها هناك وردة تنبت بعنفوان ولاتعرف الحياء حين تمتد لها اصابع تشتهي اللمس وانف يشتهي الشم ، امرأة لاتعرف صبغة الخد على وجنتيها كما الصبغة التي نراها في خدود النساء في شوارع صبانا يوم يشعرن بنسائم العشق تخترق عباءاتهن السوداء وتسكن صدورهن.

يسكنني الغرام مرتديا ثياب الذكريات ودموع الديكة المذبوحة واسماء لجنود حفروا تولدانهم وصنف الدم على اقراص الهوية التي تدلت سلاسلها من صدورهم كما يتدلى الصليب الفضي من صدور كهنة الكنائس .

هاهو لساني يتدلى على شفتيها في الليلة الثانية وقد قررت ان تكون تلك ليلتك الاخيرة بعد ان سكنتك الرغبة الجارفة للعودة الى هناك .

الى ذلك العالم الذي يصنع الفتنة بين الازرق والاخضر كما يزرع توقف المطر اقواس قزح احلام تلك الايام القديمة ، متخيلا ان امي هناك تحمل نبؤة الانتظار في اجفان نظرها القليل ، فيتحكم في هاجس الكهنوتية القديمة في تقديسنا لطيف الام ومهابته وقدرته على ابعاد كل مغريات هذا الشرق وعطور لياليه لنحمل حكاية ذلك البوح القديم في الواح الطين التي كنا ندونها ونتخيلها ونعيش على شهيتها حتى عندما نقضي كل ليلنا غارقين بنساء اغلفة المجلات ونهودهن التي تشبه اجراس الكنائس وقنابل مدافع سفن القراصنة .

فتحيلك الكلمات الى عذوبة خيال الام فينا وتصغي الى تلك القداسات والذكريات ومثل الذي يغادر مركب صبي شارلفيل وصفنة العجوز باردو زهي تطعم قططها في شقة باريسية لايعرف مكانها الصحفيون والمتطفلون .

وسادة حمراء

قداسات الزمن الذي ارادتك دومنيكان لا تستذكر منها شيئا لأن وسادته الحمراء تشتهي ليلة من الجمر بعد ان عرفت انك في الغد ستحمل حقيبة امطارك لتسقي العطش الجديد لأهوار بلادك.

وهاهي مظلة احلام وحنان الامهات تضيء في سطور دفتر قديم تحمله معك اينما تحل ،وتعيد قراءته في اللحظة التي يناديك فيها حتى لو كنت وسط احضان امرأة رائعة ومشتهية ـ  فمنذ زمن حكيمة أوروك ( نينسون ) والدة جلجامش ومرورا بنبوءات أجفان زرقاء اليمامة ، وأنتهاء بما تشعره أمي أزاء مصائر ابنائها ، لأجل هذا كنت دوما  أرى أن الأم كاهنة أولا ومن ثم ربة منزل .

حتى أمهات المعدان بالرغم من بساطة الحياة والبيئة وموجوداتها فقد كان أبناؤهنَ ينصتون أولا الى نصيحة الأم ، وحين سألت عامل الخدمة في مدرستنا عن سر هذا ؟

قال : لأن الأمهات الاقرب الى ضرع الجاموسة  والى عجين خبز الطابك حيث الحليب والخبز هما الحياة هنا وعطية السماء لنا.

أستغربت من اجابته ووجدتها مغلفة بالحكمة .

فقلت : من أين لكَ هذا الاستنتاج ؟.

قال : لأننا نعتقد ان نعمة الله هما الحليب والخبز.

اقتنعت بحكمته وكلامه حين تذكرت أن اباءنا كانوا ينهروننا عند سقوط قطع الخبز على الارض ويقولون لنا : قبلوها ثم ضعوها على جباهكم لأنها نعمة الله.

لا أدري أن كانت امهات المعدان يأخذن عرافتهن من غيب الامهات ، فيقال قلب المعيدية يخفق حتى قبل أن يخفق اي طير في سماء الاهوار .

لهذا كنت اشاهدهنَ في ذهاب أولادهم الى جبهات الحرب في مشهدٍ لم يألفوه من قبل ، أنهن في احساسهنَ بصورة المشهد الذي سيأتي فيه ابناؤهن من تلك الامكنة التي بدت غريبة عليهن حين يحكي الابناء عن قصصهم هناك .

كنت ارى الام في انتظارها لولدها  ، إن توزرت بعباءتها وارخت شيلتها عن رأسها فأن أبنها سيأتي ومعه بليته أما جريحا أو في نعش ، لهذا تراها طول النهار تقف على باب المضيف وترنو الى الجهة التي تأتي منها المشاحيف قادمة من مدينة الجبايش ، وكأنها هي من تريد أن تعوض الرجال في استقبال القدر القادم اليها من جبهة ديزفول او كيلان غرب.

وأن احست بأن ابنها سيجيء ومعه حقيبة واجازة سبعة ايام ينشرح صدرها وتظهر على وجهها ابتسامة انتظار مشعة ببريق الف قوس قزح وتلبس عباءتها بكامل هندماها وتتعمد اظهار جرغدها الذهبي بشذرته الزرقاء والمثبت في مقدمة شيلتها على جبهة الرأس.

تلك الطقوس وتفاصيل أيام انتظار أمهات جنود المعدان جعلتني ذات يوم اعيد تفاصيل احساس الام وانا استمع الى محاضرة لمستشرق الماني القاها على هامش معرض فرنكفورت للكتاب ، وبعض ما أورده أن الكهونتية في بلاد وادي الرافدين ابتدأت مع النساء اولا ومن ثم اكتسبها الرجال ، وكذلك الامر في مجتمعات الهنود الحمر البدائية وقرى الغابات الافريقية الطوطمية ، وحتى مع الغجر في كل الاوقات تكون المرأة الغجرية هي العرافة فيما الرجل لا يفعل شيئا سوى حمل ربابة الموسيقى والعزف بها او  حمل الخنجر .

وهكذا أدركت من رؤيتي للأمهات في القرية التي تقع فيها مدرستي أن الكهنوتية تولد بالإحساس اولا قبل ان تولد من خلال ارقام الرياضيات ومتابعة الأبراج والأفلاك . وهو ما اكده ابي ذات يوم في قوله :كل صباح انظر لمقدار الرزق الذي سأحصل عليه في عيون امك فأعرف كم سيــكون دخلي .

التصقت النبوءات بالأمهات ، وربما الحروب اكثر هواجس تفكير هذه النبؤة ، وعلى حد قول لأحد الجنود الذي كان معي في احدى فصائل الجندية : مع كل التحاق .انظر الى عيون امي فأحسب عدد ركعات الصلاة التي ستسجدها في غيابي.

هذا عالم الامهات ، الفتنة الباقية حتى مع طقوس غرام ثان لتوقظ فينا رغبة الوثوب وصعود الطائرة والعودة الى غبش اقواس قزح ..حيث الازرق والاخضر السمة الطاغية لجمال الصباحات المائية في تلك الامكنة السومرية الخالدة حيث تمتزج نظرات القصب مع فسحة السماء فيولد الخيال البدائي للحروف والكلمات التي تصنع منه امهاتنا ذلك النحيب الموسيقي الذي استعارت منه إديث بياف وصديقة الملاية كل تلك الاغاني التي عرفت ان تسكن قلوبنا مثلما تسكن الزوارق النحيلة ممرات الطرق الضيقة في الاهوار.

الحروف التي صنعت من المكان عمرك كله وعندما شعبت من هذه الامكنة البعيدة وستنها الملون بشهية الف شفاع تتنوع فيها التأوهات بلغات شتى من هسها الزنجي الغابوني الى نعاسها الامازيغي ومرورا بدهشة من معك وهي تتهجى بإسبانية اتت من بوينس إيرس وليل هافانا وتطلب منك المزيد من الحركة الوحشية على ورد وسادتها واستيقظ فيك هاجس المهد والشاهدة التي على قبر ابيك المختفي بسبب سرف الدبابات التي شقت بزعيق الحروب الاهلية شوارع جديدة في المقابر القديمة كي لايختبئ الثوار وراء القبور في مواجهة جنود الحرس الجمهوري.

والآن بدون قبر كيف لك ان تديم تلك المدائح الرائعة التي كان ينطقها وجه ابيك كما يفعل الشاعر الصيني في صناعة هايكو الومضة الرائعة من خلال ثلاث كلمات ينطقها ويسكت.

هناك حيث يشدكّ الحنين الى عالم لا تعقيدات فيه ولن تكون فيه مضطرا لتختار مثلما الأن وعلى وسادة الستن الأحمر الوضع الأكثر وحشية وزوايا حادة وانت تريد أن ترضي فيها الشبق الغريب الذي يسكن جسدها لتحسسها بالألم واللذة معا .

فهناك يكفي سطر واحد من رسالة غرامية أو جسد ممثله بغلاف مجلة لتحسسك أنك مارست غراما ومطرت عطرا وقبلات وباقات ورد يشبه لمعانه ذلك الاقحوان الأحمر الذي يظهر قرب السواقي بعد اول زخة مطر ربيعي.

همست :أقحوان الورد الأحمر يظهر مرة واحدة بعد ليلة ماطرة فيما اقحوان المرأة يظهر في كل ازمنة الوسادة .فيها .

طقس رائق

قلت : هو طقس رائق أن تصبح الوسادة وأحمر الشفاه بطاقة سفر الى عوالم أريد فيها أن اصل الى قناعة ان قبلة الفراش الاخير معك هي قبلة استعادت كل تلك الاحلام التي تمنيتها ان تتحقق ، نصفها تحقق بزيارة شارلفيل والنصف الاخر تحقق معك وليس مع تلك التي كانت تسكن خيالنا بألف رغبة .

قالت :اكررها للمرة الألف يارجل .لقد اصبحت باردو عجوزا وتجعدَ في جسدها كل شيء ، أنظر وتمتع بالأقحوان.

 اسحب أحمر شفتيها الى فمي لأشعر أن فراق امرأة في هكذا طعم قد يحمل حزينا غريبا لذكريات غربتك ، لكن من هم هناك ينادونك الآن حتى تكون موجودا.

وأول الذين ينادون الأم التي يتكور جسدها مثل صرة الملابس ويسكنها حنين الآلهة التي التجانيد .

أحمر الشفاه ، هذا اللون الذي يسكن مشاعرك منذ أن كنت طفلا ومرورا بذلك الارتعاش البدائي الذي وقفت فيه أمام زملائك في الصف الأدبي وأنت تقرأ لهم كشوفاتك عن رامبو ومركبه السكران لتقف واحدة من الطالبات في الصف المختلط لتسألك بعد أن طلب منهم مدرس اللغة العربية توجيه أسألتهم بعد انتهــاء محاضرتي لتقول:

أنت تحدثت عن خدود مثل التفاح الأحمر يحملها صبي شارلفيل رامبو .ماذا عن شفتيه هل كان الأحمر يصبغهما ؟

يهزكَ السؤال .

تهمس دومنيكان : اشتاق لأسمع أجابتك ثم تمارس تمرين قبلات لساني على شفتي ؟

قلت : الحقيقة أني رعشتي بدت واضحة امام الطلاب وتلعثمت .

ضحكت تلك الطالبة وقالت :بإمكانك الهروب من السؤال وتقول :أنا لم اكن معهم على السفينة حتى اعرف ماذا كان يضع على شفتيه .؟

ــ نعم لم أكن معهم على السفينة .وقرأت كل ما حدث عليها في كتاب مترجم . وهو كتاب يتحدث عن قصيدة وليس عن مكياج الوجوه .

قالت زميلتك الطالبة : أتمنى ذات أن تقترب منه لتكتشف ذلك حتى لو تحول شاعرك الآن الى تمثال من البرونز.

قالت دومنيكان : قل لي يوم وقفت امام تمثال رامبو في شارلفيل هل تذكرت كلمات تلك الطالبة الشجاعة؟

قلت : نعم تذكرت ، وتذكرت يوم عدت الى البيت سكنني هاجس هذه الاحمر ،ومثل مجنون اردت ان انتصر على سؤال زميلتي وكتبت عن الاحمر ، لأزيل ذلك التلعثم وذلك الارتعاش .

اهمس بفمي ما كتبت وقبلني بكل حروف احمر تلك الليلة .

أتذكر غرفة الطين وصورة الممثلة الفرنسية والفانوس والرغبة ان يكون الاحمر قصيدة وقبلة الود على خد تلك الطالبة الشجاعة.

تهمس دومنيكان : اترك زميلتك واهمس بكلمات ما كتبت .اجعل لساني يتذوق لسانك حروف الأحمر الذي ارتعشت معه .وجعلني ارتعش معه أنا ايضا.

لقد كان الأحمر يُغرقنا في متاهة النار والحرب والرغبة الجامحة. ومرات مع الأحمر لا نتذكر سوى قطرات حارة على منديل أبيض والمطرقة والمنجل المرسومين على الراية الشيوعية وخد التفاحة وحبة الطماطم. وعلينا أن نضع مع هذا الجمع المبارك حرارة الشفتين. فكما يقال لن يكتمل روعة ليلة بشموع إلا مع شفتي فراشة تلبس الحرير من رأسها حتى قدميها ، عندها يكشف الذكر لماذا خلق الله المرأة لتجعلنا أكثر ثباتاً وكي لا نطير في فورة غضبنا ونشعل الأخضر في اليابس ، أو الأصح :أن المرأة مفتاح هدوئنا وأن أحمر الشفتين هو مشفرة الدخول الى الصندوق ، هناك في ذلك الدفء العسل ربما أكتشف فيثاغورس أضلاع المثلث وأنار أديسون المصباح لأول مرة وربما هناك أيضاً فكر من ملك القنبلة الذرية ليرميها على رأس هيروشيما…! والأحمر عسل الكلام ، ورؤاه التي تعكس ما خلف الرغبة ، وما يؤشر به الأحمر يعني في عرف الأباطرة غزو لبلاد أو مؤامرة بقدح مسموم أو اغتيال في حمام جواري ، وطالما صنع هذا الأحمر الثمالة في الرأس حتى قبل كرع قدح الخمر ، وفيه يعكس الضوء شعاع الرغبة والتخيل ، فعند الشفتين تبدأ الأشياء تكتسب مشاعرها الأولى وتبدأ الحواس تشتغل الى رغبة تشتعل فينا فنقول من الكلام يبدأ المدام ، وفي المدام مسرة الروح والجسد ، وما تمر فيه الشفتان تغرق فيه الذاكرة ، وتشحذ همم الذكورة لنيل ما نعتقدهُ حقٌ ، وتعتقده أنثى الشفتين ملوكية اكتسبتها من صنع الخالق لها ومنحها الرقة والدلال والغنج وصُنعَ العظماء من الذكور.

ذات مرة كتبت فصلا من التاريخ الوطني لأحمر الشفاه ونشرته في النشرة المدرسية وكرد فعل أزاء سؤال الطالبة إن كنت رأيت أو لمست الأحمر يصبع شفتي الشاعر الذي كتبت عنه بأعجاب كبير ، وكانت ردود الأفعال متباينة بين قبول فضيحة الفم وصناعته لنار الشهوة والخواطر وبعضهن لم يكملن قراءة النشرة المدرسية وبعضهم تمنى تمزيقها من على جدار الصف ، وحدها هي فهمت المغزى ، ودعتك مرة الى المرسم وهناك اخرجت قلم الحمرة من حقيبتها وطبعت شفتيها على شفتيك برعشته مشتهية حتى دون ان تسمعك كلمة تطلب فيها ذلك. لقد كانت تلك اول قبلة لها مغزى التوثب نجو جسد الانثى . ومنذ هذه القبلة التي مسحتها بمنديل وهربت مذعورا من ظلمة المرسم كي لا يشعر بما جرى التلاميذ والمدرسة فتقصلان انت وهي . غير انها خرجت بخطوات ثابتة وكأنها تحقق انتصارا في حرب طروادة .

وهكذا صنعت تلك اللحظة الغرامية مبررا لجعل الأمر مجوناً وفضيحة وتطاولاً على الستر والمستور وعباءة شرقنا المدثرُ بتقاليد العشيرة وقبو المنزل ِوالخمار الأسود. بالرغم من أنني لم أتطاول سوى على ما كنت أعده مفضوحاً علينا الجهر فيه لاكتشاف الكثير من بواطن الجوف الذي ظل يعاني الكثير من ازدواجية الفكر والحياة والثقافة ، لأن الاقتراب من المحظور لا يتطلب منا سماحاً من الآخرين بل أن طريقة الاقتحام والمجاهرة والكشف هي ما يجعل الوضوح للمستور رسالة إنسانية وشرفية تقود صاحبها الى امتلاك الشجاعة والقدرة على أن يبدع ويمضي بعيداً في رسالته حتى لو أن هذا المستور عبارة عن خواطر سرية لرغبات إنسان أو حشرجات ليل أو تأوهات واحدة من دون بعل يناغمها همس الوسادة وصرير السرير. وعليه كان أحمر الشفاه بالنسبة لرؤاي هو احمر لباطن مافي الذات البشرية وأقصد الأحمر المتقد بالثورة ضد الجوع والظلم والحاجة الى الأنوثة المعطرة لا تلك الأنوثة التي تقضي كل حياتها مع روث البقر والجواميس. فلقد صنع الله المرأة لتكون الأقرب الى عطر الوردة ،وخلقها لتنتج وتمنحنا طاقة لنمضي ونبتكر ونحيا ، ومن بين رؤى هذا الحسن الزهري يأتي احمر الشفاه ليرنا نافذة الإطلالة الساحرة لواحدة تهمس وتُقبل وتدعوك الى غرام المصاهرة أو العشق بين ما يحلله الله كزواج مقدس وبين علاقة عاشق لعشيقته أو عابر سبيل مع سرير أوتيل أو أي شكل من أشكال الغرام.

لا أعرف تاريخاً ثابتاً لتلك الصبغة العطرة والمشعة ببهاء ابتسامة الأنثى وغضبها. وأعتقد إن هذا اللون قادم من أزل بعيد وأن مكتشفتهُ واحدة لم تنل رغبتها بسهولة ، فربما كان الرجل عصياً عليها فجربت كل مغريات الوصل لتصل الى هذا الاكتشاف ولتستطيع نيل المنى من خلال شفتيها. ويقال أن اختلاط همس الغزل بالحمرة الداكنة أو الفاتحة يمنح السامع طاقة تخيل هائلة وبالتالي لا يملك شيئاً سوى أن يمد روحهُ ولسانهُ وعقلهُ ويبدأ مودته ليُصبغ هو بذلك الأحمر ، وبالتالي يتحد وجود الكائنين في ذائقة الشوق والاشتياق والترابط . وهو فعل في طابعه القدسي والاجتماعي متوارث ومقدس وطبيعي. وبعضه إن خرج عن مألوف الحياة والتقليد المجتمعي عد شذوذاً ،ولكن هذا الشذوذ في الكثير من صوره يمثل حاجة إنسانية كبيرة يصفها أحد الجنود الألمان في الحرب العالمية الثانية عندما حاصرهم ثلج ستالين غراد ستة أشهر دون أن يروا امرأة واحدة ، ولكنه غادر وحشيته عندما عاد الى وطنه وذهب الى أول حانة صادفته في الطريق : فقد كانت هناك واحدة ،أحمر الشفاه الذي يضيء من فمهما أعادني الى طفولتي وبشريتي والى رحم أمي بعدما كنت مجرد حجر كبير لا يعرف سوى حشو المدفع بالبارود والتوسل الى يسوع لينجونا من هذه الحرب المدمرة.

لأحمر الشفاه مع الجنود مودة مجنونة ، فهو يعيد إليهم أزمنة الحلم والابتعاد عن هاجس الموت ، الموت الذي كان الفراعنة يسيطرون على أزليته بتزين وجه الميت وتجميله ، وحتماً كانوا يصبغون الشفاه الذابلة للشخص المسجى لكي يعود له شيء من بريق الحياة ،وبالرغم من أن الموت عدمٌ لكل جميل وحي ، إلا أن الإنسان كان يصنع الأخيلة من اجل حصاد الأمل الذي يتمناه ليكون هناك في فردوس المطلق حيث يصف أحدهم أن حوريات الجنة يأخذن الحمرة لشفايفهن من الندى المتساقط على أوراق الجوري الأحمر. وحتماً عندما تسكن صورة الندى على الورد الجوري مخيلة شاعر ما وكيف تمتد إليه فرشاة الضوء لتلتقطه ثم تصبغ فيه الشفتين الناعمتين كخد الماس ، يتهيج الشعر كما الرجل الذي لم يذق خوخ الأنثى منذ ألف عام ، وقتها يتساقط حبر الكلمات كما يتساقط المطر الخريفي على معاطف العوانس في محطات الانتظار ، وكما واحدة أمام المرآة وتتخيل أن خبزها يشوى في أفران رجل يعرفُ أن يعطي جيداً.

كان الجنود يتخيلون في الأحمر كلما هو عزيز وبعيد ، ويذكرهم بحنان الأم ودفء البيت وأشواق أزمنة المدن التي ذهب شبابها الى جبهات الحرب ، وظلت تندب طلل الأثر ونحيب النساء وأختام المخاتير.

بين الختم والأحمر شفاه علاقة أزل يرتبط بالهاجس والمعنى والدالة. فقديماً كان الملوك يختمون على الطين كل ما يريدونه ويأمرون به ويشتهونه. وكان من بعض هذه الأختام ختم الشفتين الذي يضعه على خدود من يهواهن من عذارى المدن وكاهنات المعبد وسباياه ، وهذا الختم إشارة من الملك إن من طبع على خدها هذا الختم صارت من جواريه ومحظياتة ، وكانت أختام سلاطين بني عثمان هي عبارة عن اسم السلطان مكتوباً بخط الطغراء المعقد ، ولكن في اغلب الأحيان كانت صورة هذه الاسم تنطبق مع شفتين مفتوحتين لقبلة ما.

احمر الشفاه

في الحرب يمشي أحمر الشفاه جنباً الى جنب مع الرصاصة أو نصل السيف ، فهو مثل مفعولهما تماماً ودالته تقترب من دالة الجرح فنتاج القبلة هو ما يبقى من اللون في آثار مودة القناع ، وكذا يترك الجرح دما احمرا مثل الأثر في عناق نصل السيف أو الشظية بخاصرة الجريح فتراهم جرحى الحروب يوقدون أشواقهم على أسرة المشافي رسائل مصبوغة بذلك اللون وهو دليل على الشوق والرغبة بان يكون حضن المرأة المحطة الأولى بعد الشفاء.

كانت كليوباترا الجميلة تجذب القيصر من خلال عينيها ، وكانت تفرض عليه صمت المتأمل لكنه مع تذوقه لطعم الأحمر الذي يصبغ شفتيها يتلو جمل هذيان القائد المنتصر ويعدها بمصر كلها من النوبة حتى الإسكندرية فكانت تتفن في إطعامه هكذا لذة لينسى نفسه وروما والعالم كله ،وربما يكون هذا الأحمر احد مسببات مؤامرة الاغتيال التي قادها بروتس صديق قيصر ليُطعنَ بعشرات من خناجر شيوخ مجلس روما.ينحدر اللون من بقايا ضوء قوس قزح الذي ينشر ألوانه من طيف سماوي بعد نهاية فصل ماطر ، ولم يكن للأحمر فيه سوى مسحة طيفية لا تعبر عن عمقه وقدرته على خلق انطباع ما إزاء فعل أو مشاعر ، ففي دراسة اللون وتأثيره تجد أن الكثير من سلوك البشر والحيوانات يتعلق بما يعكسه منظر اللون علينا ، وحتى في مصارعة الثيران يكون الأحمر مثار انفعال الثور وهيجان ثم الإجهاز عليه بطعنة سيف.

وكثيرا ما كنا في طفولتنا نختبئ تحت معطف لون ما لنمارس مودة رغبة نتمناها ، ويبدو أن اللجوء الى الأحمر يكاد يطغي على تلك المشاعر عندما تسكننا أمنية الشوق الأول ، عندما نصبغ شفاه الدمى بذلك الاحمرار الذي كان يحرك فينا الشعور الغامض للانجذاب الى ذلك الهاجس ، وعندما نُقبلُ تلك الدمى من الشفتين ينتابنا شعور تقبيل فتاة حقيقية ، وهذا ما ظل فرويد يطلق عليه (البلوغ الطفولي المبكر ) وحتماً ينتج وينمو بتأثير من ذلك الأحمر المشع مثل قطرة دم على جبين جرحى الحروب وشجارات العشق والتظاهرات الصاخبة.يطغي الأحمر على كل سلوك غاضب ولا يركن لهدوء أبداً كما الزرقة أو بياض. لهذا فأن الجانب الجمالي فيه مرهون برغبة الامتلاك في اشتراط فعل قوي وعنيف وثوري. وعليه يتحاشى الكثير ارتداء الأحمر ويطلق عليه ( اللون الصارخ ) ، لكنه عندما يصبغ الشفتين بدلالة ولمعان الضوء المغري ، يصبح لوناً جنونياً وصانعاً للشهوة ولمداعبة اللسان ، فيذكر في النصوص على أنه لونٌ للإباحة والحرب والغرام . وجمع الغرام مع الحرب هو كمن يجمع فوهات المدافع مع حدائق الربيع ، لكن الأحمر بفعل سحريته وقوة تأثيره علينا ، يصبح من الألوان التي لا يمكن الاستغناء عنها ، فأصبحنا نتحاشاه في مواضع ونرغبهُ في أخرى.