الأحلام في خضم الصراع بين الكبت والرقابة – اضواء – محمد قاسم الياسري

قصص مطر على رصيف الذاكرة

الأحلام في خضم الصراع بين الكبت والرقابة – اضواء – محمد قاسم الياسري

اعتمدت قصص (مطر على رصيف الذاكرة ) للشاعر ” جابر محمد جابر “( ) وهي قصص قصيرة جداً على تقانة تيار الوعي في تصوير الشعور عند تقديم وعرض الحالات النفسية التي يمر بها أبطال القصص والذين هم بالحقيقة ظهورات متعددة لبطل واحد هو : أنا القصة ، أو أنا المؤلف الحقيقي ذاته ، وقد أراد لهذه القصة أن تكون متتابعة من اللحظات المستعادة والتي يحاول تأبيدها بإدخالها في التاريخ السيري ، وهو تأريخ أدبي بامتياز .

            هذا على مستوى الشكل وأسلوب تناول الموضوعات ، أما على مستوى المضمون بوصفه الأرض المرجعية الراكزة فقد عوّل على موضوعة ” الحلم” ، وقد استثمرها الى أقصاها أفقياً وعمودياً ، طولاً وعرضاً ، داخلاً وخارجاً ، الحلم الليلي والحلم النهاري ، الحلم الذي يأتي بضغط الإستذكارات والحلم الذي يترشح من اللاوعي كرغبات مكبوتة … الخ .

            يقول مؤسس التحليل النفسي ” سيجموند فرويد” (1939-1856) : (كتابة الحلم ، شأنها شأن رسالة في سفر التكوين ، تفقد أهميتها الأولى حين ندفق فيها عن كثب ، وتتخذ مظهر رسالة جدية مفهومة ، وبعبارة أخرى ، علينا أن نقول أن الأحلام وعندما نغيّر قليلاً من شكلها تكشف تحت قشرتها عديمة الجدوى ، شأنها شأن الرقوق عن أشخاص وبقايا تواصل قيم له أهمية خاصة)( ).

            ينطوي الحلم على لغة ظاهرية ، لا تلبث أن ترد إلى لغة محتجبة ، تشرح اللغة الأولى وتزيح عنها القناع ، كأن الحلم نص مكتوب ، قوامه كتابة مطعمة بالرموز تحيل ، إن اسقط القناع عنها على مشاهد وصور ، وهو ما يقيم علاقات بن الحلم والكتابات الهيروغليفية المصرية ، كما يقول ” فرويد” ؛ ولأن الرواية او القصة حلم ولها لغة  الأحلام ، فإنها لا تفصح عن معناها إلاّ بإزاحة حجابها الكثيف والشفاف في آن واحد  ، فكثيف هو لأن المؤلف يكتب ما لا يعلن عنه ، وشفاف هو، لأن في عثرات الكتاب ما يضيء القول المحتجب ، فمهما تكن الحُجب التي تستر القول القصصي كثيفة ، فإن قول المؤلف لن ينزاح عن طفولة مضت ، ودّعها الطفل ولم يودع الحرمان الذي زرعته فيه( ).    ولأجل الابتداء بعتبة جديدة اكثر ثقافية للنقاش في ضوء ما قرأناه من أحلام في القصص قيد الفحص والدراسة ، لماذا لا نعكس المعادلة الفرويدية لتتساوق مع ما يجري راهناً على الساحتين العراقية والعربية ؟، إن الإنسان هو صاحب الحلم ، وهو الموّلد للخير والشر في الحلم أو في الواقع ، ولأنه المتعاطي الأول مع حلمه ومع الواقع ، ولأنه المستفيد الأول من تطابق حلمه مع الواقع ، فسيكون الخاسر الأول عندما لا يتطابق حلمه مع واقعه ، وسينكمش على نفسه ، ويكبت حلمه ، حالماً هذه المرة ان يقتل في الحلم عوضاً عن أن يقتل في الواقع ، فالقتل الأول أهون بكثير من القتل الثاني . إن ما يجعل حديث الرغبة في القتل : قتل الأب الفرويدي (الاوديب) أو القتل السياسي أو القتل المجاني (تقرباً إلى الله تعالى) ، حديثاً معطوفاً على السرد هو إرادة فهم الحياة من خلال فهم الموت في الحياة ، وهذا هو الحلم القصووي الذي راود عباقرة التاريخ .

            لقد جاء الحلم – حسب فرويد – بسبب الكبت ، وجاءت الأحلام الكبرى كمحصلة لـ (تفاقم الكبت خلال العصور المتعاقبة) وقد ثبت ذلك في كتاب ” الطوطم والتابو” ، كإكتشاف علمي خطير ، ولم يفهم مطلقاً ان الصراع بين الكبت والرقابة يؤدي إلى سوء القراءة (أي القراءة السياسية) اكثر مما يؤدي إلى القراءة التحليل – نفسية ، فرمزية الأدب (في الروايات والقصص والقصص الخاصة) لا تتساوى مع رمزية الأحلام الليلية، بل تتخطاها وتستوعبها في هاضمتها الضخمة لأنها تشكل نسقاً مارداً لا يسع رمزية الأحلام ان تتساوق معه أو تتثاقل وإياه في ميزان حكم القيمة وحجم الاغتناء . ان النص السردي لا يعوّل دائماً على ترجمة نصوص سابقة له كنصوص الأحلام مثلاً ، لأنه يبني معانيه من حمولات تتجاوز حجم الأحلام الليلية لتصل إلى هموم الحالم النهارية ، وهي هموم جمّة لا تجد تأويلاً مقنعاً لتسريباتها إلاّ بتعاضد حقول معرفية متخصصة بفهم اصل الأزمة الاجتماعية والتشوهات الأخلاقية (التشوهات القيمية) وصراعات السوق وتهافتات الدجل والكذب والتزوير وهي تستشري كالسرطان في الأماكن الطرفية الفقيرة من المدن الحديثة . ثم هناك المسأليات الانطولوجية المربكة : من أنا؟ ولماذا أنا بهذه الكائنية ؟ وهل هناك تاريخ حقيقي متسلسل من البداية إلى النهاية أم هناك حقبة لا تعرف بدايتها السحيقة في القدم وليس من حقها التساؤل عن النهايات القصوى ؟ هل للصدفة مكان في هذا السديم غير المتعيّن بدقة وغير المفهوم ، أم هناك ضرورة تحدد للصدفة وجهتها المقنعة والممنهجة في التاريخ المحلي أو التاريخ العام؟ ما جدوى الصراع بين الكبت والرقابة في حياة لا يقين فيها إلاّ بجهود البشرية في التقدم والنماء ؟

            ولنقرأ بعض منطوقات القصص كيما نوازي ما قلناه إجرائياً : (كان حارس المناديل يفيق على حفيف الشجر وزقزقة العصافير ، كان كل يوم يحلم بالغيوم والمطر كان يحادث الفراغ ويوزع الأوراد في الظلام ويفهم في لغة البقر – حارس المناديل /ص16) . (كان يشعر بغصة كبيرة وألم قاس وهو ينظر إلى السماء وقد اكتظت بالغربان السود، العتمة فرضت سطوتها على كل شيء حوله ، الأرض والسماء ، البشر ، الشوارع ، أعمدة الكهرباء ، توسل بالقمر بعد أن خذلته الشمس وسحبت آخر خيوطها من جوف المدينة ، جلس مثل أي حلم قديم في منزله ليبحر في ظلام يومه الأول عتمة /ص24) . (قال لأبيه وهو يعضه : يا أبتي ، أفضل أن أكون مقتولاً لا قائلاً . موعظة /ص30) . (حين مر بقربه طير ابيض يشبه ملاكاً ، امسك حلمه وعاد مسرعاً ليغلق باب غرفته خوفاً من تسرب أحلامه مع جريان النهر – نهر /ص30) . (لا ادري هل هذه الأصوات تنطلق من داخلي أم أنني اسمعها وأتلقاها من الخارج ؟ الأمر الوحيد الذي بات شبه مؤكد هو أن ثمة أصواتاً تنطلق باتجاهي ، لماذا أنا؟ سؤال لم أتمكن من الإجابة عليه، تركته ورحلت بعيداً إلى أعماق روحي ، أصوات /ص36) . (من فرط إحساسه بالخسارة والخذلان كانت الأحلام الكابوسية تفترس هدوء بدنه استشار أصدقاءه وعمل بإرشادات أطباء يعرفهم ، لكن الأرق وتسلط الأحلام الثقيلة لم ينقطع . أنا والأرق /ص49 : (اصر على أن يتلف مخاوفه ويتجاوز وحدته وتواجده في قبر رطب تنز منه روائح متموجة ، اختار أن يلجأ إلى مخيلته ويحتمي بذاكرته إلاّ أنّه سرعان ما سقط تحت شجرة الترقب .

ثورة الذاكرة /ص57) . (سئمت من الأحلام ، قررت أن لا أحلام ، وحين داهمني المعطف الأسود وجدت الحلم ممداً على سريري . دعاء خافت /ص71 ) . (لأن الأحلام المزعجة تراوده في النهار ، قرر أن ينام في الليل ويصحو في النهار احتجاجاً على قوانين الحياة . حلم /ص74) .

            إنَّ رمزية الأحلام وهي تحيل إلى حقل الاستيهامات لا تشكل خطاباً سردياً أو معماراً يتماحك باستمرار مع حضور التأريخ أو غياب التقاليد أو ثبات البناءات وهي تمارس حرباً شعواء ضد كل متحد جسور فرمزية الأحلام وهي تستند على بعض معطيات النهار ، وقد رشحت من دماغ النائم المرهق المكبوت تفيد في فهم التماثل والاختلاف داخل الحقل الأدبي القابل لاحتواء أي رمز أو شفرة أو قناع مجازي يثري عالم النص أو يستثمر في فهم عقلية من يقف خلفه (المقاصد اللاشعورية للمؤلف) ، وتحت أية محرضات كبتت تلك الحكايات الحزينة . ولنقرأ منطوق قصة ” معرض ” والتي وجدناها من اقوى قصص المجموعة : (كانت قاعة العرض تغص بالزائرين ، وثمة رجل يقف كصنم أمام لوحة ما تقع في الجهة اليسرى لمدخل القاعة، صرخ الرجل مستغيثاً مرعوباً بأن ثعباناً اسود خرج من تحت صخرة داخل اللوحة ولدغه عندما حاول تحسس شكل الصخرة ، الرجل استمر في صراخه ، وتجمهر حوله أعداد من الزائرين والمصورين وأصابعه أخذت بالانتفاخ ، وأصبحت كفه بحجم مضاعف . بحث المسؤولون عن الأمن داخل القاعة عن أي اثر للثعبان ، سواء في اللوحة ، داخلها أو خلفها ، إلاّ أن صرخة أخرى مدوية انطلقت عند أول لوحة من جهة اليمين ، صرخ الرجل مشيراً إلى تلك اللوحة طاباً من الجميع النظر إلى ذيل الثعبان داخل اللوحة. ص43) .

            ولأن رمزية الأحلام تعمل على الماضي : تاريخ النهار الجاري أو النهار الذي قبله أو تاريخ الطفولة أو تاريخ منسي قديم وصولاً إلى مراحل مبكرة اخذ فيها صاحب الحلم مكانه ضمن تشكيلة قومية أو إثنية أو طائفية لها أحلام وتطلعات ؛ ولأن مادة تلك الأحلام وقد التبست بالماضي القريب أو البعيد أو المغرق في البعد جاءت على شكل نصوص مليئة بالثغرات والندوب والرضات ، فسيكون ردم تلك الثغرات وتفكيك هذه الندوب وفهم الرضات واجباً إجبارياً يقوم به المؤلف والقارئ بتبادل أدوار يستدعي تطابقيه أفق الماضي وافق الانتظار (أفق التوقع) ، وافق التأويل ، وتواشج الوعي مع اللغة ، وستعود موضوعة هوس الناس بالأحلام الخلاصية بوصفها سرديات كبرى مرجعيتها الواقع الموّار بالتقلبات والتناقضات وقد تفشت في جسده الأمراض والفساد والزيف ، وهي ليست تجارب هذيانية أو انثيالات عصابية أخذت شرعيتها من حب الناس لكل غريب وغامض ومجهول . لكنها – وهذا هو مصدر قوتها وضعفها في الآن نفسه – تقرأ على مستويين : المستوى الأول يتعامل معها كنافذة امل مفتوحة للفقير والمظلوم والمهمش ، وهو يصبو إلى مستقبل يتحقق فيه الشبع والأمان والصحة ، أما المستوى القرائي الثاني فيتعامل معها على أنها قضية سياسية رابحة يمكن استثمارها لتجييش الحشود الدهمائية لتحقيق مآربه السياسية في الوصول إلى سدة الحكم وامتلاك زمام السلطة ، وكذلك يمكن ان يستثمرها الأجنبي الغازي ويحوّلها الى رصيد مضمون للدفع قدماً بمصالحه ومطامحه ومطامعه الاستراتيجية .

            من هنا ينبغي الحذر من تعميم ثقافة هذيانية تساهم – من دون أن تعي ذلك تماماً – في قتل أحلامنا النهارية ، لأن الآخر – العدو بإمكانية الديناصورية الهائلة بمقدوره ان يحوّل تلك الهذاءات إلى نجاحات كولوينالية على جميع الأصعدة . يقول ” مطاع صفدي”: (لم يكن عجيباً أن يجد التحليل النفسي جنته الاجتماعية والأيديولوجية في حضن الأحركة الصاعدة خلال النصف الأول من القرن العشرين ، فيغدو شعار ” التلاؤم مع الواقع ” هو الوصفة السحرية التي تقدمها الأحركة لكل الوافدين من الثقافات الغربية والمتعارضة ، فالمطلوب ليس مجرد التخلي عن الأثواب القديمة البالية ، ولكن تحرير الجسد ذاته من جسديته ، والتراجع إلى مرحلة الهيولي ، السابقة على كل تشكيل ؛ لأن التلاؤم مع الواقع يأمر الجسد المنتصب أمامه بكسر هيكله العظمي ، والانكفاء إلى حالة من العجينة الممنوعة من الدخول في أي تشكيل نهائي  بل عليها المكوث في تلك الحالة الرخوة التي تجعلها قابلة للدخول في أي قالب مؤقت دون الالتصاق به نهائياً ، وذلك حتى يمكن خروجها منه وإعادة التجربة مع قوالب أخرى ، عارضة وعابرة ، وهكذا إلى ما  لا نــــهاية)( ) .

لقد كان الشاعر ” جابر محمد جابر ” متنبهاً لكل تلك الفهومات وهي تتمفصل مع خطابه القصصي ، وكان واعياً لكل الأفخاخ المنصوبة في ثنيات وأخاديد جمله الطويلة وعباراته المبتهجة بالتكرار ، لذلك جاءت قصصه حذرة ومقتضبة ومختصرة بإمعان شديد .