كارولينا- نصوص – حنون مجيد

كارولينا- نصوص –  حنون مجيد

 إليها في مداها البعيد

 تعالي يا كارولينا نحثّ الخطى نحو ذلك الباص الرابض في المحطة قبل ان ينطلق . كارولينا لذتي العظمى، تواقة الى جرش مثلما أنا تواق إليها كذلك.

 لأنها أعطتني أصابعها الرخصة أول مرة ، شعرت بنشوة فائقة ، ثم ازددت نشوةً لما قالت ضاحكة وفي مفارقة طريفة وساخرة معاً ، إذاً تقدم وأنا أتبعك ، وشدّت على أصابعي وتقدمتني! مثل عاشقين أزليين عدونا مهلاً نحو الباص ، تلاحقنا عيون كانت تدرك مقدار اللهو في ركض بريء.

 الباص السياحي صغير مكيّف وحديث ، لا يتسع الى أكثر من إثني عشر راكباً ، غير ملزم بحضور الجميع ، فهو محدد بزمن معين ينطلق فيه .

 حتى اللحظة هو رابض في مكانه بصمت بارد ، سائقه يتقدمنا في مقعده الأمامي ، وكل مرة ينظر فيها الى ساعته يشعرنا أن الوقت قد أزف وأنه سينطلق الآن .

 ضمن حدود محطة الباص كنا نشعر ان الزمن مغلق ، محاط بجهات أربع تجثم على مداره اللامرئي ، كتل الباصات وأفواج الناس ودكاكين باعة حلوى الاطفال ودُماهم المتناثرة الألوان .

 حتى انطلق الباص أصبح الزمن أوسع من أن تحصره العين ، كان يسيح عبر الشارع الطويل والمرتفعات المتطامنة على ارتفاع يسير والفضاء المفتوح .

 أخذنا مقعدينا متجاورين في المقدمة على الصف اليمين لنستوعب أكبر قدر من متعة الطريق ، كنا متجاورين يفيض جسد كارولينا على جسدي ونفسي كماء النهر العذب في عزّ الصيف . كارولينا من خلف أيّ حجاب هللتِ ومن بعد أيّ نداء ؟ أنتِ على مشارف طرف الدنيا ، وأنا على مشارف الطرف الآخر منها، إذاً ما أصغر هذه الدنيا وما أقصر المسافات ؟

–        أتذهبين الى جرش ؟

 التفتت إليّ في نظرة كثيفة ، زرقاء خالصة وقالت نعم ، ولم تضف شيئاً. كنت أريد أن أستدعيها الى حديث أطول لكنني سرعان ما شعرت بالظفر، إذ ما الذي ستكونه حصيلة اي حديث أفضل من الاتفاق مع امرأة جميلة على رفقة سفر؟

–        شيء ممتع حقاً .

 لم تشأ ان تقول شيئا جديداً هذه المرة ، إنما وجدتها أطرقت الى الأرض وقد تركت الحديث لي

إن كنت أريد حديثاً آخر، وإلا فهي في طريقها الى هناك وإنّ هذا ما يشغلها ، أو ما ترغب في عمله اللحظة.  وجدتني أقول أخيراً ، وأنا كذلك ، وما لدي سوى أن أضع حقيبة اوراقي على كتفي ، وكنا تطرقنا إلى ذلك حين ارتقينا سلم الفندق معاً أول أمس ، واستغرَقَنا حديث مشترك في بهو الإستراحة لنسكن من بعد في غرفتين متجاورتين . ما كنت أشاهده عليها ، كلما التقينا على وجبة طعام في مطعم الفندق ، وهي تتحدث عن زيارتها المقبلة الى جرش ، أن جسدها يرتعش لهفة  او أنه يشتعل ، وكنت سأكون كذلك حقاً لو أنني سمعت بها ولم أزرها من قبل  .

 كان ثمة الى جوارنا في الصف الثاني من الباص وخلف السائق مباشرة إمرأتان ورجل وثلاثة اطفال أجانب ، عرفت من خلال ما كنت أسمع من لغتهم أنهم فرنسيون.

  بينا كانت المرأتان تتكلمان والرجل يشترك معهما في حديث هادىء كما لو عن ذكريات جميلة ولكن عابرة لم تخلف سوى أطياف مسرات ، كان الأطفال ، وهم ولدان وبنت ، يثرثرون بأصوات متقاطعة تتقافز بجد وصخب مضجرين،. وما كنت أحسه في نبرات أصواتهم ، إنها النبرات عينها التي نسمعها في أصوات الأطفال جميعاً وفي كل مكان ، بل أن صوت أحدهم كان يقرّب اليّ صوت إبن جاري الصغير .

–        “كان عليّ أن لا أنسى مصورتي مع بعض أغراضي في الفندق “. إنه يقول . قالت كارولينا ذلك وأشرت نحو طفل أشقر يرتفع رأسه فوق رؤوس الجميع ، ويعلو صوته على أصواتهم . انظر اليه هو ذلك الأشقر المنفعل الذي لا يشبه الآخرين . أضافت. وكنت أحسب أنّ صور الاطفال متشابهة كذلك.

 تململت كارولينا في جلستها التي كانت مسترخية قبل لحظات ، مالت بجسدها عني وركنت الى صمت مرتعش، تبادر الى ذهني أنها ملّت الطريق لتتشظى كما الزجاج المهشم، وتنفذ من خلال فراغات نوافذ السيارة، بينما لبث عطرها يغطي فضاء محدداً بأنفاسي. لقد بردتُ كمن أصابه قُرّ، وجعلت أطوّف نظري بين ركاب السيارة التي أصبحت تحت نور مطلق، ينصب عليها من أرجائها كافة لتتداخل مع الوجود المبهر للكون. ألفيتها تعود توزع حضوراً شفيفاً على مجموع الركاب ممن هم خلفنا أو إلى جانبنا، وتتبادل مع الصغير الشقي، الذي قبلها أخيراً،حواراً ضاحكاً كنت أحسدهما عليه، برغم أنني لم أفهم منه شيئاً، سوى أنها ستعيد إليه مصورته التي سرقتها منه في حلمها، هذا الذي كنت أحلمها فيه. حين عادت وتململت ثانية في انجذاب نحوي وبصيغة أشد، شعت على جسدي حرارةُ جسدها وشعرت السعادة تعود إلى نفسي.اغتصبتُ كلاماً من بين نوازعي؛ على مهلك كارولين فلا تبعد جرش عن عمان إلا  بخمسين كيلو متراً أو أقل بكيلو مترين ، والمسافة ذي لا تعدو أن تكون قفزة في سباق القفز العريض ، قياساً على مسافات الجري الطويل التي عليها المسافات في بلادك. تبتسم وتدمع عيناها بنمنمات شذرية شبيهة بما يستخدم من نمنمات ملونة في تشكيلات بعض الرسامين.

 خيّل إلي من خلال ابتسامة كارولينا الجميلة ولكن المغلقة ، أنها ندمت على حركتها التي ما كان ينبغي عليّ أن ألومها عليها. ولكي أخفف مما حسبتُ أنني ألقيته على نفسها الفتية من  ظلّ أضفت ، ثم ها أنت تمتعين نظرك خلال ساعة واحدة ، بما ليس موجوداً في المدن المخنوقة بالعمارات الشاهقة وبالضباب وبالضجيج والدخان . سأقودك أولاً الى محيط  ممتع وجميل يتصدر مدخل جرش وهو النافذة الوحيدة إليها . هناك سنعثر على مقهى صغير عبارة عن دكان تُشرب فيه العصائر والقهوة والشاي ، وإن رغبت في اقتناء شيء من الدكاكين المنتشرة ثمة ، فبإمكانك أن تعثري على قلادة جميلة تحاكي قلائد ذلك العصر ، أو مسبحة مرصعة بالفضة أو معلّمة بالنقوش، أو شال مطعم بالخرز الملونة التي تحاكي الحجر الكريم ، أوثوب مَحلي مُحلى بالرسوم مطرز الصدر بخيوط حريرية بالأصفر والأحمر والأخضر بل بمختلف الألوان حتى لتبدو المرأة فيه كالطاووس ، أو حقيبة من الجلد الطبيعي مصنوعة باليد عليها ما تشائين من الرسوم والنقوش، أو حتي كتاب نادر في مكتبة السوق، فضلاً عن السجاد القديم والحديث وبمساحات صغيرة قابلة للحمل السهل، وأشياء أخر لا تخطر على البال .

ها نحن نقترب، قلت، ولم يمض على ضجرها وقت طويل، وعطفت نظري إليها، وقد بدأ وجهها الوردي يتألق سعادة تحت الشمس التي تضرب عليه، وعيناها تنفذان في المدى العريض. كان الباص يتباطأ في سيره لحظة بعد أخرى حتى يقف في رحبة مجاورة للسوق .

سألتها وظلت صامتة إن كانت ،الطائرة بفضائها المحدود، هديرها الذي لا بدّ هزّ جسدها، قبل ان تحلّق ،كرعدة حمّى، دورانها البطيء حول مدارها، ثم انطلاقها من أسار عالم موبوء بناطحات سحاب تغلق الأفق، سحاب أبيض وأسمر يحصل أن يكون مرة تحت ومرة فوق، أشياء جميلة ، أم أنها ترى أن هذه الأرض أجمل بكل ما يكتنفها من أسرار تكمن خلف حجابها،وما تخلقه مرة بعد مرة رؤى الرجل القصاص الذي يجلس الى جوارها، ملتهب الأحاسيس.

من وراء الزجاج البارد للسيارة المتهادية شاهدنا الهياكل الطللية ، التي تبدو خيالاً برغم  ضخامة حجارتها وتسامقها نحو السماء، وبصحبة كارولينا الدافئة ونحن نتهادى نحو المقهى، كنت أراها أول مرة وفي لهفة أشد.

 المقهى دكان صغير وقبالته مصطبة متينة من خشب  صقيل معدّة للجلوس، وهناك مناضد مناسبة توضع عليها المشروبات. طلبنا قهوة مرّة ، فأنا شخصياً لا أميل الى شرب الشاي الذي يأتيني هنا بلا طعم  وكل ما يمتاز به ورقة أوعود نعناع يطفو فوق سطحه  الحار! جلب لنا القهوة فتى يافع عرفت فيما بعد إنه ابن صاحب المقهى ، الفنان التشكيلي وعازف العود ، وهو شاب يتقن اللغة الإنكليزية ، حاول أن يستميلنا إليه ليكون دليلنا الى آثار جرش. لم أرفض حرصاً على النقود ، ولا استهانة بالمعلومات التي قد يقدمها لنا رجل من المدينة نفسها ، ربما درّب نفسه جيداً ليكون دليلاً يستظهر معارف كافية عن حضارة عظيمة تركت مثل هذه الآثار ، بل لكي أكون لكارولينا وتكون كارولينا لي من دون مشاركة من أحد ، وحتماً فإن ما سأزودها به من معلومات سيكون لديها هو الحقيقة بأجمعها . ولأنني أعرف أنها بلا ماض عريق؛ بلا أسد بابل أو زقورة أور، أو مسلة حمورابي، أو إهرام مصر، لم أرغب في إطفاء شهوتها، بسؤالها عن سر حبها لمعرفة التاريخ القديم، غير أنها ابتدرتني بالقول:

–        أنا أحب الآثار وأتمنى أن أجمع أكبر قدر من المعلومات عنها .إنها تزودني بطاقة كبيرة على الخيال. ومثلما كل مرة شعّ على خديها دم خفر .

–        هناك في بلدي الجار القريب ندوس كل يوم على قطعة من آثار يعود زمنها الى آلاف السنين، قلت.

فتحت كارولينا فمها تعجباً، فبان باطن فمها مغرياً مصقولاً، وما كنت مندهشاً لأنّ اسنانها ناصعة البياض، وكنت بين لحظة وأخرى أناوب النظر الى وجهها أتملّى كمال رسمه، وكانت تدرك ذلك وتستجيب له صامتة حيية لأنها تعرف كل هذا عنها.

كارولينا اسم جميل ربما ستردده الاطلال حينما أناديك، ستسمعينه يتجاوب هناك كعزيف ريح يتهدهد بين الآفاق. ضحكت هذه المرة كارولينا. شعرها الأصفر المشبع بلون الشمس الساطعة ، ينصب على كتفيها المدورين. تحته كان يبدو خط رقبتها من الخلف أشد بياضاً ، يبدو بلون الحليب، وكنت أقمع عاصفتي التي كانت تراودني بشكل فجائي ودونما إرادة مني. هل كنت أمني نفسي فيها؟ على الأغلب لم يكن الامر كذلك تماماً، كانت الموجة الطالعة كما لو من بحربعيد تتلاشى عند الاعمدة وهياكل المعابد والقصور، وعند هذا العالم المأخوذ بكل شيء إلا  هذا ، في الوقت الحاضر في الأقل.

 اللذة التي شعرتُ بها وانا انتهي من شرب قهوتي شعرتْ بها كارولينا ، وكانت تقلّب نظرها على لوحات مائية وزيتية عرضت على الأرض من جانبيْ باب كوخ خشب، ثبتت في أعاليه  بعض اللوحات الثمينة على مسامير دقت عليه، هو مرسم الفنان، ثم لما خطونا الى الداخل فوجئنا بعدد اللوحات هناك، وقدرة الفنان الفائقة على الرسم وعلى تقليد لوحات فنانين عالميين.

لم تشأ كارولينا الجميلة حدّ الوهم، أن تتوقف عند هذه الأخيرة بألوانها البراقة والمعتمة، وزوايا الظلال والنور، ودقة التفاصيل التي أتت بها أنامل ملائكة تدب على الأرض، سواء في لوحات الطبيعة أم البورتريهات، أم أجساد النساء العاريات بما فيها لوحة المرأة العارية التي أذهلت عيون اللاهوتيين.

 اختارت وهي تتدرج في نظر حر مشع ومتمهل، ولكن كما لو على وعد، بين اكتظاظ اللوحات وتنافس الألوان، لوحة لأعرابي مدرع برمح وسيف ، يطارد على فرس عربي أبيض سابح ، شيئاً متنائياً لا معالم له، فبدا كأنه يطارد الريح، والصحراء تيه متناء مائي اللون، مظلل في بعض مواقعه بالرمادي الفاتح، حتى لتضل  العين أن تقع على شيء فيه. حين نقدتْ الشاب الذي ناب عن أبيه ثمن اللوحة قالت ، دعها معك حتى أعود فلا أريد أن أجمع بين شيئين في لحظة واحدة هناك ، ثم ما لبثت ان عادت الى اللوحة ودونت بعيداً عن نظري المباشر شيئاً أسفل زاويتها اليسرى.

ملتُ بها الى دكان آخر ابتعتُ لها منه قلادة طويلة من خرزمختلف ألوانه تتألق تحت الضوء ، عبرتُ بها رأسها الأشقر وأحطت جيدها الأبيض فانسابت من ثمّ عبر نهر نهديها الناهضين واستقرت تحتهما، وكم تمنيت أن أقبلها.

 إذ ما تزال لذة القهوة لم تغرب بعد، وكنا شبه مبكرين على موعد افتتاح أبواب جرش ، عدنا الى المصطبة نجلس ثانية عليها ونطلب قهوة بالسكر الوسط ، وكنا نرى الشاب يحيط اللوحة بورق خاص ويلصق بعض أطرافه بشريط شفاف.

  سأريك المعابد والطرق المعمدة  بالأعمدة التي ستخالين أن ملائكة أقامتها وليس بشراً،  سأذهب بك الى عصورغابرة نحاور خلالها تاريخا ً شاهقاً ظل مطموراً تحت الرمال قروناً، ولم يكتشف الاّ قبل أقل من قرن من الزمان ، كانت الرمال تنهال عليه ، تجلبها اليه رياح تهب من كل ناحية وصوب فطمرته . أتدهشين إن تعلمي أنّ أعمدة حجرية ترتفع الى أكثر من عشرة امتار ومعابد ومنشآت تفوقها طولاً وعرضاً يدثرها الرمل فتختفي عن الأنظار كل هذي السنين الطويلة ؟  أي رمال إذاً سفت عليها وهي صامدة ، بل كم هي الطاقة العمرانية التي عليها لتحتمل كل هذه الأطنان من الرمال، أية سواعد جبارة أنشأتها وأية حضارة زاهية كانت تخطر في أرجائها ، أي رجال أشداء كانوا يحكمونها، وأية نساء ملكات مترفات كنّ يجلن في أبهائها؟ وهل أنت يا كارولين ملكة من ملكات ذلك الزمان القديم ، زوجة الإمبراطور هدريان منشيء الأبنية الرفيعة مثلاً، هبطتِ علي من خفايا ذلك الكون المدهش لتمتحني معرفتي بتأريخك القديم؟ أعرف مثلما لا بد أنك تعرفين أنّ المدينة ذي قديمة أسست زمن الإسكندر الكبيرثم تعاقب عليها الرومان والفرس والعرب المسلمون ، تعرضت لزلازل عنيفة وفتن وحروب دمرت معالمها الشامخة ، وقذفت ببعض اعمدتها فكانت أشبه بالاشلاء المرمية على جوانب الطريق ، ولو فتحت جرش أبوابها مع أول شعاع الشمس لرأيت كيف شعاعها الاحمر الغامق ينفذ من بين أعمدتها كشلالات من دم القرابين تبارك الارض تحت قدميك.

–        إن من النقاط المضيئة في التاريخ أن يترك لنا بعض الشواهد التي تدل عليه .

 إذاً هاتي مصورتك يا كارولينا ودعيني ألتقط لك صورة أمام هذا المعبد الجبار، لتكوني سيدة اللحظات منذ ذلك التاريخ قبل آلاف السنين حتى الآن . إرتفعي عالياً .  إرفعي أنفك شموخاً ، واعطفي رقبتك قليلاً ، وسلّطي نظرتك على الكون البعيد ، وافتري شفتيك عن بسمة رفيعة كأنها الورد المكنون . لا تكوني عطوفاً تماماً ، ولا قاسية تماماً ، فأنت ملكة شعب عظيم ، يترسم إرادتك وينتظر إشارتك ، أرخي ذراعيك جيداً واتركيهما تهبطا على فخذيك بسلام ، ودعيني أضع في يدك اليمنى ورقة مطوية كأنها صك حياة ، أوكأنها العهد على الوفاء ، عدّلي من أذيال ثوبك الهفهاف ، وليكن التاج الذي يتوج رأسك مستوياً مع خطّي حاجبيك ، لا ترمشي ، إفتحي عينيك قليلاً وأبعدي نظرتك قدر ماتستطيعين ، ستكون عيناك عند ذاك ، أجمل من عيني فينوس أو نفرتيتي ، أو حتى من عيني شبعاد ، بل أجمل عينيْ ملكة في التاريخ القديم والحديث.

 وهي تتصفح بنظراتها المشرقة واجهات المحلات المكتظة بالبضائع من كل شكل ، اقتربت منها حتى بدأت أحس وهج دمها وأشم عبير أنفاسها وقلت ، سآخذ بيدك في الأخير الى المدرح الروماني الكبير لأريك مشهداً تمثيلياً يصور استعراض الجيش الروماني آنذاك ، سترين طقوس التدريب على القتال والطراد على العربات الرومانية المعروفة لا شك لديك . سنشاهد الاستعراض الصباحي من على مدرجات المسرح ، جنباً الى جنب مع مئات المشاهدين ، سيستهويك منظر إولئك الجنود بملابسهم القصيرة الحمر، وخوذهم النحاسية الزرق المريشة عرضياً بخط كثيف ناتيء من ريش أحمر، تقبض أصابعهم الشديدة على سيوف لامعة بيض ورماح ممشوقة سمر. خلال الفسحة التي تعقب ذلك سأستميح الجنود عذراً لتركبي العربة ، فقد سمحوا لي بذلك ذات مرّة ومنحوني فرصة التصوير على الحصان مرة وعلى العربة أخرى ، فكنت والخوذة على رأسي والسيف في يدي مثل جندي مقاتل من جنود ذلك العصر.

–        أنت ترغّبني بذلك كثيراً ولا اظنك تبالغ في شيء مما قلت !

على المصطبة التحم جسدانا ، إذ كلما أغرقت في الحديث والوصف تدانت مني حتى لكأنها تلوذ بي ، ولا ادري إن كنت منفعلاً مع الحقيقة الصلدة التي لا يفصلها عني سوى هذه الدكاكين الملونة التي تحيط بي ، أم مع هذه التي تكاد تذوب بين يدي .

–        إنْ هذا إلا جزء من اشياء كثيرة اخرى ، فهناك سنجد أدلاء يعرّفوننا على كل شيء ، ويقودوننا الى أماكن لم نعرفها ولربما ستكون من مفاجآتنا هذا اليوم . إن يوماً واحداً لا يكفي للإطلاع على شواهدَ جهِدَ الانسانُ في بناء أصولها خلال سنين . حتماً ستبهرك الأعمدة الرخام ، وستسألين عن الكيفية التي ارتفعت بها القطع الضخمة التي شكلت هذا القوام البديع ، تماماً مثلما سألتِ أو ستسألين إذ تتسنى لك يوماً زيارة مصر ، عن المعجزة التي رفعت فيها الحجارة العملاقة التي بنيت بها الإهرامات .إنّ ما سوف يثير عجبك ، أن اجسادنا المادية هذه ستتحول الى وعاء شفاف يطفح بالأسئلة الحاذقة ولكن دونما جواب ، من جانبي لن أدهش إن تحولتِ أنتِ نفسك الى شيء من هذا كذلك ، فأكون كذلك الفارس الباحث عن سرابه في لوحتك المشتراة .

خيّل إليّ اللحظة أن كارولينا ستطير، سينبت لها جناحان خافقان تحلق بهما بعيداً ،وحيدة مأخوذة بما صار اللحظة بين يديها من دون أن يزاحمها عليه أحد ، أو تشرك به أحد .

قد تأخذ بكِ رغبة في نقش إسمكِ على حجر من تلك الآلاف المرمية هناك ، لكن ذلك لن يكون متيسراً عليك إلاّ إذا كنت تحملين إزميلاً . فكأن الحجر هذا استمد صلابته من تراكم الأزمان عليه.

بعين شبه مغمضة رأيت سواحاً أجانب يقبلون بقمصان مفتوحة وشورتات قصيرة ملونة، تبدو تحتها سيقان الرجال مفتولة بعضلات شديدة ، بينما يتماوج اللحم كلما صعدّتَ النظر في أفخاذ النساء ، وترشُق في الأسفل سيقانهن الوردية.

أراهم الآن يتبعثرون في وحدات متفرقة  في الدكاكين ، يتأملون بضائعها الخارجية أو يتوغلون في أعماقها، حيث الأشياء هناك مكتظة قد لا تسقط فيها النظرة اللاهفة على شيء إلاّ وسقطت على قرينه المحاذي المزدحم به، ليصعب من بعد تحديد الشيء المطلوب.   أرى لهفتهم على المعروضات الغريبة غير المألوفة ، سواء أكانت طبيعية أم مصنوعة ، شديدة بل ومجانية أحياناً. أشياء للذكرى ،كنت أقول، قيمتها في تاريخها ، لذا ليس في اقتنائها إجهاد للنفس ، وفي السفر تنفرج النفس ولا تلتم الا حين تشبع أولاعها.

كارولينا وحدها اختارت لوحتها الخاصة بانتقائية دقيقة وسريعة ، ولا أدري إن كان الأمر كذلك لأنها معي أو لأنني معها. وحدها كانت تبدو منفصلة بالرغم من تجاور جسدينا.

ها أنذا الآن أراها كلما أزف وقت الإفتتاح تنكمش عني حتى لتكاد في لحظة قريبة قادمة ، تطلق جسدها في الفضاء متحدية صمت الاسوار.

الآن دعيني يا كارولينا ، ربما للمرة الأخيرة أصوّرك تحت هذين العمودين الوحيدين اللذين يربط قمتيهما عمود عرضي كما لو يطرد الوحشة عنهما. إن عاطفتي تأخذني إليهما إذ يبدوان لي كعاشقين متعانقين.

وأنا أتطوح بين صور الأعمدة الشاهقة تطل على عينيّ كسيقان عماليق إسطوريين ،نسيت ما كنت راهنت نفسي عليه، أن تكون كارولينا لي.

لم تعد كارولينا امرأة لها ذلك الجسد الذي كان ينتشر على جسدي ، لم تعد تلك الروح التي غمرتني بلطف غير معهود ، كانت شيئاً آخر ، حلماً جميلاً ولكنْ عابر كما الطيف ، كما قبضة ماء ، كما أي شيء لا يريد أن يتحقق لأحد ، أو يقبض عليه احد .. إلهي أهكذا تذوب الأحلام ؟

                           *     *       *

الآن وقد غابت كارولينا من بين عينيه ، كما لو أنّ حلمه انتهى ، ينهض. قبل أن يغادر مجلسه ، يبادره صبي المقهى بلوحة الاعرابي. كانت كارولينا طبعت على أسفل صفحتها حيث كان يرى، بقلم أزرق عبارة ، ” إليك سيدي، فهناك حيث أكون يكون بانتظاري قدري المحتوم، حقاً كانت رفقة جميلة” وذيلت إسمها الذي أحَبّه تحتها.

 حلمك القصير:كارولينا.