قراءة في قصيدة جربيني للجواهري
هل أكتوى الشاعر الكبير بنار الحبّ؟ – نصوص – قيس مجيد علي
هذا ما ستكشف عنه قصيدة (جربيني)
قصائد عديدة كتبها الشاعر الكبير الجواهريّ في الحبّ من قصيدة (جربيني) الى (سلمى) الى (عريانة) الى (بديعة) الى (ليلة معها) … وغيرها ولكن لماذا قصيدة (جربيني)؟
أولاً:-لأنها القصيدة الأولى التي كتبها الشاعر في هذا الغرض.
ثانياً:-لأنها تعدُّ ثورة على كلِّ الأعراف والتقاليد السائدة.
ثالثاً:-للإِمكانية العالية في كلِّ مقومات القصيدة.
إذن هي رائعة من روائع الجواهريّ في العشرينات من عمره. ما إن تكد تقرأها حتى يأخذك العجب.
أَهو ذا الجواهريّ ابن البيئة الدينية التي اغلقت عليه كلَّ أبواب الانفتاح .. لا بل قيَّدته بقيود الدين فألزمته بالحفظ المتواصل وهو لمّا يزل ابن الثانية عشرة من عمره ولكنك رغم ذلك كلِّه تجده فيها ثائراً متمرداً على تقاليدها وأعرافها والتزاماتها. … فلقد كان رائعاً في كلِّ ما تحتّمه القصيدة وما يقتضيه الشعر ليكون الشاعر الحقيقي المتمكن من كلِّ أدواتها. وأقصد بذلك اللغة بكل أدواتها من قواعد وصرف وبلاغة وعروض فهو فيها بحقٍّ ذلك المتألق الذي تخشاه القصيدة نفسها بل قل يخشاه الشعر نفسه، فترى الالفاظ والقوافي تنسب اليه انسياباً بلا تكلـــــف وبلا عناء.
هذا كلُّه يمنحنا المزيد من التأني والتخوّف لأنَّ كلَّ ما في القصيدة يجعلك أدنى منه. بيد أنَّ المسارات الشائكة التي تجدها في القصيدة هي سهلة وجميلة قد طوّعها الشاعر لتكـــــــون قريبة من القارئ.
فالثروة اللغوية الهائلة أكسبتهُ هذا المقام وهو في ذلك السنّ، ومهما يكن من شيء فقصيدة (جربيني) هذهِ القصيدة تعدُّ ثورة على الواقع والتــــــــــقاليد بغرضها وأسلوبها ومعانيها وقوتها….
فمنذ البداية تشعر أنك أمام شاعر تستبعد عنه هذا الغرض لما الفته منه ومن قصائده الرائعة الأخرى في السياسية والمناسبات العامة والخاصة .. يجرّنا هذا الى الدخول في القصيدة ذاتها، لذا ما الذي حققته القصيدة أو بالأحرى ما الذي حققه الشاعر في هذهِ القصيدة التي تنمُّ منذ الوهلة الأولى أنَّها تتخطى كلَّ امكانيات الشعراء الذين كانوا آنذاك من الحبوبي وعلي الشرقي والزهاوي وغيرهم ….
لقد اختار الشاعر الجواهريّ البحر الخفيف لقصيدتهِ وهو من البحور الشعرية التي يعرفها الشعراء انفسهم صالحة لهذا الغرض، لما له من خصائص ممّيزة وإيقاعات نغميّة متناسقة. وحسبك الأغنية المشهورة (هذهِ ليلتي وحلم حياتي…).
يبدأ الشاعر قصيدته بخطاب مباشر فيه الانطباع والاحترام والتروي وهو ما أملته عليه البيئة الدينيّة بكل ما توجبه من التزامات مبدئية.
جرّبيني منْ قبلِ انْ تزدَريني وإذا ما ذممتِني فاهجرِيِني
فهو يترك لها الحرية في القبول والرفض بعيداً عن الإجبار الذي يسلكه بعض الشعراء الذين يجدون في أنفسهم التعالي والكبرياء …
فهو أمامها ليس ذلك الشاعر المتعالي المتكبِّر وإِنَّما هو ذلك المحبّ الذي يكنُّ لها المَحبّة وباحترام لائق واسلوب سهل. إضافة الى أننا نجده يقدّم لها ما يشبه النصيحة والتذكير فإن هي رفضته سيكون الندم ملازماً لها طول حياتها وستتأسف كثيراً على اختيارها الطريق الآخر طريق الرفض
ويَقيناً ستندمينَ على أنَّكِ من قبلُ كنتِ لمْ تعرفيني
بعد ذلك يسوق لها الدلائل على انَّ الإنسان لا يُقرأ من الجبين وإِنَّما يُقرأ من العيون التي فيها مطاوي النفس والرغبة الفائضة والاخلاص المتواصل والشهوة الثائرة والغريزة التي تغري بالمحبّة والالتصاق ..
فيمنحها الشاعر القوة والشجاعة والرغبة ليثبت لها أنَّه ليس كأولئك الجمهور الذين لا يعرفون قيمة للحبّ. فهو ضدَّ الدين وضدَّ التقاليد وضدَّ الذئاب الذين ينهشون لحمه، فهو يدرك وبيقين إن تقضت هذهِ السنون العشرون فمن يستطيع ارجاع لذائذها.
وأنا ابن العشرين مَنْ مرجِعٌ لي
إنْ تقضَّتْ لذاذةَ العشرين
بعد هذا نرى الشاعر يتحول من هذا الطلب الرقيق الى حالة أخرى يتوخى فيها مدى تأثيرها عليه، فهي بالنسبة له تشكل ابتسامة الحــــياة التي كانت ملأى بالشجون، فهي ان أَقرت له بذلك فإنها ستــــــكون منصفةً إياه وستكفّر بذلك عن ذنوب الناس جمــــــــــيعا بعد أن ظلموه.
إبسِمي لي تَبسِمْ حياتي ، وإنْ كانتْ
حياةً مليئةً بالشُّجون
أنصِيفيني تُكفِّري عن ذُنوبِ
الناسِ طُرّاً فإنهمْ ظلموني
ويستمر الشاعر برجائهِ وشكواه فيخبرها ويؤكد لها أنَّه الشاعر الرقيق الذي يعيش عيش السجين والذي احاطته الهموم من كلَّ جانب، فيطلب منها انتشـــــــــاله من هذا الواقع المرير.
إعطِفي ساعةً على شاعرٍ حر رقيقٍ يعيشُ عيشَ السجين
ثم يضع أمامها حقيقية واضحة وجليّة وهي ما بعد هذهِ الساعة سيكون في عداد الموتى حيث لا رونق الصبح يبدو ولا الفجر باسماً ولا دجلة تلاعب ظلال النخيل، فكل ما موجود الآن من متاع الحياة سينتهي ويتوقف بعد وقت وسيكون هناك المصير الذي لا مفرَّ منه في جهنم مع غواة غمروه بغيِّهم …
وأنا في جهنَّمٍ معَ أشياخٍ غواةٍ بِغيَّهمْ غمروني
إضافة الى أنَّه يرى نفسه وبتصوير رائع وجرأة عالية في ذلك المكان (الجحيم) يقعدُ عن يساره المَعَريّ وعن يمينهِ الزهاويّ …
عن يساري أعمى المعرَّةِ و”الشيخُ” الزهاويُّ مقعداً عن يميني
وينتهي الشاعر الى الإفصاح المباشر للتعبير عن قوته ونزعته الجنسية فهي وسيلة لترغيب المرأة وإثارتها وبالتالي استمالتها الى الرجل فالمرأة وبكل ما أوتيت من قوة وسيطرة تكون ضعيفة ازاء هكذا اغراء ….
إئذَني لي أنزِلْ خفيفاً على صدركِ
عذْباً كقطرةٍ من مَعين
وافتحي لي الحديثَ تستملحي خفَّةَ
رُوحي وتستطيبي مُجوني
تعرِفي أنني ظريفٌ جديرٌ
فوقَ هذي “النهود” أنْ ترفعني
وردت هكذا في القصيدة وسأشير إِليها في الملاحظات.
أو:-قرِّبيني من اللذاذةِ ألمَسْها
أريني بداعةَ التكوينِ
ويتمادى الشاعر في نزواتهِ وثوراتهِ وغريزتهِ المتدفقة فيرتضي منها ما ترتضيه هي من أمر حتى لو كان ذلك مما يؤدي الى أدنى المستويات …
إنزليني إلى “الحضيضِ”
إذا ما شئتِ أو فوقَ ربوةٍ فضعيني
فهل اكتفى الشاعر بهذا كلّه؟ … الجواب .. لا، فهو اراد ان يقابل ذلك بالطفل المدلّل فيضع لها الحجج عندما تسأل عن هذهِ العلاقة بينه وبينها، فيبرر هذهِ العلاقة (بإغاثة المسكين) مرةً وأخرى بابتلاء الأمهات بمثل هذا الغلام الذي يقدّم لها كل ما يجعلها في غاية الرضا والقبول…
وإذا ما سُئلتِ عني فقولي
ليسَ بِدعاً إغاثةُ المسكين
لستُ أُمّاً لكنْ بأمثالِ “هذا”
شاءتِ الأُمهات أنْ تبتليني
أشتهي أنْ أراكِ يوماً على ما
ينبغي مَن تكشُّفٍ للمصُون
ويصعّد الشاعر في ترغيبها فيه الى حدّ السيطرة المطلقة والفعل المجزي حتى في الضرب ….
“اِلطمِيني “إذا مَجُنتُ فعمداً
أتحرَّى المجونَ كي تَلْطمِيني
وبعد … فهل أكتوى الشاعر بنار الحبّ؟
قد يكون الانصياع والتذلل والتنازل والألم والحسرة واللوعة وعدم الوصول الى المبتغى من محطبات هذهِ النار (نار الحبّ).
ملاحظة:- وردت في القصيدة بعض الأخطاء منها:-
تعرِفي أنني ظريفٌ جديرٌ
فوقَ هذي “النهود” أنْ ترفعني
والصحيح … أن تعرفيني ليستقيم الوزن.
انزليني إلى “الحضيضِ” إذا ما شئتِ
أو فوقَ ربوةٍ فضعيني
والصحيح أن تكون همزة إنزليني همزة قطع لا همزة وصل لأن الفعل أمر من الرباعي وليس من الثلاثي والدليل اخذه لمفعوله الياء.
ما أشدَّ احتياجةِ الشاعر الحسَّاسِ
يوماً لساعةٍ مِن جنون
وردت كلمة (احتياجةِ) مكسورة وحقُّها النصب لأنها مفعول به لفعل التعجب (أشدَّ) الوارد في صيغة التعجب القياسي (ما أفعله). قد تكون هذهِ ما يحمل على الأخطاء المطبعية لكن أين منها المحققون والمشرفون على الطبع وهم كل من الدكتور إبراهيم السامرائي والدكتور مهدي المخــــــــزومي والدكتور على جواد الطــاهر ورشيد بكتاش.
وتبقى الملاحظة الأخيرة وهي: استعمال الشاعر السليم لكلِّ ما ورد من جواب للطلب على عكس الكثير من الشعراء الذين يصطادهم جواب الطلب في شباكهِ …
إذ انهم ينسون انَّ جواب الطلب يجب ان يكون مجزوماً إذا ما قُدِّر بالشرط.
























