الحياة في صدى الرحيل
أرتياد الضفاف ببحر الحكايات – خاطرة بين المسافات – يوسف عبود جويعد
منذ الوهلة من دخول عالم القاص محمد عواد الخزاعي في مجموعته ( صدى الرحيل ) يبرز امامنا تساؤل ، حول عنوان المجموعة ، والذي هو لقصة قصيرة ضمن المجموعة ، الا أن بعد الانتهاء من متابعة القصص ، نكتشف أن صدى الرحيل ، هو رؤية فنية واضحة المعالم ، متصلة في كل النصوص ، لان فضاء هذه المجموعة وثيمتها ورسالتها تعني الرحيل بكل اشكاله ، وأن هذا الصدى ماهو الا بقايا صوت يرن عبر كل بناء سردي في متن كل نص ، كما يشكل هذا العنوان ، ايقاع آخر وظف من اجل جعل البناء يحمل لمسات كل حدث او حكاية تنتمي لهذا الصدى الذي يترك اثر واضح في ضمير المتلقي ، نحو ما يمر به من حدث او حكاية لشخوص ظهروا لفترة من الزمن ولم يبقى الا صداهم ، لان القاص اختار شخوصه من وسط الناس وهو يعيش بينهم ، وبهذا يثبت ان القصة المتخيلة التي تكتب من خلف برج عاجي لم تعد تلائم واقع الحال ، فامام الاديب المبدع نهر جار من الحكايات التي يجب ان يقتنصها ويوثق لحظتها المتوهجة ، فتكون محسوسة يتفاعل معها المتلقي وينسجم معها ويتابعها لحظة بلحظة ، كونها جزء من حياته، وحزء من حياة البلد ، فنجد الصدى الاول في اول قصة نطالعها ( السماء تفتح ابوابها متأخرة ) فالزوجة تنتظر زوجها الغائب ، ولم يبقى الا صداه ( لا تنتظري طويلاً أن حصل مكروه فالدنيا اوسع من تنتظري غائباً لن يعود ) ص10 ، ورحيل آخر لكن من نوع خاص ، أنه رحيل زمن قاس ، ففي قصة ( المختار ) نجد هذا الرحيل عن زمن ولى بلا عودة ، هو زمن المختار ، الذي كان جزء من السلطة التعسفية ، والذي جثم على صدور ابناء المحلة ثلاثين سنة ، وكان سبب في خراب الكثير ، منها رحيل الاب والام والزوجة الى ملكوت آخر هو الموت ، وفقدان الشقيق ، وفيها يثبت القاص وبالرغم من هذا الرحيل الا ان اثار هذا الخراب لازال صداه، وفي قصة (مواسم الامطار ) ننتقل الى حقبة زمنية ، حصدت الكثير من الشباب الغض ، وكانت كالبركان الهائج الذي يرمي بشرره القاتل في كل ارجاء البلاد ، انها الحرب ويصف لنا بطل القصة رحيل هؤلاء الشباب ( الموت كان زائرنا بين الحين والآخر وبأشكال مختلفة ، فأما على شكل رصاصة قناص او شظية هاربة من انفجار او قذيفة هاون تقطع جذور احدنا وتحيله الى جثمان مسجى في نعش تغطيه قطعة قماش موشومة بثلاث نجمات وتجعله ذكرى لأهله واصحابه ) ص18 ، وفي قصة ( صدى الرحيل ) التي حملت المجموعة عنوانها ، نجد هذا الصدى واضحاً ، اذ يعيش رجل طاعن في السن ذكرى رحيل زوجته وفي نهاية القصة يلحق بها ، وفي قصة (الاسطورة) يقتنص القاص من وسط بحر الحكايات ،شخصية اسماها الاسطورة ، لكونه فقد عقله بسبب متناقضات الحياة في هذه البلاد ، ويرحل هو الآخر ويظل صداه ، في هذه النماذج القصصية المختارة ، اردنا ان نصل الى العامل المشترك بين نصوص المجموعة ، وقدرة القاص على المحافظة على توصيل هذا الرمز والنسق السياقي الفني ، الذي تناوله القاص ، اما اللغة فكانت جزء متصل من البناء القصصي ومنسحمة مع الحس التصاعدي للاحداث السردية ، كون معالم شخصية القاص واضحة في كل قصة ، وهو يقوم بسردها كسارد عليم ، لانه حضر احداثها وعاشها بتفاصيلها ، وقد حافظ على خصوصية القصة وادواتها ، فلم اجد خروجا واضحاً له عن فن صناعة القصة ، بل انه يحوك خيوطها وينسج حدثها داخل اطارها ، وقد راعى القاص الحس التصاعدي لكل حدث ، بل انه في بعض القصص يصل لذروتها ، الا انه لم يعط اهمية تذكر للحوار ، والذي يعتبر جزء مهم من البناء القصصي ،اذ ان الحوار يمنحها صدقها ، ويقربها الى المتلقي اكثر ، أن مجموعة (صدى الرحيل ) للقاص محمد عواد الخزاعي ، تمثل الصدى الحقيقي للرحيل في حياتنا ، عبر ازمنة مرت ، وواقع معاش ، وما يشكله هذا الرحيل من تأثير داخلنا . كما انه تمكن من النزول الى الشارع ويمسك بلحظات لازالت متوهجة ويحيلها الى نص قصصي ، فيه تتوفر الجوانب التي من شأنها ان تجعل المتلقي مشدود الحواس ومتابع بكل اهتمام ، كما انه ضمنها اهداف سامية ورسالة انسانية ، وان اجمل القصص تلك التي تخرج من واقع الحياة وتعالج فنيا.
























