خواطر من شجن الحياة وشجوها – نصوص – صلاح الدين خليل

تقليم شجرة الأصدقاء

خواطر من شجن الحياة وشجوها – نصوص – صلاح الدين خليل

في الليل وأي ليل؟ ذلك الذي ينام فيه الناس متعبين من ركض النهار وراء رغيف العيش، الذي نسد به المعدة.

من بعدها تأتي الحاجات الاخرى، لقد سمى بعض علماء النفس أو البايلوجيا للانسان ثلاث غرائزهم ثم جاء أخرون فجعلوها خمسة وستة وثمانية وقد وصلت الى ثماني عشرة، وأهمها الجوع والجنس وحب البقاء والسعادة وكراهية الالم وتحقيق الذات والحرية.

تطوف كل هذه الافكار في الذهن يومياً وتهدهد الانسان كامواج البحر الذي نسمع به ولا نراه الا في الافلام.

وأتساءل ولا ألبث أن يأخذني النوم فنمر على الاحلام فترسمني كلوحة سريالية، وتنقذني الصحوة فأحمد الله على هذا الخلاص الذي انتهي منه بشروق الشمس ثم أجد نفسي وكأن يداً تسحبني فأرتدي ملابسي على عجل هارباً من الغرفة الى عرض الشارع حيث أشعر بالامان من الاسئلة التي تراودني يومياً/ لماذا أنا موجود؟

ومن أين والى أين؟

وما معنى هذا التكاثر الذي نحشد له قوانا الحيوية؟

أسئلة كثيرة وقد راق لي أحد الثياب معروضاً في عربة وقد طبعت عليه عشرات من علامات الاستفهام وقد ندمت لاني  لم أقتنه الا اني أقنعت نفسي بان علامات الاستفهام ليست الا ظاهرة في هذا الثوب، الا انها تعيش في داخلي وتنغص حياتي فاسأل الى أين أنا متجه؟

فأقول ان الناس لا يحبون البقاء في بيوتهم لذلك ينطلقون الى شوارع المدينة، باحثين عن أي مكان فيه تسلية، وبعد ساعة أو ساعتين وما أكثر الساعات الضائعة من العمر!

أجد نفسي مكوماً على أحدى الارائك في ذلك  المقهى الذي يشدني كحجر المغناطيس لأجد عشرائي وهم يمارسون لعبة الدومينو.

فأتساءل لماذا يحب الانسان أن ينسى نفسه؟

في الوقت الذي هو يحبها حباً جماً؟

أهو الملل في حين يقول البعض ان الحياة جميلة.

وأنا أقول انها ليست قبيحة ولا جميلة فهذه الكلمات جميل وقبيح من صنع طبائع الانسان  والانسان ليس من صنع نفسه، فهناك ارادة عليا صنعته ووضعت فيه هذا القبول للحياة فعلى قدر جودة صحته يكون تذوقه للاشياء وكذلك على قدر تناسب بيئته ويسر حاله وانسجام روحه وجسمه وما الى ذلك.

قلت لنفسي لابد لي من تقليم شجرة الاصدقاء.

وأول ما بدأت بالكتب فقد عرجت على مكتبتي وشرعت بتصفح كتبها التي جمعتها خلال أكثر من ستين عاماً فوجدت ان العمر لم تبق فيه بقية لقراءة واستيعاب كل هذه المعارف.

يومها كنت شاباً أريد أن التهم كل هذه العلوم، فجمعت أشتاتاً من العلوم لا رابط بينها، وقلت لنفسي سأكون أنا الرابط لهذه المتناقضات ولكن يبدو أن الكبر وتراجع العافية غير قادرة على التهام كل هذه الاطعمة الفكرية.

فعمدت الى إهداء وبيع الكثير من هذه الكتب، لأني وجدت أن وجودها يتحدى وجودي، ويشعرني بالعجز.

أما الاصدقاء فكيف ولماذا أحاول أن أقلم شجرتهم؟

ذلك انهم لم يكونوا أوفياء كما كنت أنا لهم ولم يكونوا جميعاً بهذا الشكل.

وكان كل ذلك يجري في المقهى وخارجها ولكن ما الذي يشدني الى هذا المكان؟

هذا لانه قريب من الاعدادية المركزية التي كنت طالباً فيها، إضافة الى الخصوصية والجمال الذي كان يتمتع به، فقد وجد فيه ملهى الهلال قبل هذا الحين بعقود من السنين المكان الذي غنت فيه ام كلثوم عام 1932 وعبد الوهاب من نفس العام.

أذكر اني كنت أخرج بعد الظهيرة من الاعدادية أنا واثنان من أصدقائي متوجهين الى سوق السراي وسوق- الجوة- ومقهى الخفافين عام 1956 وكنت أتساءل ومازلت عن ماهية بغداد فيقطع تفكيري صوت ضجيج المقهى وغناء أم كلثوم، فأجد ان اللاعبين هنا لا يجمعهم شيء غير اللعبة، فهم مختلفون في الاعمار والاشكال والتفكير ولي بينهم معارف وأصدقاء ثم عجبت من كثرة تعودنا على الاشياء بحيث لم نعد نعجب بأي شيء، وهذا يعكس بساطة فكرنا وتفكيرنا فكل إنسان هو معجزة في تكوينه الروحي والجسماني وكل حصاة في قعر بحيرة هي معجزة وكل حيوان أو نبات هو معجزة.

ما لهذه الكائنات تتكاثر؟

تدفعها غرائزها الى كل ما تفعله، ويقال أن العقل هو الذي يسيرها وما أدرانا الى ماذا يقودها العقل وأين هو العقل في النبات أو الحيوان وأين هو العقل ونحن نقترف كل تلك الحروب والأثام، وربما ان العقل هو الذي يقود الانسان الى اقتراف كل تلك الاخطاء، واذا تحرينا عن هذه الاخطار لوجدنا اننا قد وضعنا لها اسماء مثل شجرة المعرفة التي أكل منها الانسان فصار عارفاً وفضولياً ومتسائلاً بعد ان كان سعيداً غافلاً.

كثيرة هي العلاقات والجوارات التي تنشب وكل منا يحاول أن يحقق ذاته وهذا أمر مشروع دون أن يكون ذلك على حساب غيره وواحد من هؤلاء، الشخص الذي قدمته لمعارفي المثقفين كواحد منهم، وكنت أفعل ذلك مع كل أصدقائي بينما كان هؤلاء بمرور الزمن يفعلون العكس سألني هذا: هل أنت سعيد؟ فقلت له نعم أنا سعيد.

فكانت منه محاضرة دامت ثلاث ساعات أراد فيها أن بيبن اني لست سعيداً بل أدعي ذلك.

وكان كل من حولنا يعجبون من صبري عليه وقد أثبتت الايام انه يحب الاساءة وكان أخر ما ناقشناه هو قصيدة قارئة الفنجان لنزار قباني التي لا أعدها قصيدة حقلاً وهي من قصائده البسيطة وهذا أمر ممكن أذ لا يكون الشاعر محلقاً بنفس المستوى، وكانت هذه القشة التي قصمت ظهر  البعير كما يقال حيث انقطعت علاقتنا.

وهذا ما حصل لي مع شخص يدعي الشعر ونظمه ويدعي انه يقرأ في اليوم خمس عشرة ساعة ولديه خمسة عشر تفسيراً للقران ويحفظ خمسة عشر الف بيت من الشعر.

وكان فيما بعد حاربني حروباً كلامية لا مبرر لها ولكني وجدت انه يقضي جل وقته باللعب ثم افترقنا.

جلس الي صديقي الذي لم يسؤوني منه شيء، وكان يحدثني ممسكا بورقة وقلم سائلاً: ما هو رأيك بالحب فأرد عليه قائلاً:

ليس هناك شيء أسمه الحب ولكن هذه الكلمة الرقيقة من اختراع الانسان وان الاصل فيها هو الجنس، ومن الجنس الذي كان الانسان يمارسه قديماً بهمجية تطورت هذه المشاعر الى ما يدعى بالحب فقد أصبح الانسان أكثر حضارة وبدأ يحسن الفاظه فبعد ان كان يؤتي المرأة كيفما اتفق أصبح بمرور ألاف السنين أكثر ذوقاً.

وكان هو يكتب ما أملي عليه فقلت له انه ما دام حبك للمعرفة بهذه الصورة فما عليك إلا أن تقتني  بضعة كتب وهي خير من نتف الكلام الذي تسمعه مني.

فقال: أنا لست مستعجلاً على المعرفة التي تأتيني فقلت له: وكم من الوقت متبق لك في العمر وقد بلغت الستين من العمر؟

فقال انا لا أحب القراءة كثيراً.

أما أمين وهو شيخ أكبر مني بقليل فكان حلو الحديث متعلقاً بالايام الخوالي ومن أحاديثه قال: كنت في العسكرية قبل أكثر من خمسين عاماً في (الطارمية) وكان الجو حاراً وأنا عائد لتوي من التدريب يعلوني العرق والغبار اذ رأيت مظلة لشجرة عنب في إحدى القرى في طريقي فتمددت على خشبات فيها تشبه الاريكة وغفوت اغفاءة بعد ان غسلت وجهي وذراعي في ماء ساقية، ولا أدري كم من الوقت نمت، وأنا أشعر بمزيد من الراحة في ظلال شجرة العنب وماء الساقية يجري مغرداً من تحت تلك الخشبات وشعاع الشمس يتردد فوقي خلال أوراق العنب بسبب الهواء المتحرك، وفجأة شعرت بيد تهزني وتوقظني بعنف فنهضت ودفعت ذلك الجسم الثقيل من فوقي واذا بقناع ذلك الرجل يسقط عن وجه أعرابية طرحتها ارضاً ونمت فوقها مدافعاً عن نفسي قائلاً: من أنت وماذا تريدين؟

فقالت: أنا صاحبة هذا البستان وأنت قد دخلت فيها دون أذن..

ربما تكون لصاً.

فحررتها من قبضتي وأنا أقول لها: لست ألا جندياً متعباً عائداً الى أهلي قومي واجلسي فانا متعب وجائع وأنا أعرفك بأسمي وهو أمين.

فقالت: أن لك وجهاً طيباً وجميلاً وأنت اليوم ضيفي فتعال معي الى القرية.

فنهضت ومدت لي يدها مصافحة كأنها رجل وعندما وصلنا القرية عرفتني بصاحب دكان هو مطعم صغير وهي تقول له: هذا كأبن عم لي وغذاؤه على حسابي فقال لها: تأمرين يا أمينة فعجبت لهذه المصادفة إذ ان اسمها يشابه اسمي وبعد أن أنهيت طعامي وكانت الشمس قد شارفت على المغيب أخذت طريقي الى منطقة الفضل وبعد بضعة أيام انقطع عن زيارة المقهى فقلت ان هذا الرجل معباً بقصص شبابه الغابر ولابد له من أن يحكي ما تم فيما بعد من حكايته وطالت غيبته قيل لي بعدها انه قد توفي قبل أن يتم حكايته فأسفت على فراقه أسفاً شديداً.

ومن بين حكايات الناس ما رواه أبو مازن وهوأحد  أصدقائي ولاعب الدومينو الذي يقضي نهاره مابين الشرب واللعب روى لي مرة انه من سكنة الفضل وله ذكريات عن رجل كان يملك كشكاً يبيع عليه التكة والكباب وما الى ذلك وكان يتردد عليه الشقي طالب الاسود فيأكل عنده مجاناً ثم يمديده فيأخذ الدخل وكان هنا صبي يعمل لدى صاحب الكشك وهو ابن اخت البائع وكان يرى هذا الامر حزيناً مستغرباً يتكرر بين أونة وأخرى وفي إحدى المرات تعرض الى الشقي وهو يقول أما كفاك ما تأكله حتى تأخذ الدخل؟

فما كان من طالب الاسود الا أن دفعه بوجهه بلطمة ولم يطق الصبي صبراً فتناول من الكشك سكيناً ذبح بها الشقي حيث انطرح هذا على الارض نازفاً حتى فارق الحياة فما كان من الصبي الا ان ذهب الى مركز شرطة الفضل وهو يقول دامع العينين: لقد قتلت طالب الاسود.

فما كان من ضابط المركز إلا ان اجلسه وهو يقول: اجلبوا له ببسي ولا تخف فقد عملت ما كان يتمنى غيرك أن يفعله.

وقد صدر الحكم بسجنه خمسة عشر عاماً ويبدوا ان ذلك الشقي ما غادر الحياة حتى جنى على ذلك الصبي وافقده أجمل سنين عمره.

ولهذا الرجل حكايات أخرى، فهي من بين تجارب رجل جاوز السبعين من العمر وقد تراكمت في حياته تجارب جمة يمكن أن يتعلم منها الحليم.

لذا أنتقل الى حالات أخرى منها حالة صاحب أخر حيث أنه كان طالباً في الاعدادية ابان الحرب العراقية الايرانية وقد أسقط نفسه عامداً في الامتحان مرتين كي لا يؤخذ بعد التخرج الى جبهة القتال ولما كان العراق محتاجاً الى مزيد من الجنود كان الرئيس أنذاك قد عمد الى فصل الطلاب الذين رسبوا مرتين خلال الحرب وبعث بهم الى الجبهة.

ومما يرويه من حوادث ما قاله لنا وهو انه وضع بين عشرين شاباً من الجنود من المدعوين بالمتخاذلين الفارين وقد أعدمت أمامه العشرة الاولى من الجنود وخلال ذلك هبطت طائرة هليوكوبتر في مكان الاعدام نفسه نزل منها وزير الدفاع سائلاً عن الامر فأخبروه بالحقيقة التي تنتظر العشرة المتبقين فأصدر أمره بالعفو عنهم.

هذه احدى القصص التي تحتويها المقاهي اذ ترى فيها الخيرين والشواذ واللصوص وخبراء المقام العراقي ولاعبي الشطرنج، وفيها من يريد التسلية بقتل الوقت ولكنه يقتل وقته وهو عمره.

يمكن اقول ان صاحب المقهى يمكن أن نفرد له فصلاً كاملاً لوحده فهو شاب على وسامة في نحو الاربعين أسود الشعر كثيفه مع ابتسامة دائمة وحب الحياة وذكاء متنوع وعقلية مركبة عارف بالاحجار الكريمة والفضة والذهب والخواتم، وله معرفة بأنواع الالعاب مثل الشطرنج، لديه مكتبة عامرة بالكتب النادرة الا ان وقته لا يسمح له دائماً بالقراءة، اذ يعتبر المقهى مصدر رزقه وهوايته سماع الاغاني فاهم في فنون المقام العراقي وقد فاز في مطلع شبابه بالاولوية في قراءة القرآن يقول أنه عاكف على تأليف كتاب ما في موضوع لم يعلن عنه، لديه أصدقاء معروفون في حب الموسيقى.

كانت علاقتي معه طيبة وكان يدير الحوار معي بشكل متقطع لانشغاله بادارة المقهى، بحيث اننا لم نكمل جملة بدأناها الا ماندر، وكان خلافي الوحيد معه حول خطورة أسمهان فنياً على أم كلثوم او امتد بها العمر الا انه كان يعارض هذا الرأى، مما يضطره وهو غاضب أن يضع أسمهان في أسفل السلم ويرفع أم كلثوم رغم رفعة مكانتها وكذلك لم يكن يحب نقدي  لعبد الوهاب ويضع رياض السنباطي في قمته التي يستحقها، أما المواضيع الدينية والسياسية فكان يحذرني من الخوض فيها لان المقهى لا تخلو من المستمعين المغرضين، وكان يؤشر لي عن بعض المحتالين الذين يستدينون ويختفون.

أما صاحب أثقل دم عرفته في حياتي فهو صاحب الوجه الشيبة بالموس في توتره وكان كثير الكلام بحيث في جلسة واحدة قادر على أن يقرأ لك ثلاثين قصيدة دون أن يفكر انك تأتي للمقهى للاستجمام وراحة البال، واذا صمت فلا تظن انه قد أنهى كلامه، فانه سرعان ما يعمد أن يسمعك ما تبقى من شعره بواسطة الموبايل وبعد هذا يسألك ما هو رأيك بثقافتي؟

علماً بانه يكره المطالعة مدعياً انه أفضل من كل الشعراء وانه سوف يبدع مدرسة غير مسبوقة في الشعر وهو أفضل من الجواهري ونزار قباني والرصافي وغيرهم، وقد قاطعته مدة فعاد الى العلاقة ثانية، وكان لابد من قطعها ثانية وثالثاً ويبدو انه قليل الاحساس بالغير وهو حريص على أن يسمعك ما يدعوه شعراً ولو على أسنة الرماح.

تكررت الايام وتكرر الذهاب الى منطقة الفضل عن طريق فضوة عرب، كنت أذ أسير في تلك المنطقة ينتابني ما يشبه السحر وكأني أمشي داخل لوحة مرسومة فاخذ بالتطلع بوجود الناس من الجيل الثاني والثالث علي أعرف بعضهم أو يعرفني أحدهم فلم أفلح، أما الدور فقد عرفتها رغم تجاعيد الزمن الا ان الشكوك بيني وبينها كانت برزخاً يمتد الى أكثر من ستين عاما أما أنا فقد عرفت الدار التي كنا نسكنها بعد توهم.

وفي إحدى المسيرات افتقدت (دربونة) الطاق إذ هدمت وبني فوقها أحد المرافق وكذلك فعل بمدرستي المسماة- مدرسة الرصافة الابتدائية للبنين والبنات وكذلك مسحت من الوجود مدرسة الشيخ رفيع ويبدو ان التصرف عندنا يخضع للارتجال لا أحد يسأل عن أهمية هذه الاماكن وكذلك فعل بمثلها في بعض دول العالم المتقدم مما حدا بالشاعر فيكتور هيجو بالاشارة الى هذا الامر في روايتيه الرائعتين- البؤساء- ورواية أحدب توتردام وكذلك فعل الفيلسوف غاستون باشلار في مؤلفه- جماليات المكان.