رغبة التخفّي في لندن – نصوص- ابراهيم سبتي

رغبة التخفّي في لندن – نصوص- ابراهيم سبتي

لندن ، مدينة تتماوج تحت خطواته وسط سراب الصبح النحيل .. ضباب وشوارع وسيارات فارهة وترام يقطع القلق الباسط راحته في جسد هزيل يجوب الموت في كل لحظة .. موت يحاول النيل من رجل باحث عن مستحيل يترنم به مذ جاء الى مدينة الضباب متخفيا. يمشي نهارا وليلا لا يعرف شيئا من لغتهم ولا يعرف ما مكتوب في لوحاتهم .. لا يعرف كيف يمضي يومه مع اناس غرباء تماما او قل هو غريب عنهم حضر في غفلة من حيطة الجنود وهم يسوقون اخيه قاتل الضابط الانكليزي في بستانهم على شط العرب ، نحو سفينة تحمل العسكر الجرحى العائدين الى بلادهم .. اخوه القاتل ، مكبل في قعر السفينة الذاهبة الى لندن .. يرفعون المرساة ..

الزمان .. عشرينيات الارض المعفرة برائحة الموت والخبل المجندل ببساطيل الجنود الانكليز المتمترسين في بستان صغير غاف على شط العرب المرهوب من سفنهم الغريبة ودروعهم المخيفة .. ينفخ البوق الصباحي بالجنود .. في غفلة ، يطعن الشاب الاسمر ضابطا يتفحص المكان .. الجنود يتجمعون للتعداد الصباحي .. الشاب الاسمر يخفي مديته ويخبر اخاه الشيخ هواش فيلعن القدر ويشتعل القلب حزنا وغيظا .. يا سواد يومك .

الرجل المترنح من تعب لاهث وبرد قارس ، لا عقل ولا فكر له .. ينظر بعينيه باحثا عن مستحيل لم يطرأ حتى في احلامه .. كيف يعثر على اخيه الاسمر القابع في سجن ما هنا في هذا البلد العجيب بأبنيته وناسه وكلابه الاليفة .. لا احد يسير الا بقبعة وصحيفة ومعطف .. هواش بدشداشته وعباءته الداكنة وعقاله . علامته الفارقة . انت ؟ يلتفت الانكليزي ويبتسم تاركا الشيخ في حيرته .. اين يذهب الجائع في لندن ؟

يتمتم الرجل .. صائم انا رغما ..

من نافورة في ساحة ماربل آرتش .. يشرب الماء البارد ليروي ما يعتقد انه عطش ، محال ومطاعم وصخب وسط عملية بحث فرصة نجاحها شبه معدومة ، كانت المسافات المهاجرة امامه ، تبتعد به نحو مجاهيل اخرى.. يبدأ يومه من ويست منستر غرب لندن الى نيو غيت البعيدة ثم يدور حولهما داخلا الى قلب هايد بارك ليستريح .. لا يفك خطا ولا لغة .. كيف يعرف ما يبحث عنه ؟ شوارع طويلة عريضة يبحث فيها عن احد يفهم ما يريد .. يبحث عن نملة وسط غابة ، الشقيق القاتل هنا ، في معتقل ما ، في منطقة ما . هل ينتظر الشيخ المطاعم تلفظ بقاياها ليأكل شيئا ؟ واحسرتاه على نفسي !

يخترق شارع ادجور رود منطلقا من ساحة ماربل آرتش المجاورة لحديقة هايد بارك واصلا الى انعطافة اكسفورد ستريت باحثا في الوجوه ومفتعلا حركاته المعبرة عن شخص مسجون .. ذراعان مكبلتان . يؤشر كالاخرس .لا احد يفهم حركته هذه ولا احد يهتم اليه ابدا . شهور تتوالى مذ حضر في سفينة العسكر مبحرا من البصرة متخفيا بين كومة حبال في ركن منسي وميت يتغذى على ما يحصل عليه من قطعة خبز او شيء ما من بقايا جنود ليلا ولمرة واحدة في اليوم وربما في اليومين ، مجاورا اخيه المحجور عليه في قعر السفينة المحروس ، هندامه صار معروفا لسكان داوننج ستريت ونيوغيت وريجينت وكل احياء لندن ، لحية مثيرة ملفتة ونعال جلدي يظهر اصابع قدميه كأفاع متعاركة واردية شبه بالية ما زالت تستره . نزل من السفـــينة الخالية ليلا في الميناء القريب وكان يرى كل شيء متخفيا حينما اقتادوا اخيه المكبل ، فقد اثره عندما اركبوه سيارة بحراسة وراح يقطع المســــــــــــافات وصولا لمدينة البرد والضباب ..

جلس على دكة حجرية في حي ميدافيل وهو يرسل نظرات متعبة نحو ازقة ميريليبون وبادينغتون وساكس ، انها مترابطة ومتجاورة ، يتفحص وجوه المارة الذين لا ينامون مبكرا كما في قريته .. وحدها هي من التفت اليه .. امرأة تجاوزت الستين تجر كلبا صغيرا .. توقفت !

هل استطيع خدمتك سيدي ؟

لم يفهم ، لكنه عرف بسجية المتكهن انها تسأله عن شيء ما ، بادرها بحركته المعروفة ، يدان مكبلتان واشارة على الكتف .. هل فهمت انه يقصد سجن العسكر او شخص مسجون مثلا ؟ ظل يكرر حركته وسط مآقي مثقلة بحرقة دموع خفية ، حوار الخرسان .. فجأة صاحت المرأة .. عرفت ، انه السجن .. السجن .. لم يفهم كلامها لكنه عرف انها فهمت المقصود واومأ براسه موافقا راضيا سعيدا .. ظل يوسعها ضحكا وسعادة العاثر على الكنز .. اومأت ان يسير خلفها ..

 كان كالذي انفتحت له مغارات المعاجز والثروة والسحر .. امتار قليلة . توقفت تنظر الى كلبها الذاعن .. لتكلم شرطي المرور .. انسحبت تجر رفيقها الصغير تحت حيرة الشيخ وفرحه وقلقه ، لكنه لم يظهر امتعاضه من المرأة التي تركته خشية غضب الشرطي .. ظل واقفا لساعتين ينتظر تصرف الشرطي المتجهم .. نحن في لندن . حضر شرطي المناوبة . تعال معي .. مركز شرطة وسط لندن .شرح لهم الامر بحركاته ، كان جسمه محطما.. تجمعوا حوله يضحكون ويعلقون ، بصرة .. بصرة .. انت وحظك يا شيخ .. كان احدهم قد فسر المشهد .. فسره بانه جندي مسجون ، قال لجماعته .

اخذوه الى سجن عسكري يضم قتلة الضباط والمجرمين وسفاكي دماء جنودهم من غير الانكليز .. الشاب الاسمر النحيل يرتمي عند قدمي الشيخ هواش ويبكي بحرقة الغريب المتروك المهزوم .. بكى الشيخ وتوسل الى آمر السجن  بان يرجع السجين معه .. عد انت .. وسوف يلحقك اخوك بعد محاكمته ! تحديتنا في عقر دارنا .. ابارك شجاعتك ! لم يفهم لكنه تكهن بالمعنى ..

في صباح لندن الباكر ، كان رهط الجنود يصعد السفينة الوحيدة الذاهبة الى الهند .. ثمة جندي يقترب من الشيخ الصاعد صارخا بوجهه :

انديا .. انديا ..

فيما صاح الشيخ منتشيا بسعادة وكأنه فهم ما يريد :

بصرة .. بصرة ..

استدار ولوح الى المدينة التي عرف كل امكنتها عاما كاملا ، الا لغتها ..